غفلة….إيمان صلاح الأحد والأربعاء من كل أسبوع


غفلة
إنه ذلك الضيق الذي يعود كل يوم إليها ،حتى وإن ذهب في مرة ، يأتي الأخرى ويلتصق بأنفاسها، في غفلةٍ منها ، حاولت أن تٌقنع ذاتها أن الأحزان لا فائدة منها ، تأتي بالمرض فقط ،ولكنها فشلت ،وعندما احتدت حالة الاختناق تلك ، أخذت بمفاتيح سيارتها الخاصة ،وركضت لتستقلها مسرعة نحو نهر النيل الذي تحب المكوث أمامه لتلقي بالهموم به فيبتلعها .
وهي في طريقها إلى هناك ،كان الطريق مزدحما بالمارة ،والسيارات والأصوات العالية المتداخلة ،وكانت لا تشغل بالها بمن حولها ،فقط بالها مشغول بكل الكوارث التى حدثت فى حياتها ،أمها التى تركتها وهى فى سن صغيرة لتتزوج من رجل أخر غير أبيها، فذهبت وهي في أمس الحاجة إليها ،لتجرى وراء شهواتها معتقدة بأنها مازالت شابة صغيرة تعشق الحياة.
تتذكرها دائمًا وهى في عمرها الذي لم يتجاوز العشرة أعواما لا تعرف شىء عن الحياة عندما قالت :
“ابنتى حاولت أن أحب والدكِ ولكننى فشلت ، التمسي لي المعذرة “..
كان أبوها رجلاً عطوفاً ، كاد يجن عندما رحلت أمها ، ولكنه أطلق عليها لفظ الخائنة التي طلبت الطلاق لترحل مع عشيقها ،وتترك ابنتها وحيدة بلا أم .
لطالما نظرت إلى أمهات أصدقائها فى كل مراحل عمرها ، مستغربةً كيف الأم تحتضن ابنائها بتلك الحنية التى لا مثيل لها وهى مفتقدة هذا الحنان.
لم يتزوج الوالد ظل بجانبها ، يحاول أن يعوضها ، ويجلب لها بعضًا من شعور الأمومة، ولكنه أحيانًا يخنقها بحديثه ،ويغلق عليها كل شىء من حولها ،ظنًا بأنها سوف تهجره هى الأخرى كما فعلت أمها.
حتى عندما وصلت إلى سن الزواج ، تقدم لها سمير صديقها فى الكلية ، لكنه لم يجد سوى الرفض، ونهره الأب لسبب لا تعرفه هى ، حتى عندما واجهته بسؤال
:” لِمَ رفضت سمير زوجًا لي؟! “.
قال لها سببًا غير مقنع على الإطلاق..
:”شعرت أنه ليس الزوج المثالى لكِ حبيبتى “، ثم إذا احتدم النقاش بينهم يتطلع إليها ، ويتحدث باختناق شديد ، ستتركينى مثل تلك الخائنة ،لم تفهم أى شىء قط وقتها ، ولم تتوقف عند الأمر كثيرًا فقد كانت بالمقابل لا تحب سمير ، ولكنها في استغراب شديد من أبيها ، وأمر هذا الرفض حتى أخبرت نفسها بأن أباها يحتاج إلى علاج نفسي أحيانًا ، لأنه يبغض النساء جميعًا ، أما هى فيحبسها جانبه ، بداخل قفص إتهام لجريمة لاتعرف عنها شىء .
حتى جاءت الفاجعة عندما وصل سنها للحد المسموح بالزواج ، ولم تتزوج بل انغمست في العمل ، في شركة والدها ،وكانت مهتمة بالشكل الإجتماعي لهم أكثر من أى شىء ، وعلى حساب راحتها ، وفى غفلة رحل الوالد عنها ، عندما أُصيب بذبحة قلبية ، وتركها وحدها تُدير الأعمال ، ونسيت ذاتها فى غمرة الحياة.

لم تنتبه إلى من حولها إلا عندما رأت أشخاصًا أمام السيارة يُريدون عبور الشارع ، فتوقفت لحظة عن التفكير فى السابق، وابتسمت لتلك الفتاة الصغيرة التى كانت ترتدى فستانًا أصفر ممسكة بيدى أمها ،وهى تعبر الشارع ، والتى أومأت لها بالتحية سريعًا .
راحت أفكارها تغوص بعد ذلك فى بحر الأيام والذكرى ، عندما تفاجأت وهى جالسة تُطالع الصحف يومًا ما فى مكتبها بعد وفاة والدها بالسكرتارية ،وهى تُحدثها أن هناك سيدة تُريد مقابلتها، فتركت الصحف وطلبت منها أن تأتي بها.
رأتها ، تلك التى لم تستمع لأخبارها منذ زمن ، كانت تعرف أنها جميلة ، ولكنها رأت فى ملامحها احتلالاً سافرًا من التجاعيد عليها .
طلبت منها الجلوس ، جلست السيدة فى هدوء ، وهى تنظر لها ، ولم تصدق كيف كبرت لهذا الحد ، فقد تركتها بملامح طفولية فى السابق ، ظلت عيناها عالقة بها تحدق فى تفاصيل جسدها الذى كبر، واغرورقت بالدمع فجأة، حتى سقطت دموعها ولم تحاول السيطرة حينئذ عليها ،هي الأخرى تصطنع بأنها صامدة أمامها جامدة المشاعر،عيناها تحاول جاهدة أن لا تذرف دمعة .
تفوهت بقولها
:” سامحيني يا ابنتي “.
هذا الصوت تميزه جيدًا تعرفه منذ أن هاجرتها ، هى أمها ..
صمتت لبرهة ، وظلت تنظر إليها
ثم أكملت الحديث
” أعرف أنكِ محتقنة منى لحد البغض
أتكرهيننى حقًا ؟”
:”أمي أنا لا أعرف سببًا لزيارتكِ تلك “.
شعرت الأم أنها تتحدث إلى طليقها وليست ابنتها
:” علمت بأن أباكِ مات ، فجئت لأكون بجانبكِ”.
:”اشكرك لا أحتاج لشىء منكِ”.
ثم عندما رأت كل هذا الحنق الشديد منها حاولت أن تبرأ ذاتها فقصت عليها حكايتها ، قالت أنها تركت زوجها لأنها لا تحبه ، وعندما ذهبت مع حبيبها وطُلقت كانت تعيش أسعد أيامها معه ، ثم بدأ بعد ذلك فى التغيير ، فأصبح ينهرها ويطلب منها المال حتى جردها منه عندما أفلس فى البورصة ، شعرت أنها أخطأت فى حق زوجها القديم وابنتها ، ولكنها لم تستطع أن تعود لتخبرهم بذلك ، خجلا مما حدث لها ، وهى تعرف أيضا أنه بلا فائدة ، وعندما علمت بموت طليقها ، قررت أن تذهب إلى ابنتها الوحيدة ، وما إن انتهت من حديثها ؛ حتى اقتربت رويدًا من ابنتها وضمتها إليها ،ولكنها لم تشعر بذاك الحضن، ولا بحرارة تلك العاطفة قط .
راحت ببصرها إلى الشارع مرة أخرى عندما وصلت إلى إشارة مرور في الطريق ، فتوقفت بالسيارة حينها جاءت فتاة فى حجم صغير، جسدها النحيل يوحى بأنها لم تأكل منذ زمن ،شعرها لم يطله مشطاً من قبل ، عرضت عليها أن تشترى الفل فتطلعت نحو عينيها وجدتها بائسة ، أخذت منها كل الفل ،وأعطتها مالاً أكثر من اللازم ،نظرت الصغيرة إلى المال وشكرتها متمتمة بكلمات كثيرة وراء بعضها ورحلت.
خرجت من شرودها عندما وصلت إلى النيل ، وأمعنت النظر فيه ،ثم رأت على مقربة منها شابا وفتاة تلقى برأسها على كتف الشاب فى شغف ، نظرت إليهما وابتسمت، ثم رفعت رأسها إلى السماء وتنهدت بشدة.
أخبرت ذاتها أن الاحتياج واحد في كل شيء الحب احتياج ،و الشعور بحضن الأم احتياج، والمال احتياج ،ولكن لم يسع للمرء امتلاك كل ما يحتاجه مرة واحدة ، وقد نكون فى غفلة عما فى حوزتنا، فإن الله أعطاها المال فقط ، فحمدت الله عليه متطلعة لحب ما قد تعيشه فى يومٍ ، لتلقى بهمومها على صدره بدلا عن النيل ، أو حياة أخرى دون ذكريات أو حزن.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.