ثمن الحرية …سلسلة قصص للأطفال…يكتبها أستاذ حازم إسماعيل السيد


ثمن الحرية

انطلق العصفورُ الشابُ في سربِ العصافير في فرحٍ محلقًا في السماء الرحبة .. يجتاز الحدائق ، والجداول ، والأنهار .. يمرُّ أعلى المنازل ، والبيوت ، والأشجار ..
يتنقَّلُ بحريةٍ من مكانٍ إلى مكانٍ بين أصحابه وأبناء عشيرته ، وفي آخر كلِّ نهارٍ يرجعُ هو وجميعُ أفراد سربه إلى أعشاشهم بين الأشجار راضين مطمئنين حامدين شاكرين ..
وهكذا لهم موعدٌ دائمٌ مع مطلعِ شمس كلِّ يومٍ يسعون لأرزاقهم ، ويستمتعون بالحريَّةِ في السماء الواسعة والأرض المفتوحة .
وفي يومٍ خرجَ العصفورُ الشابُ مع رفقته كما اعتاد يتعرَّف على العالم من حوله .. ينظرُ هنا وهناك .. يشاهدُ ، ويلاحظُ ، ويتعلَّمُ .. نظر العصفورُ ليرى على البعـدِ حـديقـةً خضراءَ زاهيةً ، ذات مساحةٍ كبيرةٍ .. بهرُهُ جمالُها ؛ فقد كانت باسقةَ الأشجار ، وافرةَ الخضرة .. تمتلئُ بالزهور ، والرياحين ..


دعا العصفورُ الشابُ أقربَ أصدقائِهِ إليه ليقتربا من الحديقةِ فيستمتعها بخيراتها ، ويتمتعان بطبيعتها البديعة .. استجابَ له صديقُهُ ، وانطلقا إليها ..
عرف العصفوران أنَّها حديقةُ للحيوانِ بما تزدان به من صور الحياة المختلفة ، والحيوانات المتنوعة الأشكال والأحجام .. ثدييات ، وزواحف ، وطيور .. والجميع يعيشُ خلف أسوارٍ حديديةٍ تتيحُ مشاهدتها ، لكنها تمنعُها من الخروجِ ..


قال العصفورُ الشابُ لرفيقه :
– انظر يا صاحبي إلى تلك العصافير الملونةِ .. ألوانها بديعة .. حمراء ، وخضراء ، وصفراء ، وزرقاء .. في تنوُّعٍ عجيب سبحان الخالق ! ..
وانظـرْ إلى غـذائهـا مـن الحبـوب يملأُ أقفـاصها ! .. وانظر إلى المياه النظيفة التي تتوافر عنـدهم ! .. إنَّهم بالتأكيد محظوظون فحياتهم سهلة مريحة ! .. إنهم بلا شكٍ يعيشون في جنةِ اللهِ على الأرضِ ! .. لو كنتُ مكانهم لما احتجتُ إلى شيءٍ آخر من الدنيا ..
إنَّنا نخرجُ من الصباح الباكر ولا نعود إلا مع الغروب .. وطوال هذه الفترة نبذلُ جهدًا كبيرًا لنحصلَ على قوتِ يومنا .. نلتقطُ الحبَّ ، ونطاردُ الفراشات ، نصطادُ اليرقات ، والحشرات .. نتعرَّضُ لمخاطرٍ كثيرةٍ : القطط ، والصقور ، الصيد ببنادق الصيادين ، أو الوقوع في شباكهم وشراكهم ، وقد يموتُ بعضُنا مسمومًا بالمبيدات ، أو مصعوقًا بأسلاك الكهرباء ..
وبعد المجهودِ الرهيبِ الذي نبذله طوال النهار نعود إلى أعشاشِنا مجهدين وقد استهلكنا ما أكلنا خلال جهد يومٍ من الشقاءِ والتعبِ ..
فهذه الطيور حظها أوفر وإن كانت محبوسة ، فيمكنك أن تعتبر هذا وسيلة لحمايتها ، والحفاظ عليها من أعدائها .. فلماذا لا نكونُ مثلها ؟!
أجابه رفيقُهُ العصفورُ :
– لكنَّني سمعتُ رآباءنا وأجدادنا العصافير يقولون أن هذه العصافير الملونة المحبوسة فرَّخت في الأسر جيلا بعد جيل ، وقد اعتادت على هذه الحياة فلا تستطيع أن تعيش خارج أقفـاصهـا ، بل وكثير منهم جـاءوا مـن بيئـات مختلفـة عن بيئتنا .. هكذا خُلِقتْ وهكذا خُلِقنـا ! ..
اقترب العصفور من أحد هذه الأقفاص .. حاول أن يدخلها لينال قسطًا من الغذاء بغير جهد .. كانت فتحات الأسلاك ضيقة ، لكنه حاول أن ينفذ داخلها ..
نجح العصفور بعد محاولات شاقة أن يدخل قفص العصافير ، وأكبَّ على الطعام يأكل ويأكل حتى أصابته تخمة شديدة وما استطاع الوقوف .. فرح العصفور بالطعام الوفير والماء النظيف ، وظل على هذه الحال عدة أيام فزاد حجمه كثيرا ، وثقل وزنه ، ولم يستطع حتى الطيران داخل القفص الضيق ..
مرَّ عليه رفيقه فرآه محبوسًا في القفص فرثي لحاله .. حول العصفور الحبيس أن ينفذ من بين الأسلاك فلم يستطع ، كان حجمه كبيرًا ..
قال العصفور وهو متألمًا :
– الآن عرفتُ أن الحرية لا تُقَدَّر بثمن ..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.