الأدب النسوي (متلازمة أم تنوع أم وهم؟!


….

### الأدب النسوي ###

(متلازمة أم تنوع أم وهم؟!!)

طُلب منَّا ذات تنافسٍ بإحدى المسابقات الأدبية البديعة أن نكتب نصا عن معاناة سيجارة يتحرَّق جسدها بين شفتي مدخن، مثله كتحدٍ معضلٍ يحتاج أن نتجرد حقيقةً من خلايانا وأنسجتنا البشرية، لنتكدس كأوراق نباتية جافة داخل لفافة ورقية بيضاء قبل أن يأتي أحد الحمقى فيشعل فينا النار ملتذًّا بامتصاص دَخَن أرواحنا، وما بين التكدس والاشتعال والتآكل والفناء طبقات من المعاناة المركبة، بعضها فوق بعض، عن سَبْر عُمقها تعجز العقول، وبأبعادها عَيت الأقلام اكتناهًا وحَوْطًا، ولو أن قَـدَرًا من السماء أنعم على تلك السيجارة المسكينة بالحق والقدرة على الكتابة يوما، لقدمت لنا أدبا يتجاوز آخر حدودٍ رأيناها للبؤس، ويغترف لنا مما هو أبعد من أعمق قيعان بلغناها في السوداوية، ولسُمي وقتها وعن استحقاق لا يُرمى بشكٍ بالأدب السجائري المحترق.

تقول فيرجينيا وولف وهي كاتبة وناقدة انجليزية (النساء كتبن بطريقة مختلفة، ليس لأنهن مختلفات نفسيا عن الرجال، بل لأن تجربتهن الاجتماعية مختلفة).

ويقول نزيه أبو نضال وهو أديب أردني (إن الأدب لا يمكن أن يكون نسائيا أو ذكوريا، غير أن أديبا ما سواء أكان رجلا أم أمرأة سيكون أقدر على تصوير جوانب من الحياة بحكم معرفته الحميمة أو الخاصة بها، وعليه فإن الكاتبة في تقديرنا هي الأقدر كما قلنا على رصد أزقة المرأة وحواريها الداخلية وكشف عوالمها المتقلبة).

بدأ مصطلح (الأدب النسوي) في الطفو على السطح الأدبي في منتصف القرن التاسع عشر في فرنسا، تزامنا مع دخول المرأة عالم الكتابة جنبا إلى جنب مع الرجل، وقد كان الكثير من الكاتبات آنذاك يستعملن أسماء رجال مستعارة كي لا تلاقي أعمالهن استخفافا من الوسط الأدبي والقراء، كالروائية الفرنسية أمانتين أورو لوسيل دوبين صاحبة رواية (قارعو الناقوس) والتي كانت تكتب تحت اسم جورج ساند، كذاها الروائية والشاعرة الإنجليزية صاحبة رواية (جين إير) الخالدة تشارلوت برونتي والتي كانت تكتب تحت اسم كيور بيل.

وقد أُطلق مصطلح (الأدب النسوي) في البداية على أيٍ من وكل كتابات المرأة، ولكن اتُفق فيما بعد اصطلاحا على إطلاقه عند وصف نوعٍ محددٍ من الكتابات بغض النظر عن جنس كاتبه، فهناك من الرجال من كتبوا في هذا الأدب، فـ(هنريك إبسن) حينما كتب (بيت الدمية ) كتبها بوعي نسوي، وأيضا (ديفيد هربرت لورانس) حينما كتب (عشيق الليدي تشاترلي) رغم فجاجتها.

تقول فيرجينيا وولف (إن كتابة المرأة دائما نسوية، ولا يمكن لها أن تكون غير ذلك، ولكن الصعوبة تكمن في تعريف ما نقصده بالنسوي).

في الأدب الروائي يقصد بالأدب النسوي السرد المندفع من تجارب المرأة الذاتية والاجتماعية، حيث يتمركز السرد حول قضية المرأة لتكون محور الحدث ولب المضمون، وتكون الذات الانثوية هي اللاعب الأبرز، ودوما ما تكون مظلومية المرأة وطغوان الرجل هما أساس الحبكة ومقصد الرواية.

ويتميز هذا النوع من الكتابات عن غيره بثلاث سمات أساسية (التضخيم والتقزيم والتمرد) وهذا من حيث المضمون.

فالتضخيم هنا يقصد به دور المرأة، فالبطل دائما امرأة، وأحيانا عدة بطلات، دائما تكون المرأة هي الحدث وهي قلبه النابض، فتبدأ الأحداث أمام عينيها وتنتهي عند قدميها، يطوف القارئ حولها سبعا فسبعا، صفاتها مفرطة في المثالية، معاناتها دائما تنحصر في رجل ما، أخ أو أب أو حبيب أو… أو…

أما التقزيم فهو دائما من نصيب الرجل، فيأتي مهمش الذكر أو مشوهه، قاسيا أو ضعيفا، بخيلا أو مسرفا، شهوانيا أو عنينا، فيجب أن يكون دائما هو سبب كل البلايا والنكبات، فهكذا تقتضي قواعد اللعبة بين الملائكة والشياطين.

ثم يكون التمرد دائما هو النتيجة المتوقعة، التمرد على الرجل، وعلى المجتمع، وعلى الزواج في كثير من الأحايين، لأن الزواج بالنسبة لها هو صك يتملك به الرجل جسد المرأة وقَدَرها، ويتحكم في الكثير من اختياراتها، ويحد كثيرا من أمواج طموحها وتطلعاتها.

أما من حيث الشكل فيتميز هذا اللون الكتابي بعدة خصائص، أهمها ميله الشديد للصور الجمالية والإغراق فيها، فتميل دائما الكفة للغة الشعرية على حساب اللغة المعيارية الحديثة حتى قد تصل أحيانا لحالة القصة القصيدة.

كما أن السرد دائما ما يميل إلى لغة الحكي والدوران والتفرع غير النافع وغير الدافع للحدث أَمَامًا، مما يُحدث تغييبا وتشتيتا كبيرا في خيوط الحبكة حتى أن البعض قد يصل إلى نقطة اللاحدث.

والسرد المفضل في هذا اللون هو سرد المتكلم فهو يعطي حرية أكبر في استعراض مكنونات المرأة وتقلباتها الداخلية، كما أن طريقة الاسترجاع وإقحام اليوميات والرسائل من التقنيات المستخدمة بكثرة فى هذا النوع من الكتابة.

وكثيرا ما تُـدَس الـ(Meta­writing) داخل السرد، وهي التحدث عن الكتابة نفسها، وكيف أنها مخرج للإنسان ومهرب عند الشدة والابتلاء، فالمرأة التي لا تَبُثّ الناس همومها، فإنها تكتبها، لذلك فهي ممتنة جدا لاختراع الكتابة، ودائما ما تميل للكتابة عن الكتابة في كتاباتها.

إلا أن هناك الكثير من النقاد قد أعترضوا بشدة على مصطلح (الأدب النسوي)، ورفضوا تقسيم الأدب إلى نسوي وذكوري، وهي رؤية لها وجاهتها وقدرها، ولكن إذا سلَّمنا بصحة هذا الرأي، فإن من الواضح أن هناك إذن اتفاقا غير مكتوب، ذو بنود سرية بين أكثر الكاتبات في العالم على أن يكتبن بنفس الطريقة ونفس الاسلوب، فهذا التشابه في اللون وأسلوب السرد وطريقة التعاطي لا يمكن أن تكون مصادفة أبدا.

أقول – وأنا أتأمل سيجارتي المحترقة التي حَـرَمنا صمتها من التعرف على أدب الاحتراق – أن الأدب النسوي هو روح المرأة وأفكارها على الأوراق وتفاعلها مع الواقع الذي تعايشه، ولا ينتقص هذا التمييز أبدا من قدر المرأة ولو بالنذر اليسير، فالمرأة اليوم تستطيع أن تكتب أدبا عاما أو أن تكتب أدبا نسويا، وهذا أمر لا يتسني بلوغه لأغلب الكتَّاب من الرجال، فالرجال لا يكتبون إلا الأدب العام فحسب، ولا تستطيع أقلامهم بل وقد تأبى أن تكتب أدبا نسويا، وسيفضلون عليه – لو اضطروا – الأدب السجائري المحترق بلا شك.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.