مراجعة نقدية لرواية (قمر على سمرقند) للكاتب / محمد المنسي قنديل يكتبها لنا…أحمد أبوشادي


مراجعة نقدية لرواية (قمر على سمرقند) للكاتب / محمد المنسي قنديل

تجار الحي عندنا تتشابه بضائعهم، تتشابه حوانيتهم، متهالكة مائلة، تتجاور وتتلاصق، كأنما يسند كل حانوت الآخر مخافة سقوط وشيك يسوقه الزمن لا محالة، حتى التجار أنفسهم متشابهون، هم توائم إن شئت دقة الوصف وفصل المقال، بل وحتى زبائنهم تتشابه أوصافهم، احتياجاتهم، بل وأذواقهم حد التطابق.
وعلى قدر التشابه يكون الملل، وعلى قدر الملل يكون النفور.
إلا ذلك التاجر السوداني الجديد سكناه بين ثنايا الحي العتيق، دائما هو يختلف، شكلا وذوقا وحانوتا وبضاعة وزبائنا، في حانوته تتزاحم أقدام الزبائن، وفي أدراجه تتزاحم أموالهم.

عالم الأدب اليوم هو مستنقع من التكرار وتشابه بائس للأفكار، نفس الأماكن وذات الأحداث، ولا جديد تراه عيون الشمس أو يعكس بطلَّته ضياء القمر، وقد أصبح طعم التثاؤب لا يفارق قهوتي عند القراءة، وزفرات الملل لا ينقطع لها حبلا ولا تُختتم لها بداية، أما هجمات النعاس فلا تعرف طريق اليأس أو طعم الاستكانة.
فهل من جديد يستخلصنا من الوحل، وينتشل أرواحنا المهترئة من حقل المرايا البائس هذا؟!

لكل من قرأ ومن لم يقرأ رواية (قمر على سمرقند) للكاتب / محمد المنسي قنديل أقول له:

أكثر ما تستميز به هذه الرواية عن البقية هو الاختلاف، فهي تخطو بثوبها الشرقي الشفيف ودلالها الراقص عالم الأدب لتستدير ناحيتها الرؤوس، فتشاهد طيوف السحر والغموض، الرواية تنتزعنا من تقليدية المكان فى وطننا العربي لتنثر أرواحنا على ضفاف الأنهار بأواسط آسيا، حيث بلاد غلّفها الزمن بعبق الأصالة، وتختلط فيها الحقائق بالخيال، والعلم بالأسطورة، يبسط الكاتب بين كفيك عالما جديدا لم تره من قبل فتستنشق روائحه، روائح الشرق الحارة المختلطة بعرق البشر وآثامهم، تسكرك العطور فتنتشي، وتستعبد لبك معالم المدن العتيقة فلا تكاد تستفق إلا لتدرك براعة الألعوبة التي استقطبك الكاتب إليه بسحرها.
ليس المكان المختلف هو ما يتنفس بالحياة في الرواية فحسب، بل أيضا بعض عناصر البناء الروائي وخصوصا السرد، الذي كان الاختلاف والتجديد فيه طابع حسنه وبريق طلته، مما زاد الرواية قوة والأحداث زخما.

الفكرة وفلسفة الرواية
تدور معظم أحداث الرواية فى دولة أوزباكستان العجيبة، فهي رحلة لطبيب مصري قصد بها صديق أبيه القديم ليعرف منه سرا سالفا مخبوءا، ويتعرض خلال رحلته تلك لأحداث عدة، ويقابل شخوصا كُثرا، حكايات تُسرد، وأسرار تُكشف، واعترافات تنسكب.
الرواية للأسف تكاد تخلو من العمق ومن الفلسفة بشكل واضح، عمادها المتين هو الحدث والحبكة ليس إلا، رواية للاستمتاع ولا شك، تتحطم عند شطآنها آمال مهوسي الفلسفة.
لم يعجبني فيها نظرة الكاتب لضباط الجيش المصري في السبعينات، أراهم أفضل جيل نبت من بين أَظْهُر القوات المسلحة، بيد أن الكاتب قد أحاطهم جميعا بإطار بالغ الضعة، يتأرجح بين شرب الخمر وزنا المحارم والقسوة والحماقة.

الحبكة والبناء الدرامي
الرواية من النوع الساكن (أي لا عقدة فيها ولا صراع مستقطب)، وهذا النوع من أصعب الحبكات، فهو لا يعتمد في تشويقه على تسارع الأحداث صعودا ثم احتشادا فهبوطا، ولكنه يعتمد على متعة الحدث وقوة الحبكات الداخلية.
الحبكة العامة جيدة جدا، التماسك فيها بادي القوة والمنعة والتراص، لم تختل حبكته طوال السرد إلا في بعض المواطن الجنسية، ولعل ذلك لإضفاء هالة من الخيال والحالمية للمشهد.

الشخصيات
للرواية بطلان رئيسيان أحدهما من النوع النامي (1) والآخر مسطح (2)، استطاع الكاتب سبك شخصية كل منهما، ونحت جوانبهما ليتمايزا دون تقلقل متهاون أو تصلب مبهم، وهذا أمر لو تعلمون عسير، كما أن باقي الشخصيات أجدها ذات عمق وثبات، قد نفخ فيهم الكاتب من روحه لتتحرك بتلقائية بين السطور، وتُراقص الكلمات أمام أعين القراء.

السرد
وهو أفضل ما في الرواية من وجهة نظري، السرد من النوع المتسلسل البسيط، قوي جدا، بديع وشاهق الروعة، وقد اعتمد الكاتب في سرده على آليات أربع:
أما الأولى فهي دقة الوصف البالغة للمكان، فتجسد كلماته المكان، وتقيمه حيا أمام أعين القارئ الذاهلة، لتنقل القارئ بذاته وروحه وإن شئت جسده إلى مكان الحدث، وهي براعة في الوصف قل بالغيها، ولعل ذلك يرجع إلى دراسة الكاتب المتأنية لهذه المنطقة من العالم، ومعرفة معالمها وتضاريسها وتاريخها وجغرافيتها تماما كأهلها.
أما الثانية فهي الانتقال والتداخل الشديد بين الزمن المتسلسل (الكرونولوجي) والزمن النفسي (السيكولوجي) (3)، ولا تكمن البراعة هنا في استخدام نوعي الزمان، فكثيرون فعلوها قبله وبعده، وإنما تنبلج براعته في مرونة التنقل وانسيابية التداخل بين الزمنين، وهو أمر لن يفهمه بدقة إلا من قرأ الرواية.
أما الثالثة فهي الانتقال المبدع بين سرد الراوي العليم وسرد الراوي المتكلم (4)، ليس هذا فحسب بل إن الشخصية التي سردت كراوٍ متكلم استطاع الكاتب أن يسردها أيضا بسرد الراوي العليم في نفس الوقت، لقد أذهلني.
أما الرابعة فهي المهارة العالية في الإخفاء السردي بنوعيه الجزئي والكامل (5)، ودون أن تختل منه الحبكة أو تهترئ، ويكفي أن تعلم أن أحد البطلين الرئيسيين لم تُسرد قصته إلا في نهاية الرواية.

اللغة
اللغة جيدة جدا، تشبيهات رشيقة، غير مصطنعة ولا متكلفة.

الحوار
فصيحا، واضحا، ومعبرا عن حالة المتكلم وكاشفة له.

التقييم العام
رواية بديعة، لا ينبغي للمهتمين بالأدب وخصوصا الكتَّاب التغافل عنها لتفلت من يديه إفلات الماء في الشقوق، رواية مختلفة في زمن التكرار، خرجت من رحم الشرق الأقصى القديم، لتعيد لأذهاننا أمجاد القدماء.
تقييم الرواية من وجهة نظري لا يقل عن 4 من 5.


(1) الشخصية النامية: مصطلح روائي يقصد به الشخصية التي تتغير طباعها مع أحداث الرواية، فينقلب من الشر إلى الخير مثلا أو العكس.
(2) الشخصية المسطحة: ثابتة طوال الأحداث لا تتغير.

(3) الزمن المتسلسل: هو المجرى الزمني الطبيعي الواقعي لأحداث الرواية.
الزمن النفسي: هو الحالة النفسية التي تعيشها الشخصيات من حوار النفس أو التعمق الفلسفي أو حتى الذكريات السابقة.
(4) سرد الراوي العليم: كأن الكاتب هو من يروي الأحداث بما يعرفه من كافة الخبايا والأسرار، ويكون الضمير بـ (هو).
سرد الراوي المتكلم: يكون علي لسان إحدى الشخصيات، ويكون الضمير (أنا).
(5) الإخفاء السردي: هو تعمد إخفاء معلومة أو موقف ما وتأخير ظهوره (إخفاء جزئي) أو عدم ظهوره مطلقا ليترك الأمر لخيال القارئ (إخفاء كلي).

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.