البرواز ….الكاتب حسام باظة


الكاتب حسام باظة …يكتب…

 

البرواز
قصة قصيرة
قطعة الخبز المغموسة بالجبن الأبيض لا تريد أن تشق جوفى، تتكاد تتوقف فى حلقي، تناولت كوب الماء ليدفعها، سقطت فى جوفى الا أن الماء ذاته لا يكاد يجرى.
تركت مائدة الإفطار، إتكأت على المقاعد والحائط القريب، ألقيت بنفسى على الأريكة، إنهار جسدي كمن يسقط من علٍ، أتوق إلى كوب الشاى الذى إعتدت أن أتناوله بعد إفطارى، لا أقدر على القيام، صوت الصمت يدوى حولى كصافره، أصوات العربات والباعة الجائلين التي كانت تأتينى صباحا من الشرفة إنعدمت، هل أصبتتُ بالصمم؟ رفعت بصري بصعوبة لتقع عيناى على عينيها الجميلتين، ظلت جميلة لأخر يوم، البرواز الخشبي المزركش ذو الشريطة الحريرية السوداء يحيط بوجهها، زوجتي الراحلة، إدخرتها لكبري وعجزي فغادرت وتركتني، وحيد أكلم جدران منزلي وأستمع لها، قبل وفاتها بعامين أبلغنا إبننا الأكبر أنه قرر الهجرة إلى كندا، فالمستقبل هنا غير متضح الرؤية، ترددتُ ووافقتْ حُرِمتُ من أحفادى الصغار، ضَحِكتْ وقالت لى ألستُ إبنتك وأحفادك ؟ إبننا الأصغر لحق بأخيه بعد وفاتها بأشهر قليلة لم يخبرنى إلا يوم سفره متحججا بعدم رغبته فى الدخول معى فى جدال، أوصلته بسيارتي للمطار، عدت إلى البيت الخاوى إلا من صورتها المعلقة على الحائط، بكيت كثيرا بدون صوت حينا وبصوت مرتفع أحيانا.
أشعر بسخونه فى حلقى وضربات قلبى تزداد سرعة، حاولت القيام من على الأريكة فلم أستطع، إبتَسَمتْ لى من خلال البرواز، إبتسمتُ لها، إلا أن سخونة حلقى إستحالت لهيبا مستعر، وضربات قلبي أصبحت كطبول حرب، ناديت عليها إلا أن صوتى لم يخرج، سقطت يدى من على صدرى ونامت على الأريكة، جسدى يرتجف بشدة، صَرختُ بأعلى صوتى لعل أحد الجيران يسمعني إلا أن صوتى لم يخرج، بدا كحشرجة، خَرَجتْ من البرواز لتمرر يدها على شعرى الأبيض، يدها باردة ناعمة تطفىء من لهيب جسدى، بدأ ثقل جسدى يخف، أشعر وكأن شيئا حارا يخرج من صدرى، حاولت تحريك أطرافى إلا انها لا تستجيب لى، طبعت زوجتى قبلة على جبينى وسقطت منها دمعة رفق على وجهي، أشعر أننى أنزلق على شلال ماء بسرعة 200 كيلومتر فى الساعة، أشعر بدوار شديد والكون يدور بسرعة ألف لفه فى الثانية، ووجهها فى المنتصف يبتسم لى وتنزلق دمعات، أصعد، أشعر أن جسدى أصبح وزن ريشه ، أمسَكتْ يدي وحلقنا سويا فى فراغ المكان، دار كل منا حول الأخر، نور صافي هادىء أضاء الكون، اصوات الشارع تأتى من الخارج كعزف موسيقى ناعم مختلط بأصوات البلابل والكروانات، خرجنا محلقين من الشرفة يمسك كل منا بيد الأخر، ما أجمل أن تحلق كعصفور مع وليفته.
حسام باظة
23 يوليو 2019

 

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.