موت وحياه…إبراهيم جمال( الشهير بمحمد خالد)


…صغيرا كنت أركض في عراء القرية دون خوف وريبة. كانت الأشياء جميلة ومغرية كلون الأرض الأخضر… كنت كلما يأتي الصبح أركض حافيا في الحقول التي نشأت بينها لألتمس الندى بقدمي الصغيرة وأتحسس الحياة. حينها كنت صديقا لكل شئ جميل، محبا لكل شئ يشبهني. وبسيطا. لم أكن أعاني وحشة ولا وحدة. صديقي كان المذياع الصغير الذي ينشد الآيات، وبيتي كان أصوات الديكة. وراحتى كان نسيم الحقل. فقط شبحي الوحيد كان أخدود الماء الذي شقته الصدفة ليعبر عبر الحقول. كنت أرى فيه عدوى الذي يمنعني العبور الى اللانهاية. أتذكر أنني ذات يوم حاولت القفز عبره فغرقت فيه لولا أن تداركني أحد المارة دون الموت. ومنذها وأنا أخاف منه وأعده عدوى الوحيد. ولما اشتد عودي قليلا واستطعت عبوره بخطوة واحدة دون خوف لم أجد البراح بعده كافيا لاحتوائي اذ ان الحقول بعده تماست مع مجرى النيل الأزرق. كان الخوف من شبح الغرق يمنعني من المجازفة لأعبر فلجأت لأن أجلس أمامه واتأمل. بمرور الأيام والليالي رأيت أن الجمال الحقيقي يتجسد في تماس النيل بزرقته مع الزرع برونقه الأخضر فيكتسب النيل لونا من الخضرة، ويكتسب الزرع رونقا من زرقة النيل.
ولما طال تأملى صادقت ضفدعا صغيرا كان يخرج كل غروب من النيل ليختبئ في خضرة الزرع وعتمة الليل. كنت أظنه يشبهني حتى قال لي أحد ان الشبه بينكم يكمن في اختياركم العزلة والتدبر.
ولما طغا الماء ذات ليلة وأغرق صديقي بداخله فلم يخرج لي ثانية كرهته ككراهتي للموت. فلم أعد بعدها الى الجلوس على ضفته واكتفيت بمشاهدة المساء من فوق منزلنا الصغير الذي كان طبيعيا كالحياة، فحيطانه طينية تنضح بالحياة لا يتخللها الموت بحجر، وسقفه من جريد النخيل المستند على جذع نخلة قديمة. وغرفتي كانت تتوسط غرفتين يسكن أبي وامي احداهما وتسكن بعض الدواجن الاخرى. كنت اتسلق حائط البيت كل ليل وأتشبث بركنه لأشاهد الليل والنيل من بعيد.
ولما دب دبيب الموت اركان القرية وانحسرت الحياة بأخضرها والنيل بزرقته وطين البيت تبدل حجرا وسقفه أضحى قاسيا من حديد هربت من هناك.
طفت المدن واحدة تلو أخرى، لأبحث عن الحياة. صادقت الطرقات والطيور المهاجرة والمشردين من البشر. كنت أرى في كل شئ حياة تعافر لكي لا تموت. ولا شئ يبقى سوي الموت.
قال لي شيخ عجوز يا بني ابحث عن من يضمد جرحك ويحتوي صرختك، في العشق ستجد ضالتك. همت عشقا حتى أنني لا أظنني تركت امرأة دون قبلة، ولم أحز الا الخذلان والمزيد من الموت.
قال لي طائر وقع على كتفي حينما تعب فجاة من رحيله اقرأ تجد الحياة فلم اترك كتابا الا وطفت به حتى يموت معي. لا أنكر انني في الكتب وجدت بعض السلوان والحياة غير أنني لا أنسى أن الحياة أضحت صعبة جدا حينما أدركت الحقيقة وأننا خلقنا من موت الى موت فزهدت الأشياء كلها وزهدت النساء. وحينما صعد الشيخ منبره في هذا اليوم الذي غادرت فيه القرية للابد كان يخبر ان الرقص عبادة والله يأمر به فلعنت دينه وخرجت. كنت أرى دهشة الجميع تلمع بوجوههم فصرخت فيهم
“ايها الحمقى ان الرقص هو طقس الحياة الوحيد يتراقص النيل ليخضر الزرع ويتراقص الزرع انتشاء بالحياة، وترقص الانثى من الشوق والسماء من دغدغات الريح. ايها الحمقى ان الالهة لا تأتي الا بالموت لذا فمحال عليها ان تنتشي بما في الرقص من حياة. فلا تتقربوا به اليهم حتى لا يموت”.
ومن حينها لم أعد الى القرية ثانية؛ إذ خرجت مغاضبا كنبي ابتئس من كفر قومه فتلقفته الحياة بمزيد من الأسى والكفر.
انا ابن عطاء اخبركم انه لا حياة في هذه القرية ولا أمل فهاجروا واهجروا ما يمنعكم من عبور ضفة النهر من خوف وضعف فالحياة لا تختلف عن الموت في شئ.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.