مجرد حلم .. قصة قصيرة لمحمد رضا كافي


مجرد حــــلم

ياله من ألم شعرت به عند استيقاظي هذا الصباح ..و كأنني قد تلقيت ضربة على رأسي …جلست على فراشي وأنا أحاول أن أتمالك نفسي لأنهض عنه , تناهت إلى مسامعي أصوات ضحكات , استطعت أن أميز أحد الصوتين , إنه صوت المتصابية التي تدعى أمي , ربما لأنها لاتزال صغيرة و جميلة , فقد تزوجها أبي و بينهما فارق في السن يزيد عن الربع قرن , ثم أنجبني على الكبر , وهذا يكفيه… لطالما أراد وريثا لأمواله الطائلة , ودائما ما كان يحاول أن يسد خانة الفارق الزمني بينه و بين والدتي بالمال و الهدايا و الرحلات المستمرة , و ليس من الصعب على أي شخص أن يعرف بأنه لم يعد قادرا على إشباع الغريزة المقدسة , تلك الغريزة التي تستطيع تحويل المرأة من ملاك طاهر إلى شيطان غادر … و لكنه كان عذب اللسان حلو المعشر , و كان الناس يلقبونه بــ”السياسي” بسبب ذلك .
فركت عيني و أنا أخرج من غرفتي محاولا إكتشاف صاحب الصوت الآخر , و عندما اقتربت من باب حجرة الجلوس – و كان الباب مفتوحا – وجدت والدتي تجلس على الأريكة في أبهى حليتها بجانب شاب وسيم الشكل أنيق الملابس لا يكبرني إلا ببضع سنوات , و كان يهمس لها وهما يطالعان بعض الأوراق على المنضدة و قد بدت على وجهيهما السعادة و كأنهما يطالعان خريطة كنز,إلى أن نظرت أمامها فرأتني عند الباب فنهضت وهي تقول بابتسامة متكلفة :

  • ها أنت قد إستيقظت أخيرا من سباتك العميق …
    و أشارت إلى الشاب وهو يلملم أوراقه في حقيبته و هي تستطرد :
  • هذا السيد ” أدهم حسين ” مندوب شركة التأمين الذي أتى إلى هنا منذ بضعة أسابيع لعمل وثيقة تأمين على حياة والدك ..
    فقلت و أنا أتفحصه :
  • لا أتذكر هذا ..
    فمد الشاب يده مصافحا إياي و هو يقول مبتسما :
  • لابد أنك الأستاذ ” أحمد علوان ” .. لقد سمعت أنك متفوق في دراستك بالجامعة… أتمنى أن تصبح رجل أعمال ناجح مثل والدك ..
    فقلت وأنا أرمقه بنظرات متشككة :
  • شكرا .. و لكن ما سبب زيارتك لنا ؟ بالطبع لم تكن تقوم بتحصيل قسط التأمين ..أليس كذلك ؟
    فلم يجب الشاب بل نظر إلى والدتي التي قالت :
  • طبعا لا …و لكن عندما تقوم الشركة بعروض جديدة لابد أن يخبرنا بها ..
    فقلت في عناد مستفز :
  • أليس من المفترض أن تقابل والدي في شركته بدلا من المجيء للمنزل ؟ هو صاحب الوثيقة .
    فصاحت والدتي بي :
  • أحمد !! هل تقوم بالتحقيق مع الضيف ؟ إنه لم يكن على علم بعنوان شركة والدك , و أنا التي أردت أن اطلع على عرضه قبل أن يذهب لأبيك ….أي أسئلة أخرى ؟
    فقلت بابتسامة متكلفة :
  • أنا آسف يا أمي … أرجو أن تعذرني يا سيد ” أدهم” ..فأنا أبدو مستفزا عندما أستيقظ من النوم .
    فابتسم الشاب وهو يقول :
  • لا عليك يا سيدي ..فأنا معتاد على هذا .
    توجهت إلى الحمام و في عقلي نقطة لم أتقبلها …لا يعرف عنوان الشركة ؟! …حجة واهية … ينطلق اللسان بأكاذيب مفضوحة إذا واجه شركا مفاجئا ….
    ” أحمد !! أحمد !! ” ….التفت إلى صديقتي مادلين و قد انقشعت لحظات الشرود عن عقلي .. فسألتني في دهشة ” ما بك اليوم ؟ تبدو شاردا كمن تناول لفافتين من المارجوانا ؟ “
    فابتسمت في فتور وأنا أقول ” يا ليتها كانت المارجوانا !… كم الساعة الآن ؟ “
    فمظرت في ساعتها قبل أن تقول ” إنها الواحدة إلا الربع ” ..لم أشعر بالوقت ..تبا …علي أن ألحق بوالدي قبل أن يغادر الشركة …هرعت إلى سيارتي متجاهلا نداءات مادلين , وكان قلبي يخفق على غير عادته و كأن أمرا جللا سوف يحدث …و ما أن وصلت إلى مقر الشركة حتى قفزت من سيارتي و أنا أهرع إلى الداخل فاستوقفني أحد رجال الأمن قائلا ” أحمد باشا !! لقد غادر والد سيادتك منذ 10 دقائق ” نظرت إلى ساعتي في دهشة ..إنها الواحدة و عشر دقائق … إنه لأمر عجيب ..لطالما كان أبي الشديد الدقة في مواعيده لا يغادر عمله قبل الثانية ظهرا … لم أجد بدا من العودة إلى المنزل …طوال الطرق و أنا أفكر في هذا الخفقان المؤلم بقلبي …لماذا أشعر بهذا الخوف …وكانت الإجابة تنتظرعودتي للمنزل …

قام والدي بحادث مروع على الطريق … يبدو أنه فقد السيطرة على عجلة القيادة ..فارتطم ببعض الصخور قبل أن تنقلب به السيارة عدة مرات و تنفجر …كان يحب أن يقود بنفسه دائما ..كان يقول
” أنا أقود عشرة ألاف موظف و عامل لدي ..كيف لا أستطيع أن أقود سيارة ؟!”
وقفت عند أعتاب مقر الشركة في حزن ..أنظر إلى هذا البناء الضخم الذي كافح والدي كي يبنيه ..لقد ألحت والدتي كثيرا ” حان الوقت لترعى أعمال أبيك …لن نتركها فريسة لمنافسيه ”
وفي حجرة مكتبه استقبلني العاملين بالترحاب المصحوب بكلمات العزاء الحارة..و بعد لحظات حاولت أن اتمالك فيها نفسي اطلعت على بعض الأوراق التي تركتها لي سكرتيرة المكتب … عجبا .. ما هذا ؟!!
” هذه هي الحقيقة يا سيدي ؟…لقد تعرضنا لضربة قاصمة في البورصة ..و كان والدك رحمه الله يحاول أن يجمع شتات نفسه لينهض بالشركة مرة أخرى..”
فقلت متعجبا ” لم أكن أعرف ما يواجه…لم يكن يخبرني بشيء “
” في يوم وفاته ..” قالت السكرتيرة والدمع في عينيها ” كان على موعد مع شريك مرتقب ..كان سيساهم في حل الآزمة المالية ..و لكنه عندما هرع لنجدة والدتك قبل الموعد وحدث ما ..”
“مهلا ..” استوقفتها في دهشة ” لنجدة والدتي ؟! ماذا تعنين ؟ ” فقالت في مزيج بين الدهشة و الإرتباك ” كانت مريضة للغاية يا سيدي و اتصلت بوالدك وهي في حالة مزرية ..و لذلك ترك الشركة و هرع إلى المنزل “
عاد قلبي ليخفق بشدة …هرعت إلى المنزل و في عقلي سؤال يتردد …و أحتاج إلى الإجابة فورا..
دخلت إلى المنزل خلسة و لم تكن الخادمة الوحيدة التي لدينا موجودة ..استرعى انتباهي أصوات شجار قائم و قادم من غرفة المعيشة و لم يكن الباب موصدا ..اقتربت من الباب و سمعت صوت فتى التأمين و هو يصيح في غضب ” أنتي تعرفين جيدا أن كل شيء تم بناء على موافقتك , كل شيء تم بشكل طبيعي ..و قد استطعت تسيير التحقيقات لصالحنا …و جاء وقت الحساب “
و سرت قشعريرة بجسدي عندما سمعت صوت أمي و هي تقول ” أيها الواهم … كيف تسمح لنفسك أن تتخيل أنني سأفرط في أموال إبني لأعطيها لوغد وصولي مثلك …لقد وصلك ما تستحق ..و كل ماحدث كان لضمان مستقبل ولدي بعدما بدد والده ثروته في مضاربات البورصة … و تأتي الآن لتطلب نصف مبلغ التعويض ؟!! …أنت تحلم “
سمعت صوت صفعة قوية تبعتها صرخة ألم من أمي ..فكان لابد من التدخل …و ما أن دخلت حتى وقع بصري على ” أدهم ” فتى التأمين و هو يخرج مسدسا من سترته و يطلق رصاصة في قلبها ..
هالني ما رأيت و أصابني الجمود و أمي تنزف بغزارة و عينها تحولت إلي في أسف و ندم .. فقفزت على الوغد راكلا المسدس من يده و أخذت أسدد له لكمات غاضبة حتى سقط أرضا .. فجثمت فوقه و تابعت لكمه حتى شارف على فقدان الوعي فتركته و التفت لأمي محاولا إنقاذها
” سامحني يا ولدي …لقد فعلت هذا من أجلك فقط …من أجلك ..”
” لا تتحدثي الآن …سنعالج الموضوع فيما بعد …سأستدعي النجدة حالا “
و تركتها مهرولا إلى باب غرفة المعيشة فأستوقفني صوتا ساخرا حقودا ” إلى أين تظن نفسك ذاهبا أيها القوي ؟ إنك حقا لا تعتقد إني سأذهب للسجن ..أليس كذلك ؟ “
إلتفت إلى الوغد الشاهر مسدسه تجاهي …و لم يتردد في إطلاق النار …

ياله من ألم شعرت به عندما انتفضت لأجد نفسي في فراشي …مجرد حلم سيء…تحسست جسدي لأتأكد من أنه كان حلما .. جلست على فراشي وأنا أحاول أن أتمالك نفسي لأنهض عنه , تناهى إلى مسامعي صوت أمي تتحدث …خرجت من غرفتي متجها إلى غرفة المعيشة و قلبي يخفق بقوة .. وقفت قبالة الباب المفتوح لأجدها تتحدث في هاتفها الخليوي ..و ما أن أنهت مكالمتها حتى قالت لي مبتسمة ” ها أنت قد استيقظت من ثباتك العميق “
فتنفست الصعداء و أنا أقول مبتسما ” صباح الخير يا أمي ” و خطوت خطوتين للداخل قبل أن أتفاجأ بشخص يجلس على أحد الكراسي البعيدة عن مرمى باب الغرفة ..فسرت في جسدي قشعريرة باردة و أمي تشير إليه قائلة ” السيد أدهم حسين …مندوب شركة التأمين “
فقلت في شرود ” أعرف هذا ” فقالت أمي في دهشة ” ماذا بك يا أحمد ؟! ..تبدو كمن رأي شبحا “
فتمالكت نفسي و أنا أقول ” لا …مجرد حلم سيء…. مجرد حلم “
و في داخلي رفض عظيم لفكرة أن ماحدث كان حلما … بل رؤية توشك أن تتحقق …

تمـــــــــــــــــت

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.