الكتابة والموت …إبراهيم جمال( الشهير بمحمد خالد)


….”كيف أحاصر هذه الرؤيا الرهيبة بالكتابة”.
تحاصرني أفكار الموت كل لحظة؛ ولا أفلح في الهرب منها الا حينما تتأتي لى لوكريثيا بطيف وبنور.
بالأمس قالت لى عن فارسها الذي يزورها كل حلم. قالت عنه” انه يطء الارض بحصانه فتزهر، ويقف قبالة النهر فينشق، ويصعد فوق الجبل فيتحول طائرا كنار لطيف” كل ما كان يرهبها منه انه يسرف في الهرب.
قالت لي:” اشعر انه يحمل في قلبه سلالة من البشر، يتحرك بهم، ويتقيد. يحارب لهم. يحيهم؛ حتى لو مات دونهم. وانه لهذا يسرف في الهرب الطويل من كل درب يحرره منهم.”
قلت لها: انه ينتمي اليهم فلماذا القلق اذن؟!
فأجابتني فى تنهيدة عاشق فطر قلبه وانقسم:” لا ادرك انني سأحوز قلبي وحده”. ثم أسرفت في بكاء لا ينقطع وحديث.” انه يعشق مخافة ان يموت؛ يحب بكيانه كله مخافة ان يموت دون أثر.”
حاولت أن اظهر استفهامي الغاضب لا ريب ان غاية العشق ان يكون هكذا غير انها اكملت حديثها المضطرب:” ان الرجل حين يعشق هكذا يصبح ملولا؛ صعبا، بعيدا كل البعد عن الواقع. يصبح متعبا ويحلم بفارسة لا تحارب بميدان الا ميدانه، أنثى تفني عمرها تضمد جرحه الغائر، وانا لا أصلح لهذا.”
انهت حديثها واختفت دون وعد بعودة.
كنت حينها أغرق في التيه من حديثها المضطرب. ولم تفلح معي عقاقيري المهدئة؛ فانتفضت بعقل يستعر نارا لأحطم الجدار برأسي، فتهشم الاخير لضعفه امام صلابة الجدار فغفوت تعبا.
اتانى طيف فارس يشبه في شكله احد الالهة الاغريق. يطوى الارض فتزهر، ويقف قبالة النهر فينشق. تحوم حوله الفرائش والطيور، وتصاحبه الظلال والأشجار.
قبل رأسي فوجدت دمى يمتلئ بسلالات حية. أزهارا وبشرا وطيورا. قال لى؛ بداخلك الكون يتحرك بك؛ يحترق لاجلك؛ وانت ان تسقط يسقط معك. حاولت ان اقف فخانتني قدمى، فامسك رأسي بيده ووجها نحو قدمي المتعبة فوجدت اشجار تتجمع في عروقي، واسماكا، وجبال. قال لى، قبل ان تكون انت كان ثمة عالم يختزل نفسه لتكون، قبل ان تكون فردا هناك بشر جادوا بارواحهم، وكائنات حاربت، وحيوات ماتت لتصبح انت. انت لست نفسك فقط، انت عالم ملئ بهزائم وانتصارات وطبيعة وموت. انت ان مت الان سيموت كون كامل فيك.
وان عشقت فاحرص على الا تنخلع من كونك هذا؛ فولدك يتشكل بما يجده باقيا منك، فان لم يجد سواك فلن يصبح لك أثرا.
ثم تركني لأسقط وافيق واسقط وافيق.
ناديت لوكريثيا فتنصلت مني، وهربت؛ واسرفت في الرحيل. قالت لى لا اقوى على ان اضمد جراح عالمك، فمت بعيدا عن ارضي فلن تجد هنا اهل ولا بيت.
ولم استطع بعدها الكتابة من جديد. فثمة ما هو مخيف في الكتابة والموت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.