قلب .. ميت (قصة قصيرة)


ضجيج…. ضجيج… حشد كبير حضر من أجلها… يصفقون و يضحكون… يرقصون و يغنون .. من أجلها…وهي في زيها الأبيض الملائكي تجلس على عرشها الذهبي تلقي لهم بابتساماتها … تارة تلوح لهم …تارة تضحك … أو … أو تهمس له تارة أخرى …تهمس لأميرها الجديد … لعريسها… مررت من بينهم ولم يلحظني أحد.. لم يعد أحد يعرفني الآن ..ذاك الفتى الذي طالما وعدني أنه سيرقص في ليلة زفافي على أخته …الآن يرقص لشخص آخر …و تلك الأم ..لطالما أحتضنتني و دعتني بولدها الثاني …لم أعد كذلك الآن .. وهي .. أهم ما عشت من أجله ..انسبت إليها كما تنساب أنسام الريح بين شقوق الأبواب .. وقفت أمامها ولم تلتفت تجاهي …شغلها عني بهمساته… بلمساته .. بأشواقه الباردة …بمشاعره الضحلة ……

أيا قلبا غاب عن عيون أحبته .. أنظر لها ..ترتضي زوجا بلا عشق … لقد فاز بها دون أن يحارب من أجلها … لم يُسهر ليلهِ في عشقها .. لم يُذرف دمعه من أجلها .. لم تتأجج أشواقه للقاءها … لم يرتقب هذا اليوم كما يرتقب المؤمن دخول الجنة .. وها هو يصبح زوجها…

جثوت على ركبتي بجانبها ..أقتربت بوجهي من وجهها ..داعبت خصلات شعرها بأناملي قبل أن أهمس في أذنها ..” أحبك ” ..ارتعدت وهي تلتفت تجاهي …و توقف كل شيء عن الحركة..

” علينا أن نعود الآن ” , قالها الرفيق الوحيد الذي تبقى لي من هذا العالم وهو يقف عند أحد أطراف الحفل , فاعتدلت واقفا و أنا أدور ببصري في التماثيل البشرية الواهنة…لقد توقفوا عن الحركة …لقد توقف الزمن …و توقفت عيناي عند حبيبتي..

” علينا أن نعود ” أعادها مرة أخرى على مسامعي , فقلت له دون أن أرفع بصري عنها  ” ألاعيب القدر … شخص توشك كل أحلامه أن تتحقق .. استقر في وظيفة جيدة بدخل كبير …أنهى كل ترتيبات زواجه من معشوقته .. يرافقها ذات ليلة إلى منزلها وهما يتحدثان عن موعد تحقيق الحلم العظيم ..زفافهما ..يتركها و هو يشعر وكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها … يجد شجارا يدور على بعد ثلاثين مترا منه …يتوقف ولا يتحرك ..لن يمر الآن ..لن يقترب حتى من هذا الشجار العنيف … سينتظر حتى ينتهي …ألاعيب القدر …صوت مدوي …ألم رهيب …و دماء تنزف من قلبه … و السبب ..رصاصة طائشة … إن لم تذهب لقدرك…سيأتي إليك… لا محالة..

ليفارق الأمل جسدك على مذبح القدر الأليم… ولتتحول إلى ذكرى لجسد في التراب دفين ”

فقال الرفيق ” تلك الأيام نداولها بين الناس ” , فنظرت إليه متسائلا فقال ” سيأتي اليوم الذي يتعين عليها أن تختار “

فقلت في يأس ” وإلى أن يأتي ذاك اليوم …هل تعتقد أنه سيبقى لي رصيد في قلبها؟”

فارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة وهو يقول ” لا تتعجل …فقد يختفي طيفها من قلبك أنت … لنذهب الآن …و لن يطول الأمر حتى ندرك نهاية الأمر ..و عندها .. لن يعد للقدر المزيد من الخطط لينسجها حولنا ..”

قالها وقد بدأ يتلاشى كأشعة الشمس قبيل المغيب ..فالتفت إليها و أنا أقول في نفسي  ” ترى !! هل مقدر لنا اللقاء ؟ أم مقدر لنا النسيان ؟ “

عادت الحركة في الأجساد ..عاد الضجيج ..و القلق مرتسم على عينيها..فمال زوجها إليها..و تساءل ” ماذا بك ؟ هل أنت بخير ؟ “

و قبل أن يتلاشى طيفي من دنياهم سمعتها تقول وهي تحاول أن تبتسم ” لا شيء ..لا شيء “

لا شيء غير أنها شعرت بنبض مألوف …نبض قلب عشقت سماع همسه في الماضي.. قلب امتلأ عشقا لها ..بالنسبة لها الآن … هو قلب ميت..

تـمــــت

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.