كلاب الصيد الجزء الرابع طنطاوي عبد الحميد طنطاوي الأثنين والخميس من كل اسبوع


الفصل الثالث


قرية “الشاهد” تنام في أحضان الجبل كما يقولون رغم أن وضعها الحالي أمتد حتي شاطئ النيل الشرقي ،
اهلها الأولون حطوا رحالهم بالقرب من الجبل خوفا من الفيضان وثورة النيل ، بمرور السنين وتعاقبها وبعد انحسار المياه ازدادت رقعة الأرض ، انتظمت عمليات الري والزرع وأمتدت أطراف القرية وبناياتها التي أختلفت فيما بينها ، أما القاسم المشترك للبنايات فالطوب اللبن وسقوفها من جذوع النخيل الصلبة التي
يجيدون صناعتها فبعد تهذيب الجذوع وحرق أطرافها يسرعون بإلقاء الماء عليها ثم يطمرونها في حظائر الماشية تحت الأرض لمدد قد تتراوح ما بين أربعة أو خمسة أشهر ، يسحبونها وفي مجري الترعة يتركونها لحوالي خمسة عشر يوما ، ثم يعرضونها للشمس والهواء ويتركونها لحين استخدامها في البناية المرتقبة وتصبح الجذوع كما الحديد الصلب ومفضلة عن جذوع الأشجار التي كثيرا ما ينخرها السوس وتصبح عرضة للتآكل ، رغم المساحات القليلة من الأراضي الزراعية التي يمتلك الكثير منها آل الشافعي وكبيرهم الحاج إسماعيل الشافعي ، أما أصل الاسم فيرجع لمقبرة لولي من أولياء الله الصالحين البعض يقول أنه ينتمي لآل البيت رضوان الله عليهم ، يؤكد الكبار بأنه ليس مقبرة ولكنه مجرد شاهد لأنه يوما ما حط رحاله بالقرية وفي نفس العام فاض الخير وزاد فتبارك الناس بقدومه ، تتآلف البيوت فالجدران واحدة ويتآلف البشر فالقدر واحد وقد ينسلخ عن الركب واحد أو يزيد ولكن غالبا يتملكه خوف من أفصاح عن مكنون فؤاد مريض، وليس عيبا أن تنشأ مشاكل وتصير نزاعات فالنهاية الجميع بشر0
تصب كل مشاكل القرية في بيت واحد وتلتمس الحلول فيه فلا باب للديوان يغلق حتي بعد صلاة الفجر غالبا
بيت الشافعي دون سائر بيوت القرية يموج بأفكار تختلف باختلاف أصحابها وكل له الحق في إبداء رأيه
سواء من العائلة أو من خارجها وحتي لو كان غريبا عن البلدة كلها ، جموع تختلف فيما قدمت من أجله
ومن كان له حق فمطلبه وحقه في رقبة الحاج إسماعيل الشافعي ، الرجل بطبيعته تواقا لخدمة البشر من
أهله وهو من الذين أختصهم الله بقضاء حوائج الناس ، سهرات المساء لاتنقطع وحلول المشاكل تتوالي
ولا تتوقف ومن يشرع في الزواج أو الخطبة فغالبا ما يعرض المطلب في جلسة المساء ، صفقات البيع و
الشراء للمحاصيل أيضا مرهونة بتواجد الرجل وهو بطبيعته يصمت ويستمع لكل الناس وبعدما يجمع الرؤا
ينصت الجميع ليسمع كلمته النهائية ويكون فيها غالبا الحل الأمثل ، البيت يبدو كخلية النحل في النهار أو
في الليل ، ولكن هل تمضي الحياة علي وتيرة واحدة محال وكعادة كل يوم الشمس تشرق تغرب والليل تملأ
سمائه النجوم والقمر مشارك لأيام ولضيائه درجات تتفاوت من يوم لآخر ، فاليوم كادت عائلتان تتقاتلان وغير معروف السبب الحقيقي ، لم ينتظر الحاج اسماعيل ما تسفر عنه المراسيل ، رغم الجموع المحتشدة بالسلاح ما أن ظهر الرجل بهيبته وعصاته تتقدمه وهو يتقدم بعض من كبراء البلدة حتي عم الصمت الجميع ، اختفت الأسلحة أو حاول أصحابها مداراتها وأسرع الكبراء لإستقباله وأفسحوا له الطريق ، رفض
الدخول للمندرة و جلس علي مصطبة وصمم ولكنهم وبسرعة فرشوها بمفرش ووضعوا خلف ظهره المساند ، قبل أن ينتهي من شرب الشاي للمرة الثانية كان قد ألم بكل ما حدث ، نظر في الوجوه وخرج عن صمته و في ابتسامة واكبت كلماته 000ضرب مثالا بنفسه والمقدس اسحق وسأل سؤلا000 “ذهبت أنا وهو لبلد غريب عن بلدنا داخل مصر ، حدث له حادث “000نظر للمقدس وابتسم ابتسامة ذات مغزى 000لنقل قتل فابتسم المقدس بدوره قائلا “مجرد مثال “000تبدلت معالم الوجوه وكستها ملامح البشر وطرح السؤال هل أعود للبلد وأن رجعت بمفردي مادا تقولون عني 000لم يتفوه أيهم بكلمة فأسرع أحد الشباب الصغار وهتف 000″تستحق القتل 000″عنفوه وأقسم عمه أي يذهب من هنا فورا أما الشافعي فقد غرق في الضحك وشاركه المقدس وأقسم بدوره أن لا يخرج الفتي فإن ما قاله هو الصواب 000وكانت بالفعل هي القضية ، فاثنان من شباب البلدة يعملان في الكويت واختلفا سويا أحدهما ابنا لهذه العائلة والآخر من العائلة الثانية من نفس البلد وعدد ليس بالقليل من العائلتين يعمل بالكويت وكل منهما أخبر ذويه بما كان وتحرشوا ببعض في غربتهم وكادت تنشب بينهما معارك وكل ينتظر أن تسنح له فرصة وكل منهما يتحرش بالآخر رغم ارتباطهما الوثيق مند سنوات وبداية غربتهم 000تبادلوا الأحاديث والأراء وانتهوا أن ما قاله الفتى هو الصواب 000لم تنته الليلة وكان أغلب أفراد العائلتين مجتمعين في منزل العائلة الثانية000وأقر الجميع بخطأ وقع فيه كل من الطرفين 000والمفروض في العرف أن يحمل أي منهما دم الآخر ، القضية أصبحت من الذي يجمع بين المتخاصمين وهناك في الكويت ، تم الصلح والاتفاق بين العائلتين في البلد ويتبقي حل القضية هناك 000يومها لم يجد الشافعي أمامه إلا السفر إلي الكويت و بالفعل تمت علي يدي الرجل حل المشكلة وعاد الرجل ، صارت فعلة الرجل وسفره لإصلاح الشأن بين العائلتين مضربا للأمثال ، لا يحفل كثيرا بكلمات تتردد وخاصة من أهله والأكثر قرابة له ويدرك معناها جيدا ، فبعضهم يدعي الخوف عليه وآخر يدعي بأن الناس غالبا لا تشكر فعل الخير000 ثم يبرهن أحدهم ويدلل أنه أولي بماله الذي ينفقه في حل المشاكل التي لا تنتهي ، هكذا في محيط الأسرة ورغم أن الرجل يصل الرحم ويذهب لأهله وذويه حتي باب منزلهم وغالبا عندما يحل المساء ، يضحك عندما يهمس أحدهم في أذنه بمثل هذا الحديث ويسأله أن كان به حاجة فينفي فيضحك الرجل ثانية ويردد ما عند الله لا يضيع ، السعادة المقرونة بفعل الخير لا تدانيها سعادة في الوجود 000الجميع يبغي السعادة يبغي أن يسعد نفسه وكذا يسعد الآخرين 000ليس مجتمعا معادلا للمدينة الفاضلة وربما يتسأل البعض أن الشر الذي وجد في الدنيا مقرونا بالخير 000كل الموبقات موجودة مثل سائر المجتمعات ولكن غالبا يخاف أصحابها أن تطفو علي سطح تعاملاتهم ، ربما تجيش نفس أحدهم بشر أو بحسد ولكن يخاف عينا ترقبه فيأسر همه في نفسه وربما يخرجه وفي هذه الحالة يدرك أنه سيصبح مضغة في أفواه الناس 000حتي النساء يتخوفن فيشاركن حتي في الجنازة وتعلو أصواتهن صراخا ونحيبا علي المتوفى ، تطلق المرأة بمجرد الدخول للبيت صرخة تجمع فيها كل ما آتاها الله من قوة في صوتها فتستقبلها أصوات أهل الميت وكأنها علامة من علامات الاستقبال المتعارف عليها ، ربما كانت عرفا لجذب نظر أهل الميت بمن التي حضرت ، تتآلف القلوب ويأنس أهل الميت من الرجال بأهل البلد أو البلاد المجاورة فتمتد الأيدي وتتشارك في طعام قادم من أي بيت عدا بيت المتوفى ، فليس علي بيت الراحل أي تكاليف طوال سبعة أيام هي أيام الحداد ، معروف تقسيم كل فرع في البلدة طوال أيام الأسبوع ومن المكلف بالطعام وكل له يوم معلوم ؛ في كل يوم لا يقل عن عشرة بيوت وربما تزيد ، يخرج رب الأسرة ومعه من يحمل صينية محملة بكل أنواع الطعام ويجلس ومعه من يريد مشاركته الطعام وأهم شئ أن يقوم المضيف باطعام أهل الميت ، لا يختلف الحال كثيرا في الفرح كما في الحزن ، منصب العمدة اقترن بمنزل وأسرة الشافعي وفي ظل المتغيرات التي تحدث دوما ومع عهد الثورة يطفو علي السطح بمفاهيم وأيدلوجيات سياسية جديدة وفي ظل متغيرات عالمية ومع سطوع أفكار الحرية والاشتراكية ، لم يعد منصب العمدة هو الأساس في البلدة وكل قري مصر في تلك الآونة أصبح المنصب شرفيا ، المنصب الأهم والأقوي اليوم هو أمين عام الاتحاد الاشتراكي ، حاول الرجل أن يفسح المجال لآخر وكأن القرية لايوجد فيها سواه ، لم تتغير القرية المصرية منذ قدم تاريخها فكل أبناء القرية لا ينادون العمدة إلا بلفظ ” أبويا العمدة ” 000وهو يدرك أعباء المسئولية الملقاة علي عاتقه فيكبح غالبا جماح شهواته جميعا إلا شهوة السلطة وشهوة ” العمدية” ملكية ونظام ملكي متوارث واليوم وقد آتت بوادر ثورة جديدة واتحاد اشتراكي هل تتغير الأفكار ، لم يتغير شئ فما زال البشر يحييون ذكري الأربعين وهي عادة فرعونية فبعد أن يموت الإنسان تظل جثته بالمنزل حتي إخراج بعض أحشائه وعقله والاستعاضة عنهم بعجائن الحنة والصبر ومحاليل عديدة يتم حشو الفارغ ثم يلف الجسد برقائق البردي والكتان وتصب الروائح العطرية فوق اللفائف وفي اليوم الأربعين يتم دفن المتوفي ، فهل أصبحت الأربعين عادة رغم أنها لا تعكس فكرة قبطية أو إسلامية ولكنها ما زالت قائمة .
إسماعيل الشافعي يمسك كل مقاليد السلطة في البلدة كلها وظاهريا يبدو أن الجميع يشعرون بالرضا بهذا التنصيب ، تتوالي الأحداث متسارعة ويتفاعل بها كبير القرية ويؤمن بها فلا يتوان في فعل أو عمل فيشحذ همم أبطال حرب اليمن الذين ذهبوا بإرادتهم وما أن تنتهي الحرب ويعودون فيساعدهم في بناء بيوتهم الجديدة ومن استشهدوا فهو رهن إشارة أبنائهم وذويهم ، لا يغفل أحدا دور الرجل وسعادته أثناء الوحدة مع سوريا وحكاياته وأقاصيصه عن الجمهورية العربية المتحدة والبداية مصر وسوريا وغدا ستعم وتشمل الوطن العربي كله ويومها سنقطع دابر إسرائيل ومن ورائها ، تتوالي الأحداث وتتسارع وتسقط الوحدة بكل آمال الرجل الكبير وتدب الشعيرات البيضاء وتغزو معاقل الرأس ولكن لم تصل بعد للقلب ، ترتفع هامة الرجل ويحاول ألا يبدو مستسلما في عيون الآخرين ، تبدو علي وجهه السعادة وهو يقص ويحكي عن ثورة الجزائر ومساعدتها ثم يتباهي ويبارك الأبطال في اليمن وغدا ستكون ليبيا وبعدها 000، كم سعادته وهو يدعو ابنه الأوسط ليقص عما حدث في بناء السد العالي ، يجلس الفتي الذي لم ينل درجة البكالريوس بعد في الهندسة وتم استدعائه في العام الأخير وقبل نهايته وتم منحه الدرجة العلمية وليشارك في البناء ، يشيد الفتي بالروس وزيارة الرئيس عبدالناصر وخرشوف لهم ، كانت جلسات يجيد الرجل إدارتها ويتواصل فيها بكل الناس فكانت جلسات تعادل جلسات العشق لصوت قيثارة السماء ام كلثوم التي تأتي في الخميس الأول من كل شهر من شهور الصيف الجميلة ، لا تكتمل الجلسات الجميلة في الساحة الكبيرة أمام ديوان الشافعي الكبير وقد تهاجم الليلة أسراب البعوض وهوام الليل ولكن لا ينفض المجلس فيتبرع أحد المتسامرين بإشعال النيران في كومة من قش القمح ثم يطفئ النيران فيتصاعد الدخان الكثيف وبعد ثوان معدودات تفر الحشرات المهاجمة وتترك الساحة للسمر والمتسامرين ، تسطع نجوم السماء دوما وعندما يذهب القمر في رحلته الشهرية الدائمة فيغيب عن الليل فيكاد ضياء النجوم ينير ساعات المساء ، لا تستسلم عيون الحاج إسماعيل للنوم بسهولة وخاصة في مواسم الحصاد أو الجني ، بعد أن تنتهي جلسات المساء لا مفر من الخروج بمفرده أو بصحبة أحد معاونيه ، غالبا لا يحمل سوي عصاته في يده ولا يتسلح بسلاح وعندما يطلب منه أحد أن يحمل مسدسا فيضحك وتهتز رأسه بالموافقة إرضاء لمحدثه ، يأنس في مضيه بين المزارع بعبق أبخرة المساء الندية وأصوات هوام الليل ونقيق الضفادع وحفيف قد يصدر من زواحف مختلفة ، ويسرح فكر الرجل في أولاده فالبكر استقر به المقام في المدينة بحكم وظيفته ، وكأنه يتحدث للنجوم أو يشاركها همومه 000العشق ذهب بابنه البكر للمدينة لم يشأ أن يقف ضده في هواه فكانت الفتاة جميلة وأهلها أيضا بيت معروف في محيط المنطقة كلها ولكنها أبت الحياه في الريف ، فتاه وافق علي مطلبها ولم يفصح الرجل عما يجيش بصدره وألمه الداخلي فكم تمني أن يكون بجواره ومشاركا له في همومه وأفراحه ، الابن البكر جميل الخصال متفوقا في دراسته وبعد أن أنهي الخدمة العسكرية تسلم عمله محاسبا بمصلحة السكك الحديدية ، أما الثاني فقبل أن ينتهي من دراسة الهندسة فذهب يعمل في السد العالي وفق متطلبات الدولة وكانت سعادة كل من الأب والابن لا توصف ، أبوربيع في سلسلة أبناء الحاج إسماعيل يحمل الرقم خمسة بين الأبناء والثالث في ترتيب الذكور ، يحمل أيضا رقم اثنين من الزوجة الثانية ولد أبوربيع عليلا وكني بهذا الاسم تيمنا بالشيخ الصالح أبوربيع الذي هبط علي القرية في اليوم الرابع لمولده وحمله بين يديه ويقولون وهبه البركة ، يقولون أنه تنبأ للوليد بطول العمر والرزق الوفير ، يبتسم الحاج إسماعيل وهو يتذكر مرض ابنه الدائم ورغم ذلك يوم يهبط الشيخ للقرية فيقيم الولائم له ولمريديه ، كانت بداية أبوربيع مدللا وهذا ضد خصائل الحاج وأفكاره ، الحقيقة فأم الفتي ما زالت في ريعان شبابها وجمالها كان مضرب الأمثال في القرية كلها ولها وقع خاص في قلب الرجل ، الزوجة الثانية لها مذاق خاص ففي حديثها همس محبب ومخارج حروف كلماتها نغمات تغدغ قلب الرجل فكل طلباتها مجابة ولكن في حذر ، الرجل بطبيعته يأخذ من العدل منهاجا وطريقا ، أمام عيناه ينمو الفتي وبمرور الأيام يسترد صحته وعافيته ومع تخوف الأم عليه يتمادي في مطالبه ، ففي سنوات الدراسة الأولي بالمدرسة الإبتدائية بالقرية الجميع يعاملونه معاملة خاصة ، في كتاب القرية لا يحفل الشيخ حامد بألاعيب الفتي وعدم حفظه وتترك عصاته أثرا علي يديه ولكن يخاف الشكوي لأبيه ، فالشيخ حامد أكثر قربا للرجل ولن يصدقه أبيه ويمكن أن يزيد الضرب عليه ، شكا لأمه وأرسلت خادمتها إليه محملة بخيرات الزرع و الضرع ولم يشفع كل هذا لديه وكثيرا ما يخبر الحاج عما حدث وما جادت به عليه سيدة المنزل فيضحكان ويحثه أن يواصل ، الخوف كل الخوف من ولد مدلل وغدا أين يجلس بين الرجال ، ينتظم أبوربيع قسرا عنه في الكتاب ويحفظ مجبرا فالشيخ لا تأخذه به رحمة كما بدا له ، تمضي الأيام والفتي يركب رأسه جنون العشق بأبيه في كل تصرفاته ، يعشق الخيل فيقفز فوق ظهورها بلا سرج ، يقبض بيديه التي ما زالتا غضتين علي شعر الفرس ويرفس الفرس بقدمه التي مازالت غضة فيتحرك الفرس بدلال وكبرياء معهود فيه ، لا يشبع هذا غرور الفتي ، يسرق قطع السكر بعد أن يكسر أقماعها الكبيرة ويملأ جيوب جلبابه ، اعتادت الفرس الأم منه علي قطع السكر ، صارت ألفة بينه والفرس فأمتطي صهوتها بسرج أو بدون وكأنها كانت حريصة عليه ، لا يحفل بنداءات أمه ونصائحها التي لا تنتهي فيكتفي بإيماءة من رأسه موافقا ويمضي ، في أيام الصيف لا يجلس ببيت فمنذ الصباح يذهب للأرض ويشارك العاملين في شتي الأعمال فلا يكتفي بالجلوس علي حافة المجري الصغير ، كثيرا ما يقوم علي خدمتهم فيذهب بالماء لأيهم وقد يقوم علي عمل وصب الشاي ، يأكل من نفس الطعام الذي يأكلونه ، أقرانه يعملون معه في أرضه بينهم يجلس وإليهم يشعر بالمودة والحب وكأنه سائر علي نهج أبيه ، يرقب الرجل ابنه يغمض عينيه يدعو الله أن يتم نعمته عليه وأن يعيش الفتي بالبلدة ولا يبتعد عنها وعنه ، رغم تفوق أبوربيع في الدراسة ولكنه لا يعشق المدرسة ولا الذهاب للمدينة كما يقول أشعر بأنني سجين وأكاد أختنق ، بعد المرحلة الإعدادية وحصوله علي شهادته بتفوق لم يجد مفرا من الحديث إلي أمه بعدم رغبته في إكمال دراسته ، حاولت معه كثيرا ولم تفلح أن تغير مسار عقله الذي أبي الأنصياع لنصائحها ، كما يقول الحديث الشريف المؤمن كيس فطن لم يكن الحاج إسماعيل بعيدا عن كل هذه الحوادث ، عين الرجل ترقب وتتمهل وقد تغض الطرف عن خطأ يقع فيه الفتي ولكن يحاول أن يستثمر قدرات أبوربيع بما يحقق الفائدة له و لمستقبله وبما يؤهله لحمل عبء الغد للأسرة كلها ، تتواكب أفعال الفتي وأبيه في نواح متعددة أما الخصلة التي ورثها دون باقي الأسرة فعشقه للنخيل وزراعته فأقسي شئ يؤلم الحاج إسماعيل اجتثاث شجرة وأكثرها ألما أن كانت تلك الشجرة نخيلا ، كان يؤذيه عندما يجد نخلة تموت أو تقع بفعل ريح أو بفعل فاعل وكان يدعو لزراعة أخري مكانها ويا حبذا لو كان مكان الواحدة اثنتين ومرجعيته دائما قول رسول الله 000بيت لا تمر فيه جياع أهله 000أن التمر يذهب الداء ولا داء فيه 000وكثيرا من الأقوال المأثورة ، كثيرا يردد هو هدية الله العلي القدير للسيدة مريم العذراء في ساعة مخاضها ولو كان هناك طعام أفضل لأطعمها الله به ، أبوربيع لا يتوقف عن غرس شجرة نخيل حتي أمام المنزل فمنذ نعومة أظافره وبمرور الأيام أغلب حدود الأرض مغروسة بفعل يديه ، يتأمل الرجل ويدعو في سريرته للفتي ، عشقهما للخيل وترويضه فالأب كان يستأثر بلب الرجال والنساء في القرية كلها وهو يتراقص بالفرس في عرس أما اليوم فيكتفي بأن يشاهد الفتي فحسب ، يتأمل الفتي وهو يهتز في عز وفرح فوق صهوة الجواد وبيده اليسري يحكم زمام الفرس باللجام وبيده اليمني فقط يرفع بندقيته في خيالاء ويفرغها بالكامل في الهواء مع صهيل الفرس ووقوفها علي خلفيتيها ، تداعبه ذكرياته وأيام شبابه ولكن سعادته لا تضاهيها سعادة وتكاد تنزلق دمعة عشق مع اهتزازة الفؤاد ، لا ينس يوما وفي ساعة لهو محبب أن يعنف ولده عندما أسرع بفرسه وداعبت الريح جلبابه فظهر ما فوق ركبته ، فعيب ألا يتحكم الفارس في فرسه ويجري الفرس علي هواه ويومها وأمام جموع من الأهالي أعطي درسا لولده ، ضرب مثالا بعملة معدنية توازي النصف ريال فرفعها في يده وقفز بنفسه فوق ظهر الحصان ووضع قطعة النقود أسفل فخذه ووكز بطن الفرس فأسرع يسابق الريح مسافة تزيد عن ميل كامل وعاد في غضون دقائق لنفس موضعه وفي المكان الذي حدده تماما ووسط إعجاب الجميع أمتدت يده وأخرجت العملة المعدنية من أسفل فخذه فاهتز الجميع وصفقوا وأطلق الكبار منهم دعاباتهم معه في همس بينما ردد الشباب وأقران أبوربيع دعاباتهم ولكن فيما بينهم ” الدهن ف العتاقي ” ، يستقبل الرجل أفعال ابوربيع بتريث فلا يفيض بمدح فعل قام به الفتي ، تستقصي أذناه وتستمع لما يدور بيه وأقرانه فلا يجد ما يعكر صفو فؤاده ولكن لا يغمض عينيه ولا يبخل بحديث فيه يودع أفاق فكره للفتي ، موسم الحصاد ذو نكهة خاصة وأيام محببة للجميع فرزق يعم علي الجميع من صاحب أرض أو فلاح أجير أو مسكين لا يجد قوت يومه وعموما في القرية لا يوجد من لا يجد قوت يومه ، فالمزين ينتظر الموسم نصيبه بذورا وغلالا والمراكبي الذي يعبر بهم النيل في زياراتهم أو أعمالهم وتجارتهم ، المنادي الذي يدور في أرجاء البلد ليعلن عن شئ مفقود أو اجتماع يدعو له العمدة أو أمين الاتحاد الاشتراكي ، فموسم الربيع تزخر الأرض بتباين محاصيلها وثمارها وكما يتردد عل ألسنة الكبار ” شهر برمهات اطلع الغيط وهات ” ويبدأ الموسم بحصاد الفول وبعده القمح وتبدو السعادة جلية علي الجميع من يملك ومن لا يملك ، للأطفال نصيب وافر من اللهو و اللعب وقليل من العمل وركوب “النورج” أو جمع البقايا من سنابل القمح أو قرون الفول ، اعتاد أبوربيع طوال هذه الأيام أن لا يبرح مواقع الحصاد ولا يدخر جهدا في تجميع أغلب المحصول في مكان واحد ويهوي المبيت في المزارع بجوار المحصول ، الحاج إسماعيل لا يغمض له جفن ويختار أوقات مختلفة فيهبط عليهم زائرا وخاصة في المساء ، لا تخلو زيارة له من فائدة فلا ينسي أبوربيع ليلة زيارته وبعد أن جمع المحصول و لم يتبق سوي تعبئتة ومن ثم تخزينه ، الجميع نائمون وقبيل الفجر وبقايا نيران مشتعلة وفانوس قديم يلقي بأضوائه حول المكان ، يتقدم الرجل وكأنه فتي في العشرين من العمر حتي يصبح فوق رأسهم تماما فلا يشعرون به ، تمتد يده للفانوس فيطفئه ، ما زالوا في نومهم سابحون ، يتحرك في أرجاء المكان متأملا ما تم من أعمال وما تبقي وما يستوجب فعله قادما ، يدرك موضع قدمه جيدا رغم الظلام المحيط ولكن ضياء النجوم هاديا ومعينا له في حركته ، يتوضأ من مجري الماء الصغير ويشرع في الصلاة ، تصل لأسماعهم ترتيلة الفجر تنساب من بين شفاه الرجل ، يستيقظون تباعا ويدركون أن الرجل غير راض علي نومهم بهذه الطريقة ، أبوربيع يأمر أحدهم بسرعة النفخ في النيران لتجهيز كوب من الشاي للحاج ، يفرغ الرجل من صلاته ودعائه ويسرعون إليه يحيونه ويتبركون بقدومه ، يرشفون الشاي بصوت مسموع في تناغم وكأنهم لا يودون الدخول في حديث ولكن الرجل يطرح سؤاله كيف لأربعة من الرجال ينامون بهذه الصورة ، ينظرون لبعضهم ويتركون الإجابة لأبوربيع وهو يعتبر أصغرهم سنا ، كل الدلائل تشير لموقع الصدارة الذي تربع فيه أبوربيع ، ألقي الفتي معاذيره وأنهم لثلاثة أيام فائتة لم تذق عيونهم النوم وأخذ يسوق الأسباب تباعا وتتواري سحابات المساء وتتسلل بوادر الصبح الوليد مع نسماتها الندية تنعش الفؤاد والوجوه ويستمع الرجل للفتي وداخله يكاد يهتز طربا ، ينهض الرجل من مجلسه فيسرعون بالوقوف ويرفع عصاه ويشير في كل الاتجاهات ويشرح لهم مدي امكانية أي لص ولو ضعيف أن يسرقهم وهم علي حالتهم السابقة ويعلمهم كيف ينام الرجل بجوار المحصول ، العيب أن تضئ مصباح أوفانوس أو تشعل نيرانا تجلسون حولها أو تنامون بجوارها فتستطيع أي عين الرصد ، الأولي في حالة النوم أن يطفأ المصباح أو يستمر مشتعلا ولكن بشرط أن يوضع المصباح بجوار المحصول وينامون بعيدا بمسافة كافية ولا يتجمعون في مكان واحد ، كل أحاديث الرجل تخترق عقل أبوربيع بل يحفظها عن ظهر قلب ، يستشعر الفتي أن الرجل لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ويعلم أبعادها ويتألق وجهه بالبشر والسعادة كلما أهداه الرجل فكرة تغيب عنه ، الفتي يتواصل مع أقرانه حبا وعملا ويفسحون له مكانا يليق به ، لا يبخل في مساعدة ولا يغمض عين عن واجب ويجود بما يملك ولا يتعال في مجلس ، أخذ من صفات أبيه الكثير وتمضي الأيام زاخرة بالأحداث ولا ينفرط عقد المودة المجدول بينه وأغلب شباب البلدة ، تجمعهم جلسات المساء وتشتعل السجائر وغيرها وتدب في الأوصال كثيرا آثار المخدر وتنفرج الشفاه في أحاديث كثيرا ما تخرج عن وقار معهود وأبوربيع مجبرا أن يساير الوضع القائم فقد أرتبطت شروط الرجولة في عرفهم بالتدخين بشتي صوره ، الخدر اللذيد يسري في الأوصال وتتواصل النوادر الطريفة أو غير الطريفة فيستقبلونها بهرج وصخب وضحك ،صوت يخترق حواجز بيت المراكبي علي شاطئ النيل فلا يصل لمسامع أهل القرية ، أبوربيع في موقع الصدارة دائما ورغم أنه لم يحب التدخين إلا أنه كان شرطا أساسيا للولوج لعالم الكبار الذي يأبي أن يتنازل عنه ، الجميع حوله يلقبونه بألقاب متعددة فتسري داخله النوازع وتتوق نفسه للمزيد ، لا يستطيع الفتي كبح جماح نفسه فيطرب بالألقاب وتشحذ همته وهو يعتلي صهوة فرسه فتتراقص وهي تمضي في كبرياء مرهون بيوم مولدها ، ينتشي يوم العرس فيلعب بالعصا ويطلق أعيرته النارية من فوق ظهر الفرس ، كثيرون يحبونه وقليل يلعنونه ولكن ينافقونه فظن في نفسه الظنونا وتخيل أن قامته تطاول عنان السماء وأنه أصبح كبيرا وتجاوزت خيالاته حدود البلد الصغير ، إن تحدث سمعوا له ولاقي فكره ومقترحه رضا الجميع وباركوا أفعاله وأعماله ، كثيرا ما يؤدي الصلاة في الجماعة وفي حقيقة الأمر لا ينبع هذا من داخله ولكن إرضاء لأبيه ، الصفات المحببة كثيرة والسيئة غالبا لا تظهر للعيون والشافعي يرقب ويترقب ويحس أن فتاه يبالغ في أفعاله وخاصة فيما لا يراه ولكن عيون الرجل تنقل له الأخبار تباعا ، بعد صلاة الفجر مباشرة همس أحد عيونه في أذنه بكلمات ، لم ينتظر الشيخ المزيد فأرتدي حذائه علي عجل ولم ينتظر ،أسرع الرجل الخطي ولكن في تريث يعكس هيبته ونظر خلفه فوجد من بلغه بالأمر يسير ورائه توقف وفي كلمة ناهية لا ترد طالبه بالعودة ، طلقات من بندقية يدرك صوتها الرجل جيدا وتعاقبت تباعا ، اهتز جسد الرجل وأمتدت يده إلي صديريه الداخلي وكأنه يبحث عن مسدس وتذكر أنه خارج لتوه من الصلاة وأنه ترك تلك العادة من أمد طال ، لم يتجاوز الأمر ثلث الساعة وكان الرجل أمام أبوربيع الشاهر بندقيته في وجه “ابومهران” المشهود له بسيرته السيئة وقطعه للطريق والهارب دائما من القرية ، أبومهران يقف وترتعش أطرافه متجردا من ملابسه وكما ولدته أمه ويديه فوق عورته ، مد الشافعي يده لابنه مطالبا أياه بتسليمه البندقية والفتي مترددا وقبل أن تخرج كلمة من شفاه الرجل سلمه البندقية ، اعتدل وألقي أوامره لأبومهران بأن يرتدي ملابسه ، أسرع أبومهران ليقبل يد الرجل الذي سحبها مسرعا وأمره ثانية بالاسراع بأرتداء الملابس ، معروف عند جميع أهل البلد من يبتغي من زراعة الشيخ أي محصول أو خضار أو ثمار ولا يمتلك مثلها فليأخذ ما يكفيه منها ولكن في وضح النهار ، انتهي ابومهران من ملابسه وجلس علي الأرض نادبا ومعلنا أنه أخطأ ، أبوربيع مصمما أن يقوم بتجريسه وسط البلدة كلها بعد يضعه علي حمار بالعكس ويطوف به في أرجاء البلد ومن خلفه الأطفال يزفونه ، قص السارق كيف أقدم علي فعلته وأنه غرر به وضحكوا عليه وتحداه أكثر من جليس في القهوة بأنه لا يستطيع أن يقترب من هنا ولا يستطيع أن يأتي بطماطم من مزرعة الشيخ في هذا الموعد ، أخذ ينتحب ويتذكر مراعاة الشيخ له وأنه أخطأ خطءا فادحا بفعلته هذه ويلتمس العفو ، أمره الشيخ أن يخلع جلبابه فماتت الكلمات فوق شفتيه وهمهم بحروف وتلعثم لسانه فأتي أمر الرجل ثانية بنبرة أكثر قوة ، خلع جلبابه وعاد لجسده رعشته السالفة ، أمر الرجل أن يربط فتحة الرقبة بالذراعين فصنع من الجلباب ما يشبه الكيس ، ودفعه أن يقوم بنفسه بجمع ما يستطيع من ثمار الطماطم حتي يمتلأ الجلباب أو الكيس ، تردد ولكن اللهجة الآمرة التي يدركها جيدا أعادته لصوابه فلم ينطق بكلمة ومضي متثاقل الخطي يجمع الثمار ، تسللت أضواء الصباح القادم فغدا المكان شبه منير وانسحبت النجوم تباعا فلم يظهر منها إلا القليل ، جلس الرجل وابنه علي حافة المجري الصغير وعرف الرجل أن لابنه عيون أخبروه بما سيحدث فأسرع بمفرده وكانت نيته أن يجعله عبرة لمن يتجاسؤ يوما ويفكر أن تمتد يده علي نبت أخضر من أرضنا ، الرجل تغمره سعادة مفرطة لا يفصح عنها والفتي يسرد ويقص عليه والأب يحاوره ويداوره ويعلمه من حياة حافلة مر بها وكلما أتي ابومهران قائلا أنه اكتفي أمره الرجل أن يملأ الجلباب عن آخره فيعود من جديد للجمع ، في نهاية الأمر وبعد أن أمتلأ الكيس بالثمار طلب أن يمضي ، استوقفه أبوربيع وأمره أن يذهب من هنا مباشرة لبيته وأن لا يذكر شيئا مما حدث وإلا سيكون نصيبه لا ييعلم به إلا الله ، يفيض الرجل بالحديث لفتاه ويحاول أن يكون بعيدا عن استظهار عيوب الفتي ولكنه يخترقه بالحديث ويحرك فيه دوافع كثيرا ما تستفز الفتي فالكبير أن أراد فأهله من يكبرونه ويضعونه في المكانة التي تصبو لها نفسه أن بغي ذلك ، كثيرون لديهم المال وأقرب أقربائهم يكرهونهم والكبير يهب مما وهبه الله حبا في الله أولا وفي الناس بعدها ، المال لا ينقص من صدقة يبتغي بها وجه الله ، يستمع الفتي جيدا وتطرب نفسه كلما أغدق الأب بلقب عليه جديد وخاصة كلمة أنت قلب هذه العائلة فأدفع بالدم لأبعد أطرافها ، يواصل الرجل الحديث وكأنه يسأل هل تدرك أن رعشة الأطراف علي سبيل المثال هي أول أجزاء الجسد إدراكا أن الإنسان علي قيد الحياة أو فارقها وهي الأبعد عن القلب فيبدأ الموت من الأطراف قبل شهقة الموت وفراق الحياة ، حديث يجعل الحياة تدب في عقل الفتي فيتواصل الحديث ويتشعب لأمور أخري حتي تدركهما أشعة الشمس فيتوجها صوب المنزل ولكن الحديث لا ينقطع ، الزلزال يعصف بكل الأمال والأفكار وغشاوة تهبط فوق العيون ودموع تتحجر في المآقي وآهات بلا صوت وحزن لا تدركه عين مخبؤ في جوف البشر ممزوج بمرارة الحنظل ولا تشفع فيه إلا كلمة ” قدر الله وما شاء فعل ” وكثير من القلوب الطيبة لا تصدق 000هل ينهار الجبل ؟ هل يستطيع فأر أيا كان حجمه أن ينخر الجبل ؟ شرقيون مصريون عرب شعوب ممزوجة بعشق الكبير وتبجيله وأحيانا يرفعونه لدرجة التقديس والتأليه رغم أن الله في قلوبهم وحتي قبل الرسل ، العشق أم الحب أم الجنون الذي يدفع كثيرين لقتل أنفسهم أحيانا في سبيل بشر مثلهم ، ظهرت الحقيقة وفضت بكارة العشق غصبا وكرها وصرخات وألم وحزن علي أماني تاهت ،
لا يصدقون000 كيف يصيغون السؤال من تأتيه الجراءة والشجاعة ليسأل ، ليست شجاعة من يسأل خائن من يقول أن “ناصر” يهزم وممن !! من يهز الوجدان بكلماته من يحفز للغد من شيد السد العالي من نزع الخوف من القلب ودعا لرفع الرأس 000من من من 000، الشافعي يهرب في منزله ويختبئ من نفسه من السؤال ، لم يره أحدا باكيا رغم أن دموعه تهبط لا إراديا يوم يرزق بمولود ذكر أو أنثي ، كيف يختفي والجميع يلتمس منه قوة أو تفسير لما حدث 000هو لا يصدق فكيف يفسر لا سبيل أمامه سوي الكذب وإدعاء أن هناك مؤامرة حاكتها القوي الأمبريالية للتخلص من الرجل ، لم يعتد الكذب يوما ولكن ماذا يفعل هل يظل أسير حجرته بالبيت ، لم يتخاذل يوما ولم تهن عزيمته وتحمل كثيرا من المصائب والمحن فيوم مات ابوه فقام بيديه بغسله والصلاة عليه ولم يتوقف عند ذلك بل أنه هبط للقبر وفك عنه كفنه ولحده ولم تهبط من عينيه دمعة واحدة طوال اليوم حتي أوي لمخدعه ليلا وفاضت الدموع ساعتها ولفته الأحزان ، لم يدرك موضع قدمه فور نزوله من فوق السرير ، استجمع قواه واستعان بعصاه وقبلهما بآيات من القرآن، الجميع صامتون كل منهم يريد أن يقطع الصمت ولكن الكلمات لا تخرج والألسنة التصقت بالحلق ولا يقطع الصمت سوي نعيق البوم ، لم يهتم أحد بمطاردة الهاموش ولا بإشعال نيران ، الأطفال لم يخرجوا بعد صلاة المغرب للعب ، صمت لا يدرك مغزاه إلا الكبار فلما الجميع يلفهم الذهول والسكون، بادر الشيخ حامد بالحديث فأفاض وجعل البلاء ومصابه أساسا للحديث وتعدد أنواع البلاء وأهم ما أشار عليه أن في بلاء الله نعمة وذكري وعبرة لمن أراد أن يعتبر ، أي ألم يسكن قلب الرجل الكبير ، يساير الركب فيتحدث وقد تبتسم الشفاه وربما تميل رأسه مستحسنة لحديث ، القلب كما قالوا هو مركز الشعور بالألم فهل أضحي قلب الرجل عليل ، هل العلاج في العزلة والبعد عن الناس ، فقد حاسة التذوق فلا طعم للطعام وكذا لم يعد ميالا للأكل والشرب ، هل القهر الذي أصابة حديثا من جراء الحوادث التي ألمت به وبكل أبناء الوطن هل تتفاوت درجات الألم والقهر ؟ هل تبقي آثار القهر داخليا و لا تطفو علي وجوه من كان الشموخ سمتهم ، في لحظة معينة تساوت كل الأشياء وأختلطت كل الأوراق وبقي لون واحد 000هل هي غشاوة بلون السواد أم نتاج لفعل معين رسم فوق خلايا العقل ملامح الحزن و الألم ، لم يسلم من الأحزان التي طرحت معالمها إنسان ، أبوربيع الفتي اليافع المقبل علي الدنيا بروح التحدي ومظاهر الرجولة ودلالاتها في كل فعل يأتيه يتمني أن يحظي بنظرة تقدير فحسب في عيني أبيه وتبجيل المحيطين به وأن يكون لأسمه وقع في سير وحكايات الرجال ، كيف تخرج رائحة الحزن من الزهور ، حزين لحزن أبيه وهو أيضا يسكنه الألم ، توحد الفتي مع حزنه فكان الصمت سمته الغالبة طوال اليوم 0
لا يجد أي من أقرانه ، أين ذهبوا 000هربوا أم تاهوا أم مثله الأحزان تنهش قلوبهم ، هل يظل بالمنزل ويجالس الكبراء من أحباء أبيه ويظل علي صمته ، لا مفر أمامه ليمضي في أي طريق أفضل ، ربما جادت عليه الليلة بصحبة ربما تشاركه همومه ، لم يعثر علي أي من رفقاء دربه ووجد نفسه يقترب من النيل ، لم يجد المراكبي وجد زوجته جالسة بمفردها في مدخل الدار فسألها بلا تردد أجابته بأنه في البر الثاني لشراء 000صمتت وأدركت بفطرتها أن من تتحدث معه أبوربيع كبير شباب البلد وصاحب المنزلة الرفيعة بين أقرانه فبلعت باقي كلماتها ، صنع ابتسامة وأكمل ما لم تقله معرفا إياها بأنه لا صغيرة ولا كبيرة في البلد كلها إلا ويعرفها ، نسمات المساء الندية المحملة بعبق أبخرة النيل وأصوات طيور وهوام الليل وموجات تلتطم بالشاطئ بنغمات تتردد تباعا تصنع معزوفة هادئة غير هادرة وصفحة مياه تتراقص فوق سطحها صور لنجوم المساء فالقمر اليوم عازف عن الظهور ، يبحث ابوربيع عن رفيق فلا تستأسر الطبيعة حوله بأعجاب أو تلقي في نفسه الصاخبة سكينة ، خطوات لا تتعد العشرين مترا من منزل المراكبي الوحيد علي الشاطئ وأصبح الماء أسفل قدميه ، خلع حذائه وجلس فوق حجر وأنزل بقدميه في الماء وأشعل سيجارة عله يطفئ بها لظي قلبه الهادر ، تحلل وهام في دنياه حتي كادت بقايا سيجارته تحرق أنامله فألقي بها سريعا وعاد لتأمله الصامت ، ألتقطت أذناه صوت أقدام تمشي في حذر ناحيته وبسرعة أمتدت يده لجيب صديريه وأخرج مسدسه وصوبه في وجه القادم ، تذكر أين هو وهبط من فوق الصخرة الحجرية ، لم تتحرك من مكانها ظلت ثابتة كتمثال من الحجر ، هو غير معتاد علي الاعتذار لإنسان من قبل وهي قادمة وبين يديها صينية الشاي وكوب من الماء ، ماتت الكلمات في جوفه وهي امتدت يدها تهبه ما جاءت من أجله ومضت دون أن تتحرك شفاها بكلمة أو حرف ، عندما تعتاد العيون علي الظلام وخاصة أبناء الريف أو الجبل فترتفع درجة الرؤية أمامهم ، لم يلحظ أبوربيع أثرا لفعلته علي ملامح وجهها أونبرات صوتها التي لم تخرج أو في حركتها ، استغرب بادئ الأمر ثم أشعل سيجارة أخري وأدرك فعلته التي أتاها فماذا يفعل ، محدثا نفسه ومؤكدا بأنها أصيبت بالرعب نتاج فعلته الغبية ولكنها تماسكت أو هكذا بدت أمامه كيف يعتذر إليها ، يتمني أن ترصد عيناه المركب أو أي إشارة منبعثة منه ولكن لم يحالف الحظ أمانيه فاستسلم لصمته وتراخيه واطلق عنان أفكاره تجوب في مفازات عقله ربما جادت عليه بشئ جديد ، أفكاره أصابها بلادة فلم تنفرج عن بارقة أمل تبعث شئ من النور ، استقام من مجلسه وانتعل حذائه وحمل صينية الشاي وما عليها متوجها صوب منزل المراكبي ، كما رأها عند قدومه في مدخل المنزل جالسة فقامت من مجلسها وتحركت صوبه مباشرة لتأخذ ما بيده ، شكرها وهم بالمضي ، كلمة لم تكتمل لكن وصلت لسمعها فأعتدلت ، لم يدرك كيف يكمل كلماته 000هل في نيته الإعتذار لا يبدو هذا واضحا 000هل سيلقي سؤال سبق وألقاه عن موعد حضور زوجها هو يعلم مثلها بأنه لا يحضر قبل الفجر من تلك المهمة فأغلب البشر بهم حاجة ماسة للكيف هذه الأيام وهو أكثر الناس احتياجا ، حتي لو وجد معه فغير معتاد علي تجهيزه بنفسه أو إشعال النيران أو مجرد إعداد “الجوزة” ، صمت تعدي لحظات استشعره فترة طالت ، في حديث مباغت أثارته وكأنها تقرأ أفكاره فطالبته بالجلوس ريثما تعد له ما يريد ، أسرعت وألقت بمفرش فوق المصطبة التي أمام المنزل ، جلس وذهول يلجم أفكاره فأستسلم وأذعن لصوت المساء بجمله الموسيقية المتراكبة المتناقضة المستسلمة لفعل الطبيعة ، تقدمت وبيدها الغابة وتسحب فتكركر مياهها وتندفع من أنفها تباعا سحابات الدخان ، لم يدر بخلده ما يحدث أمام عينيه ، قدمت الغابة إليه فشكرها بلا صوت ظاهر ، تتابعت عمليات السحب والدفع بالدخان الكثيف من بين شفاهه وفتحتي أنفه ، جلست قريبا من قدميه وتختلس النظرات إليه في حذر ، تتأمله وهو سابح في ضباب كيفه ، تملكه شعور الغبطة الذي كثيرا ما يدغدغ مشاعر المدخنين ، سحب بقوة فأشتعلت الجمرات فوق الحجر ولا إراديا انطلقت من فيها ضحكة وشجعته بكلمات مقتضبة تعني مباركة رجولته في هذا المضمار ، فك اسر لسانه وسألها مباشرة ألا تخافين الوحدة والليل ، لم تداور في الحديث وأكتفت وكأنها تطرح عليه سؤال ” هل يخاف الموتي ؟ ” لم يأبه لإجابتها أو ربما لم يدرك المعني خلفه ، من بين الدخان الكثيف الذي طرح غشاوة فوق عينيه ، نظر إليها وكأنه للمرة الأولي في حياته التي ينظر فيها لإمرأة ، ظلت غرائزه كامنة طوال حياته فلم يركب سلطان العشق والهوي المخمور رأسه ، اكتفي بسرقات عابرة من النظرات المختلسة بطرف العين ، لم يستسلم لحملات التحريض التي تطلقها نفسه ليجوس بين بين 000معالم تضاريس جسد الأنثي لم يشاهدها طوال حياته إلا بلباس كامل أو فوق شاشة السينما التي يذهب إليها أحيانا وأقرانه ، ثبتت نظراته فوق وجهها وكأنه يراه لأول مرة ، لم يخطر بباله أن ينظر إليها بشغف ، من هو وهي من تكون 000لكن تحركت نوازعه فهل تحركت نوازعها بدورها ، ليست في جمال إمرأة العزيز ولا هو في جمال يوسف الصديق عليه السلام وشتان في القياس بينهما ، الغريزة كطوفان يغرق صاحبه ، ارتبط الخوف من الجنس في مجتمع القرية والجنوب عموما بكل الطوائف ، تتمني أن تقص عليه ولكنها احتفظت بسرها ولم تبح به سوي للمراكبي وهي بدورها حفظت سره ، لم تسلم من عبث أخيها الذي قتل براءتها وأغتصبها عنوة وهي لم تتعد الخامسة عشر ربيعا وخاف المغتصب يومها أن يلوث شرفه وكان لابد من قتلها ويواريها التراب ويغسل شرفه ، كل ما تتذكره عينا أخيها لحظة الضرب وكيف كانت نهايتها علي يديه ، ضربها ولم تكن ضربة موت وألقي بها في النيل وعثر عليها المراكبي ، عاشت معه ومنهم من يقول زوجها وسر قرية الشاهد لا يعلمه سوي المراكبي وهي ، في البداية لاقي صعوبات كثيرة في الحديث ولكن بعد فترة أستطاع أن يخرج للناس جميعا عقد زواج رسمي فصمت الناس وخرست الألسنة ، في جلسته علي المصطبة ورغم هياج الأماني المغلفة يحاول أن يبعد بأفكاره من الحيز الذي سجنت فيه بإرادتها ، ينظر للنيل وصمت الليل والحزن يأكل قلبه علي أبيه ، تعاوده النشوي وتستأثر به غرائزه وتستفزه دعوات لم يجربها من قبل ، يحاول أن يتذكر أقرانه ورفقاء دربه أين ذهبوا جميعا هذه الليلة ، تتابع الأسئلة وفي نفسه يقرر المفروض أن يذهب الجميع للمدافن يقص عليها وهي تسمعه بتلذذ غريب وكأنها تدعوه لمزيد من القص والحكي ، تركته ودخلت لتعد له حجرين آخرين وهو يقسم لها بأنه أروع ما تناوله طوال حياته ، هو في أمس الحاجة للسكر وأن لا يدرك ما يدور حوله 000وكأنه يسأل نفسه أيوم الحشر 000يوم يري الناس سكاري وما هم بسكاري ، يرفع عن رأسه الفكر ويدعوها ” أين ذهبت يا ست الناس إلحقيني ” ويضحك ويواصل ” سامحيني تعبتك معايا ” ، لم يعتد أن يقوم بالخدمة علي نفسه فالجميع تحت أمرته يتسابقون لإرضائه وتنفيذ أوامره ، لكن أين ذهبوا جميعا ، يتأرجح فؤاده بدعوات متباينة غريبة ورغم نسمات الصيف المعطرة بأبخرة المساء فلا تخرجه ولا تنعش فؤاده فالحزن أكبر من مجرد زهرة تبعث رائحة ذكية ، عادت ورغم ضوء المصباح الذابل في الداخل تيقنت عيناه أنها عائدة بثوب مغاير للثوب الذي دخلت به وبلون غير الأسود ووشاحها رجع للخلف فظهرت خصلات شعرها الأمامية ، تنبعث منها رائحة جميلة ، هل تعطرت وتزينت فأدرك أن هذا ما حدث بالفعل ، أمتدت يدها وغيرت الجمرات والدخان ولزوم الكيف قطعته بأسنانها ، جلست علي الأرض وفي موضع يسمح بسقوط الضوء عليها ، شكر لها صنيعها ، صمت عن الحديث فحسب وأفكار تتوالد وتتوالي وصراع يضرب شباك الحزن ليفر من بين ثناياها ، يرددون دوما حكايات النداهة ، تعيش الحكاية في قلوب الفلاحين ، فهي تلك المرأة الجميلة والغريبة التي تظهر في جوف الليل في الحقول أو من النيل وتنادي ومن يتبع نداها وينسي نفسه ويسير في ركبها غالبا ما يموت بعد لقائه الأول معها أويصيبه مس من الجنون ، حكايات صاغتها ورددتها قلوب يمتلكها الجبن والخوف ولكن لماذا تتوارد علي ذهنه ، في حياء مبالغ فيه تتحدث وتصفه بصفات لم يسمعها من أنثي من قبل ، همس لم تتعقب أذناه صداه من قبل ،يسحب بقوة فتشتعل الجمرات فوق الحجر وبين الدخان يختلس النظرة ، تتقابل عيونهما فيحاول أن يغض بصره ولكن فات الأوان ، ضحكت ضحكة مبتورة لم تكمل باقي نصيبها فأعقبتها آهة ولكن في صوت أنثوي يدغدغ مشاعر أعصي وأقوي البشر ، فأنساق في ركب الدعوة بعد أن وهنت قواه وهي تستحثه علي عدم الخوف ، قالوا في الظلمة تتساوي كل النساء وقال الأخرون ولكن في لحظة العشق تختلف الموسيقي التي تنبعث من بين شفاه أنثي وأخري وحتي أن كان بلسانها خرس ، اندفع وللمرة الأولي ، مجرد حيوان وراء غريزته فحسب ، لا يدرك مواطن جمال إمرأة في قوة فخذيها أو صلابة نهديها ، تنفجر قنبلة شهوته فيهجم وهو شبه أعمي وغير عارف حتي بجغرافية التكوين وإبداعه ، تمازحه وتتمنع بعد أن أشعلت نيران شهوته ، تدفعه للخلف بأطراف أصابعها في صدره ، لا يتحكم في ضربات قلبه ويزداد حيوانه إندفاعا ، هل تدرك هي كل ذلك هو ثور أطلق عنان قيد نزوته 0
خرج مسرعا لا يرتدي سوي سرواله الداخلي وباقي ملابسه بين يديه ، ابتعد كثيرا ولكن في حذاء شاطئ النهر ، احساس غريب بالذنب 000خوف وهلع ورعب ، القلب يخفق بسرعة قياسية والجسد يتصبب عرقا وترتعش الشفاه ، ليس متأكدا مما يحدث له ، فهل هذا مجرد حلم أم حقيقة 000هذا الكيان والشخص الذي يتفاخر به أبيه ويصفه بأنه في مكانة القلب من العائلة ، لم يعرف يوما في صوته رهافة النسيم ولكن فيه صوت الرياح القوية وكأن شروط الزعامة صلابة ومهابة فلم تدركه همسات الأنثي من قبل ولم يسمع ولم يسع لسماع دعوات الرذيلة فكان قويا كفارس محارب ولكن لا يعرف رقة العاشق الولهان ، ها قد عصفت به ريح لا يدرك مصدرها ولم يتوقع هبوبها في لحظة مباغتة 000هو الذي تأخذ جسده الرعشة من قول أو فعل لم يحله الله ، مجرد فعل وخروج عن نص وليس كبيرة من الكبائر المنهي عنها ، هل تجرد من كل أسلحته في لحظة واحدة 000هل نسي آيات الذكر التي حفظها في الكتاب علي يد الشيخ حامد 000هل هامت به نشوي فذهبت بعقله فسقطت حصونه التي تحصن بها خوفا ،لم يدر بخلده أن يحدث هذا يوما ومع من ؟! همست لحظتها أنها تعشقه 000هل هي كانت عاشقة له وهو لا يدرك ولكن فارق السن لقد حدثته أنها حملته وهو طفل 000غريب أمرها ، رددت في أذنيه كلمات عاشقة لم يسمعها من قبل ولم يفهم منها شيئا فقد غفلت أحاسيسه عن كل شئ إلا الشهوة واللحظة واللذة ، لم تخل سهراته وأقرانه من أحاديث العشق ، كثيرا وفي نهاية حفل عرس أو طهور ولو خروج من السجن وربما عودة حاج تكون له وصحبته حفل خاص وبمفردهم فيأخذون المغني وأفراد فرقته وللسهر حتي الساعات الأولي للصباح في سماع أقاصيص العشاق ، فيهتز طربا وهو يستمع لقصة الأميرة عزيزة وعشقها ليونس رفيق أبوزيد الهلالي ومرعي ويحيي في رحلتهم إلي تونس وكيف هو مأسور بتعاليم وأماني أبيه وكأن هذا يفرض عليه أن لا يخرج عن نص مألوف تسير عليه سير الكبراء ، خطوط فاصلة ما بين الحق والباطل بين الليل والنهار بين الأيدي التي تعبث بمقادير البشر تحت العديد من المسميات الإنسانية ، ما ارتكبه جريمة عقابها رادع ومحاذير الدين منها تفوق الوصف فمجرد التفكير فيها جرم وخروج عن مألوف وحق ، كثيرا تباهي محبيه ومريديه بالحديث عن ذلك وأفصحت ألسنتهم وأحاديثهم وموقفه منهم لم يتغير فيمنعهم عن مواصلة هذا الحديث وأن واصلوا فهذا فراق بينهم وبينه فبتروا حديثهم ، هل الحزن يسقط غشاوة فوق القلب فلا تدرك العين موضع القدم أم غشاوة فوق العقل فتختلط الأمور وينتفض الجسد ويكسر القيود ويسبح في تيار مضاد لسير الحياة تحت مسمي الحرية ، هل ما فعله نتاج لحزن طغي سلطانه فوق تلابيب قلبه فلم يفطن لفعل ، هل الحب أم ممارسة الحب كفيل أن يسحب الإنسان من بوتقة الألم ، الكآبة والحزن تقطر في كل العيون والشفاه مزمومة ، يعاتب نفسه ولكنه ليس الوحيد .
لم يدرك موضع قدمه ، إنها المرة الأولي في حياته التي يأتي فيها هذا الفعل ، في هذه البقعة من الشاطئ التي ألقي فيها بنفسه كثيرون لقوا حتفهم ، دوامة المياه ودورانها السريع يجفل منه البشر ويتحشاه راكبو النيل بمراكبهم وسفنهم فيحكي أن شيطان تلك المنطقة أستطاع ابتلاع سفينة ولم ينج فرد واحد ، أغيبوبة صار رهينها ، تتقابل عيناه وعينا أبيه فينظر للأرض وتذهب الكلمات والأب يشعر بحزن ولده وألمه المكنون فيعلم أن القلب الذي ينفخ فيه دائما تشتعل فيه الدماء وها هو حزنه باديا تدركه كل العيون ، يشعر الأب أن فتاه قدر المسئولية الملقاه علي عاتقه فالحوادث التي تعصف ببلده يعيشها .
أربعة أيام ويخرج الزعيم معلنا تحمله المسئولية وأنه سلم مقاليد الحكم وتنازل وتنحي عن كل مناصبه وأنه فردا من الشعب ، صرخات وآهات ودعوات وأناشيد تردد فالجميع يرفض الهزيمة ويتمسك بالقائد والزعيم فيرفضون التنازل في طول البلاد وعرضها فيرضخ للدعوات وترتفع نغمات التحدي ، تمر الأيام ويعود البشر للوجوه ويعود التورد لوجه الكبير ولكن لم يهرب الحزن من عينيه بعد فيصيغ الكلمات بدقة متناهية وكأنه يحاسب عليها فلا ينس أن يبعث الطمأنينة في قلوب مريديه وأهله ، تتواصل الأمسيات ولا يترك أبوربيع المجلس ليظل قريبا من أبيه ، تدخل للبيت من الباب الخلفي كعادة كل النساء فيجدها أمامه وهي تلف جسدها كله بملابسها السوداء ولا يبدو سوي وجهها وكفيها وفي عينيها وهج ودعوة غريبة رغم ضوء الفانوس المعلق في جزع النخلة التي تتوسط الفناء ، يستعيذ بالله ويحاول أن يمضي فيأتيه صوتها همسا بأنها تنتظره فله أمانة عندها ، يمضي رغم أنه سمع كلمتها ، أمانة عندها 000!!! أي أمانة تقصد هل يستعين بأحد ويقص عليه ما كان ويأخذ بمشورته ، أبعد الفكرة من رأسه سريعا ، سر الرجل دائما في قلبه هي النغمة السائدة دائما بين الكبار ، إن خرج سر الرجل من قلبه صار مضغة في أفواه اللئام ، تقلب في الفراش مفكرا في الأمانة التي بحوزتها ، يلعب الشيطان برأسه فتتوافد أفكار غريبة ولكن يستبعدها ، ليومين متتالين حتي يكتشف إختفاء مسدسه الصغير الذي اشتراه من وقت قريب ، تأكد أن أمانته التي تقصدها هذا المسدس ، حمد الله فلا أحد يعرف أن هذا المسدس خاص به والعيب كل العيب أن يسرق سلاح الرجل ، ليذهب هذا المسدس للجحيم فقرر ألا يذهب إليها مهما كانت النتائج ، حاول أن يبعد هذا الخاطر عن رأسه فربما سقط منه في النيل أو في الطريق ، لكن كيف يعزف عن السهر بين زملائه في بيت المراكبي فلقد أعتاد جمعهم السهر هناك .
أستأنفت الحياة مسارها وتتابعت الحوادث وطغي حديث الحرب وأخذ الثأر ، أنفرجت الشفاه بعض الشئ وعاد كثيرون يمارسون سهرات الحكي والسمر ، إزالة أثار العدوان أصبحت الشغل الشاغل والحديث المردد من خلال الإذاعة والتلفاز الوحيد وتابع البشر الأحاديث وتناقلوه في ظل أمل يراود النفوس ، منادي القرية يطوف بالشوارع والدروب داعيا كل الرجال والشباب للحضور أمام الدوار بعد صلاة مغرب الغد
منذ أعلن المنادي وكأن الجميع بهم شوق للقاء متحفزين للقاء مع الشيخ وكأنه يمدهم بمدد يستشعرونه ولكن لا يتحاكون به ، تضاربت الأراء والأخبار وتباينت الحكايات وكانت جلسة المساء غنية متنوعة ولكن لا تخرج عن إجتماع الغد ، النساء لم يصبحن بمعزل عن الحوادث فإتجهن صوب المنزل الكبير علهن يدركن ويعلمن السبب وكالعادة لا تستطيع النساء أن تخترق قلوب الرجال إلا لساعة فحسب وقد لا تفصح عن كل ما يداخلها وسريعا يغلق باب الحكي وتزم الشفاه ولا تعرف الحقيقة فيتدثرن بمعطف الحياء والخجل ولا تطالب بمزيد ولكن توحي للأخريات أنها تعلم كل شئ ولم يحن الموعد بعد .
اجتمع أغلب أهل القرية ومن تغيب فلعذر أكبر ، في موقع الصدارة الشافعي وحوله من الكبراء ، بدأ الرجل بالحديث فكان موجزا وهادئا وباعثا للطمأنينة في قلوب الجميع فالزعيم عائد بقوة ومصمم علي استكمال المسيرة وبالنصر بإذن الله ، تتابعت صيحات “الله أكبر” وما لبث وأعلن عن السبب الرئيسي لجمعهم اليوم وهو الجهاد وحماية الأرض صون العرض ولكن ليس في ميدان القتال ، نحن مطالبون بحماية أبراج كهرباء السد العالي الموجودة في حدود البلد وما بعدها وخاصة المزروعة في المناطق الجبلية فربما يتسلل الأعداء ويفجرونها ، وأعلن عن المطلوب من كل فرد يمتلك سلاح أي سلاح ولكن لا تدخل في حساباتهم الأسلحة البيضاء ، كل من يملك بندقية أو مسدس أو سلاح غريب عليه التواجد يوم الخميس القادم بسلاحه في المدرسة وسيتم توزيعهم علي أماكن معينة وبمساعدة مركز الشرطة ، سرت همهمات غريبة وبدا تذمر ولكن لا تستبين ولا تضح كلماته ، أخيرا أفصح أحدهم وتسأل ما هو موقف ضباط الشرطة خاصة من السلاح غير المرخص ، بدا جليا سخط الغالبية علي رجال الشرطة ومواقفهم واستعرض أكثر من شخص ما يتعرضون له من معاملات سيئة منهم وأنهم لا يسلمون من لسانهم وأحيانا من أيديهم ، صرخ الرجل بكل قوة فعم الصمت واخترقت كلماته صدورهم وقلوبهم معلنا أننا اليوم في حالة حرب وعلي الجميع نسيان هذه الأمور التافهة والخروج بالسلاح نحمي ونحرس أرضنا وعرضنا وشرفنا فالضابط مجرد موظف منوط به عمل محدد فحسب أما نحن فندافع عن كرامتنا وأضاف الرجل مطالبا الجميع بعدم الخوف وأي ضابط يتعرض لأي فرد فأنه هو المسئول عن ذلك ، انفرجت الأفواه بالدعاء وأعلنوا أنهم جميعا تحت أمرة الرجل ورغم أن كثيرين بدا حزنهم جليا فهم لا يملكون سلاحا ولكنهم علي استعداد أن يحاربوا ولو بفؤوس .
في اليوم المحدد للخروج توافدت الجموع تباعا وكل يحمل ما أمتلكه من سلاح ومنهم من باع جاموسته التي هي مصدر دخله ومنها غذاء أولاده وأشتري بندقية حتي يلحق بركب الثوار وكأن الجموع سمعت سيدة الغناء وهي تشدو بكلمات نزار قباني 000أصبح عندي الأن بندقية وأصبحت في قائمة الثوار ، إلي فلسطين خذوني معكم 000آه ، الشافعي ومعاونوه وكأنهم في شرخ الشباب يتحركون هنا وهناك ويقسمون الأفراد لجماعات وكل جماعة تتنوع أسحتها حتي تتساوي في مجموعها وقوتها وتحديد الموقع الذي تعسكر به كل مجموعة ، أما التعليمات فكان أهمها عدم إشعال النيران بالقرب من الموقع الذي ترابض به المجموعة ، في حالة تناول الطعام وشرب الشاي فلابد من حفرة عميقة وبعيدة حتي لا تري من بعيد ، أما الضباط فقد عمهم صمت غريب وهالهم ما يرونه من سلاح يخرج به هؤلاء الجهلاء كما يرونهم ، فرغم حملاتهم المتكررة الليل والنهار لا يجدون أي أسلحة غير مرخصة ، تحرك الجرار الزراعي بأول الأفواج وكانت أبعدها وصمم الشافعي أن يكون برفقتهم ، حاول الجميع أن يثنونه أبي وأقسم بالله بأنه سيذهب ، ما لبث أن ألقي تعاليمه لأبوربيع بأن يعطيه بندقيته وذخيرته ، حاول الفتي ولكن كانت أوامر الرجل ناهية وأن يلتزم أبوربيع بالبلد والدوار وأن يقوم مقام أبيه ، ماذا يقول الفتي فمعلوم عن أبيه شدة مراسه وعزيمته التي لا تلين ، وتتابعت الرحلات ورافقتها أعدادا من الكلاب تجري خلفها ومنها ما استمر وقضي ليلته معهم ، أما الأطفال والصبية فقد استمر جريهم خلف القوافل المتتابعة حتي نال منهم التعب وعادوا أدراجهم وعيون النساء ترصدهم حتي يغيبون وتلفهم سحب الدخان والتراب ، أبوربيع مجبر لا خيار أمامه ولكن كيف يقضي يومه وقد أصبحت البلدة شبه خالية من الرجال والصحبة ، أغلب الرجال حملوا أسلحتهم ومضوا ليس أقل شأنا منهم وها هو رهين محبسه الذي حدد له وأمانة قلدها لفتاه في رقبته فهو المسئول عن كل كبيرة وصغيرة ووكل إليه بكلماته المقتضبة ، اللحظات تمضي متثاقلة في بطء غريب ، أين يذهب ؟ وكأن كل هوام الليل تأز في أذنيه فسأم من حديث أو طعام أو شراب وشئ غريب يقبض قلبه ، ليس أمامه إلا اللجؤ للمسجد فانطلق فصلاة العشاء أزف موعدها ، وسواس لا يتركه ولا يفارقه جاثم فوق صدره فبعدما تخطت قدمه اليمني عتبة المسجد وكأن عجز أصابها أو شلل ألم بها فتراجع للخلف وما لبث عائدا أدراجه ولكن بلا وجهة محددة ، تقوده قدماه لخارج حدود البلدة ، تشخص عيناه للفضاء اللانهائي وكأنها ترصد وتتبع حركة النجوم في سماء الليل ، كأن النجوم تريد أن تلهيه وتخرجه من حزنه فترسم صورتها فترتعش أوصاله ، هل تتآمر النجوم عليه أم تبتغي نشوته ، حلم غريب سكن فؤاده وتحقق في أيام الحزن وصار رهينه وسجينه ، هل تسقط ثمار الأمل المنتظر قبل أن يحين موعد قطافها ولم تنضج بعد ، ثمر في متناول يديه ولم تكتمل حلاوته فيحلق العصفور المسجون في صدر الفتي ، رغم حرارة الجو فوحدة قاسية باردة ترتجف لها الأوصال ، تجربة عميقة غريبة وهو غير مؤهل لها فأنتزعته من شخص تجتمع فيه كل صفات الرجولة والشجاعة ولكن لم يغز قلبه بعد همس إمرأة 000طوال أيامه السابقة أسير ومبهور ومعجب وناقم مزيج متأرجح بين القبح والجمال ، سعادة غريبة ورعشة محببة 000فهل ترتعش السعادة ، أهو عبث الحياة أم حياة العبث ، تجربة تجذبه من وحدته القاسية وتدفع فيه حرارة حياة جديدة ، لعبة أم نزوة يتمناها كل البشر ، لعبة يمارسها اثنين وكما قالوا الأقطاب المتشابهة تتنافر والمختلفة تتجاذب ، ماذا يفعل هل يهرب وإلي أين ؟ هو لا يستطيع 000دعوات غريبة متأججة يدفعها الإيمان والخوف وانتقال لواحة تطرقها قدميه لأول مرة ، تجذبه عذوبة كلمات دونتها أذنيه فوق شعاب قلبه ، يقف علي شاطئ بحر كغريب وعروسه تدعوه لخوض التجربة فيتحرك فتتقاذفه الأمواج بعنف فتخترق ملوحة مياهه أنفه وفمه وعيناه ويتمني المزيد وتواصل وتتواصل ويزداد جنون البحر به فيقذفه بقوة فيفقد لحظيا الإحساس بالرؤية أو السمع ويستمرئ جسده الفعل ورد الفعل المباغت ، أصبح متيما ولها ، كم جميل لون الحرباء وكم السعادة التي تلف الإنسان لحظة العشق المحرم والشهوة المتفجرة ، جذور متأصلة في كل البشر أم هو حالة خاصة يطرح الأسئلة تباعا ، لحظة تشدنا الأحلام فتلهينا عن الواقع الذي نعيشه 000ترفع عن نفوسنا الخوف من غرق قارب الأمل بعد أن فقدنا شراعه في دنيانا ، هل زلزلة تجرجرنا لتفجر البركان الكامن فينا .
مازالت صورتها تطالعه بين تشكيلات النجوم المختلفة في السماء ، كثيرا ما رأها ولم يشعر يوما ما ناحيتها بميل يذكر ، لم تتفرد بشئ دون النساء ولكنها الوحيدة التي همست في أذنية بعشقها وولهها به ، أول مرة يلمس جسد أنثي وترتعش أواصاله ، هل سحرته وهو لا يدري 000لكن مازالت ذاكرته تتذكر كلمات أحد الشيوخ الذي أنكر ونفي وجود السحر وقال أن سحرة فرعون أنما استخدموا الزئبق في عصيهم وحبالهم فبدت وكأنها تسعي وكما فسر ذلك المفسرون فأنهم سحروا أعين الناس ، عاد فتذكر أن السحر حقيقة أشار إليها القرآن كما أشار إلي السحرة والساحرات كالنفاثات في العقد فهل هي تنتمي إليهن !! لم ينس أن الرسول عليه السلام سحر ، حاول أن يبعد هذه الخواطر فباءت محاولاته بالفشل حاول أن يستعين بذكرياته في كيفية التخلص من فعل السحر ، العلاج الذي يتذكره جيدا أن يتناول سبع تمرات في الصباح الباكر لمدة أسبوع كامل ، يضحك وهو يتذكر حكاية جدته والمرأة التي شكت لساحرة صدود زوجها عنها فصنعت لها دواء تجعله في طعامه فوضعته في خبزه ولم يفطن الجميع لدخول الكبش فأكل الخبز ومن لحظتها والخروف يأبي أن يفارق السيدة حتي في نومها يريد النوم معها فما كان من زوجها إلا الاسراع بذبحه خوفا عليها 000يضحك ويردد في سريرته ماذا لو كان حمارا أو ثورا 000تستمر ضحكاته وهو ينظر حوله ولكن في صوت خفيض فماذا لو رآه أحدهم ، هل تتوافق الرغبة والعقل وهل تسيران وفق متطلبات الإنسان 000هل تستطيع اللحظة والشهوة أن تغرق مشاعر الحزن والألم وتذهب الفكر ، ماذا يحدث له هل ينطلق بلا مرجعية عقلية ، أصبح كالمريض يحتضر يلتمس الشفاء في جرعة قد تذهب بالداء وتعود له نشوة الحياة أم أصبح تائها في دروب قريته الصغيرة ، غريب ومحدث وله وعشق ولم يدرك اللحظة بعد ، أغريزة تدفعه وأمل يراوده ويحاول أن يلقي في جسده الهدؤ والسكينة رغم أن جسده كله يرتعش ، هل يذهب للبيت ليرقد في فراشه ويستبعد الفكرة لقد ذهب وقت الحديث من وإلي العقل ، ساقاه تحملانه ويشد من أزرهما يده التي تستند علي العصي بيمينه ، دقيقة بعد دقيقة وتعصف الأماني وتطوف العين بالأرجاء حوله ويكاد حلقه أن يجف ودوافع كثيرة مكنونة تدفعه للأمام ، فقد عقله أم طيش شباب أم حماقة يستلهم منها توجها ، أهي امرأة متفردة ذات جمال غريب يستقطب اللب لا يبدو من مظهرها ذلك ، مجرد امرأة عادية لا تحمل أي جديد عن سائر نساء البلد المتشحات بالسواد ليل نهار ، تأتيه صورتها فتنفرج أسارير فؤاده وكأنه يتأمل الجمال للمرة الأولي أما همسها فقد عشعش في أذنيه ، خوف غريب عليه ولكن استقر عزمه علي المضي في طريقه إليها بلا تردد ، يدور حول المنزل ومتأكد من عدم وجود المراكبي والشاطئ خال من مركبه وكأنه يتحسس جدار المنزل وكأنه يسمع وقع قدميه ودقات قلبه ويخرجه من خيالاته اللحظية فوهة بندقية مسددة لظهره وصوت تدل خشونته علي تصنع صاحبه نغمته ، لحظة رعب لم يعشها يوما وفي لحظة تتدافع آلاف الأفكار وتهتز أنامل اليد والرعشة تتملك الجسد كله وفتي لم يأبه يوما لفعل فلم يأخذه الفكر كثيرا وبسرعة غريبة دار نصف دورة فضربت عصاه ماسورة البندقية فطارت وألتفت يداه علي خصر مهاجمه فندت صرخة أنثوية ووقع كلاهما علي الأرض ، التصقا فصار نبض قلبيهما وكأنه نبض واحد وجسد واحد ، تسقط أضواء النجوم علي وجهها فيتألق ويزداد توهجا وحرارة وتلتف يديها حوله وكأنها تلتمس منه الحماية أكثر و لا تلبث تطالبه بالترفق والتريث وتظهر ابتسامتها في دعوة وتمنع ، يداه حول رأسها تستندان علي الأرض وتدفعان جسده وبالأصح النصف العلوي لأعلي وفي صمت ظاهري وبركان داخلي يتأمل وجهها وتمتد يديها وبكفيها وبما تحمله من تراب فتتحسسان وجهه ورأسه بأفتننان بالغ فيدفن رأسه في صدرها النابض المتفجر بدقات متسارعة وهمسها يرفع درجة حرارة جسده ، عادت إليه ذاكرته فأنتصب واقفا وأمتدت يده إليها فوقفت وأسرعا لداخل المنزل وعيناه ترصدان المكان حوله ، كانا قد نسيا نفسيهما ولم يدركا كم من الوقت ، أغلقت الباب خلفهما فهم أن يطلب منها أن تترك الباب مفتوحا ولكنه حبس كلمته ، لم يفطن لأثار الطين والماء الذي اتسخت به ملابسه فأدركته وطالبته أن يخلع جلبابه وبعد تردد لم يدم كثيرا أذعن ،فرشت المصطبة بسرعة بمفرش من وبر الغنم وفتحت صندوقا خشبيا وأخرجت بعض الملابس فأهتزت رأسه رافضا ، في الجانب الآخر من الحجرة سرير متهالك بأعمدته التي ذهب لونها ، تحرك ناحية السرير وأمتدت يده تحاول جذبها ولكنها تمنعت في دلال وطالبته بالتريث ريثما تصنع له كوبا من الشاي وتعد له لزوم مزاجه من شيشة ومتطلباتها وأسرعت لتغسل طرف جلبابه المتسخ ، استطاعت أن تذهب عن اضطرابه وارتباكه ، تتابعت حكاياتها وهو يطالبها بالصمت فتضحك ، أنت الرجل الوحيد في البلد فكل الرجال خرجوا دفاعا عن 000 تصمت فيتأملها وهي تغدو وتروح بلباسها الأحمر اللون الفاقع الحمرة من القماش ذو الملمس الناعم ، تختلط الخواطر وتضطرب الأفكار وتتحرك بلا إنفعال وتتكلم بلا حذر ولا غلو 000وجهها لا يعبر عن انزعاج واضح أو ارتباك 000تضحك تارة وتبتسم لحديث وتلقي عليه نظرة فاحصة وكأنها تستطلع حاله وما أضحي عليه وتنتقل من حكاية لأخري وهي تتحرك من موضع لآخر ، تقص عن ذكرياتها في بيتهم وتلك الليالي السابقة للعيد وكيف يقضين الليل بطوله يساعدن أمه وهن ينقشن الأشكال المختلفة فوق قطع الكحك أو أمام الفرن ، تنظر إليه وهي تتحدث وترصد عينيها ما أصبح عليه فتقص عليه كم كانت تتمني رؤياه طوال اليوم وعن شغفها به منذ صغره حتي عندما كان طفلا ، هل هناك ما يدفعها لكل ذلك فكلما هم أن ينقض عليها تعود لحكييها وكأنها مدربة جيدا فتعيده لحظيرة التريث والهدؤ ، تسحبه لما تريد وتبعده متي تريد أم أنها تدربه ليصير مؤهلا لها فقد أدركت المرة السابقة بأنه مازال غضا لم يعرف بعد 000فيهم أن – تتحدث عن موت جده وهو لايتذكر الحدث وتصف حزن البلد كلها وكيف ماتت فرسه حزنا عليه وأنهم دفنوا رأس الفرس في عتبة الدار الكبير وتجيد قص الخرافات التي واكبت موت الجد وكيف الناس كانوا يرونه في المساء راكبا فرسه متجولا في دروب القرية وزراعاتها ، تبهره وتستقطبه بحديثها ورغم النيران المشتعلة في جسده إلا أنها استطاعت أن تحول بينه والتسرع فتلج عيناه لمفاتن جسدها وليس لجسدها مفاتن سوي في عينيه ، هي عازمة أن لا تستفزه فيتسرع ويلهث متسرعا فالفتي مازال صبيا ، تعتريه نظرات ريبة وشك ولكن يخرس لسانه وكانت أفعالها أتت مفعولها فيترك الشاي والشيشة ويدخل خلفها فتعيده لمكانه وهي تدفعه بيسر وتودد ورجاء مشوب بالدلال ، تأتيه الشجاعة فيطرح سؤاله الذي ظل يراوده فيلقيه متسائلا لماذا كانت تلبس هذا الثوب ، تضحك بلا تردد وبصوت عال فيسرع ويضع يده علي فمها وبدلال تعض يده فيسحبها فتمسكها من جديد وتلثمها فيأخذها في صدره فتبعده ثانية حتي تدفعه للجلوس في مكانه وتقوم بتغيير حجر الشيشة وتزيد من معجونها المحفز لغياب العقل ويسحب فتتوهج النيران ومعها يتوهج قلبه ، أما لماذا تلبس هذا الثوب بالذات فتشرع تقص عليه أنها كانت متأكدة من مجيئه هذه الليلة فكانت مثل سائر النساء يرقبن الرجال وهم ذاهبون في طريقهم وعيناها لم تتركه لحظة واحدة وكانت متعلقة به لم تفارقه ، كم كانت سعادتها وهي تري ما حدث من أبيه واصراره علي الذهاب وأن يظل هو بالبلدة مكانه وأحاسيسها لم تكذب عليها ، آهات وزفرات في حديثها وهي تقص عليه شغفها وحبها له طوال حياتها ، تتمني أن تراه في كل لحظة وكيف يصبح حالها أن هو سافر بعيدا ولو ليوم واحد ، تصف له سعادتها وهي في منزلهم وخاصة عندما تعد له الطعام وتقدمه بنفسها تتحدث وحديثها يبعث علي الدهشة ، لا تلبث تعقد مقارنات من هو ومن هي وكيف وكيف ، كم كانت تنتظر أن يتحدث إليها في أي شئ فكل كلمة تخرج من فمه تسحرها أي كلمة فتمتلأ عيناعا بالدموع فترفعها بسرعة وتعود إليها رصانتها المعتادة وتتحول لحكاية أخري وتعود وتواصل وبين الحديث والحديث تصف حالها 000كم هي تتمني أن تكحل عينيها يوميا برؤيته فهذا أقصي أمانيها ولا تريد سوي ذلك فحسب ، هل تقصد ما تقول 000هل تعشقه لهذه الدرجة 000فوارق متعددة أولها عمريهما ، في وادينا تنمو قصص وأساطير العشق مذ بدء الخلق وكأن تلك الأرض ولادة بالعشق والحب والخير 000أزيس بعد مقتل زوجها أوزوريس تبحث عن أشلائه في كل وادي النيل وتنتقل في كل الربوع وتعصف بها العواصف وعندما تعرف من هي وكم حبها لزوجها تترفق بها فتتحول لنسيم وأريج ، تكاد تفترسها الضواري ولا تلبث تذرف الدموع وتشاركها مصابها وتلد حورس من علاقة غير جنسية وبلا غريزة 000كم الأساطير تنمو وتنبت كما العشق فهل طبيعة الأرض أم البشر أم مياه النيل 000تتناقل حكايات في العشق غريبة فعشق زوجة أمير مصر ليوسف عليه السلام وكيف أصبح حالها ، قيل أنها استمرت في البكاء حتي ذهب بصرها وخرجت من قصرها وتاهت في طرقات المدينة ولم يعثر عليها أحد ، مضي موكب يوسف عليه السلام فقالت بصوت عال ” سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية وجعل العبيد ملوكا بالطاعة” سمعها وسأل عنها فقالوا مجرد إنسانة فسألهم ماذا تطلب وتريد 000كل ما طلبته أن تلمس طرف سوطه، أمسكت بطرف السوط وضمته إلي صدرها فقيل أنه شعر في يده برعشة يديها وخفقان قلبها. تعلق بها ورأي ما لم تره عيناه من قبل 000ذهبت كل أشكال ومقاييس الجمال وأصبحت تضاريس جسدها وملامح وجهها هي المقياس ، في حديثها همس مشفوع برقة وتمرد علي واقع تعيشه ، جلست علي مقعد خشبي صغير قريب من الأرض أمام النيران المشتعلة في الموقد الطيني وواجهت بقعة المياه التي غسلتها لتوها لجلبابه بالنيران المشتعلة حتي تجف ، سقطت أضواء أكثر وتحركت وتراقصت الظلال تباعا لاختلاف حركة ذوائب النيران ، ظهر لعينيه دموع تسقط فوق وجنتيها ، امتدت يده إليها فسندها حتي وقفت قبالته تماما وسحب الثوب من يدها وألقاه بعيدا ، حاولت وسط بكائها أن تؤكد له كم هي عاشقة له وكل ما تتمناه مجرد رؤيته دائما فحسب وأرادت أن تبعده عنها فلم يستجب وأنما ازداد إلتصاقا ، تواصل حديثها وهي تصف نفسها وتحقر من ذاتها قياسا به وبنبته الطيب ، ألقت بذورها في تربة بكر وروتها بدموع عشق وهوي فذهبا لواد جديد فكانت ثمار لم يتذوقها من قبل ، مع نسمات الفجر وغبش الصباح لملم شتات ملابسه وجسده وهم بالمضي ، أخرجت من بين ثنايا مخدعها مسدسه الذي تركه المرة السابقة التي شعر اليوم بأنه ساعتها كان طفلا لا يدرك شيئا قياسا بهذه الليلة وكان وداع علي أمل اللقاء .
هل القوة هي التي تخلق الحق أم الحق هو الذي يخلق القوة 000 الأسد في الغابة له كل الحق أن يفعل ما يشاء بموجب قوته 000استطاع الأنبياء والرسل وبالحق الذي نادوا به أن يزلزلوا أعظم القوي والممالك كما فعل كل الثوار العظماء والمفكرين والفلاسفة فاخترقوا حصون الجهل والفكر السقيم وغيروا وجه الأرض .
انتعاش غريب يسري في أوصاله ، لم يشعر بألم يذكر فهل إحساسه بالرجولة الحقيقية وممارستها فوق مخدع عشق أقوي من أي شئ ، كثيرون يستشعرون رجولتهم حقيقة مع المرأة منذ بدء الخليقة ، لم يشعر بأي أثم ولم يتحسر علي فعل ، هل صار قويا فينام بلا أرق وبلا حساب أنزوة أم خيال أم كلاهما0أصبح مشدودا إليها بصورة غريبة ، قلب العائلة الذي طالما تغزل فيه أبيه ، الراعي لصلة الرحم الوارث لكل صفات الأب الكريم في مسعاه من يرفع الكرب ويشد الأزر، تعلم الكثير منه فلا يتوان عن خير ويشارك في المصاب فيصيبه الغم والحزن يوم يلم بقريب أو صديق كرب وتمتلأ عيناه بالدموع لكنه يحاول أن لا تبدو فعيب كبير أن تري دموع الرجال ، علاقة أزلية بين الرجل والمرأة عشق وهوي مجنون كلاهما في أمس الحاجة للأخر دوما ، كما يعشق النهر البحر فدائما يسرع الخطي إليه وبأحماله يذوب وتضيع عذوبته ويصير ملحا أجاجا ، مشاعر غريبة تتملكه وهو يمشي علي قدميه يحس وكأن قامته تفوق الجميع وعندما تتعلق بركاب سرج الفرس ويستند عليها ليرتفع فوق صهوة الجواد فكبرياء يغمره ، جواده من يوم مولده وبالأصح منذ وجوده وأسلافه في الدنيا مقرونا بالكبرياء ، تحرك الفرس كعادته فضرب بطنه بركابيه وكأنه لا يحتمل أن ترتفع أي قامة سواه حتي لو كان فرسه فتألم الفرس وصهل ووقف علي خلفيتيه فكاد يفقد توازنه ولأول مرة يضرب الفرس الذي يزداد جنونه فيواصل تمرده وعصيانه وهو يأبي التنازل والخيل الأصيل لا تضرب ولا تقبل الذل ، يري الأب المشهد وأيقن أن هناك شيئا غير معتاد وغير مألوف فيسرع فيأخذ لجام الفرس فيقفز الفتي صاغرا ومسرعا ويلوي الرجل عنان المقود بيد واحدة وكأنه شاب في أوج تألقه وقوته ويسارع كل من يشاهده لمساعدته وبإشارة منه يقفون بعيدا ويواصل الفرس حركته وتمرده فيشد أكثر حتي يهدأ وأبوربيع جامدا صامتا مذهولا ، يدعو الرجل أحد الشباب ويترك له اللجام علي أن يسحبه لحظيرة المنزل ، يسترد كل منهما أنفاسه وينطلقا ناحية البيت في صمت فالرجل سابحا فيما أقدم عليه ابنه وقبلها مباشرة يأتيه من يشكو ولده وكيف أمره أن لايروي أرضه اليوم وأغلق المياه عنه وحولها تجاه أرضهم رغم أنه دائم الري قبلهم وتطاوله عليه بالقول ويقسم بأنه لم يصدق نفسه حتي أنه يصفه لأبيه وكأن مسا من الجن أصابه ، قبلها بيوم واحد لم يتمالك نفسه وأمتدت يده علي أحد أقرانه ومحبيه علي غير المعتاد رغم أنه لم يخرج عن مألوف في حديثه معه كالعادة 000هل تذهب المعصية بالأخلاق 000هل تعصف بالجذور 000هل تستطيع أن تسقط الأوراق الخضراء من فوق أغصانها رغم أن موعدها لم يحن بعد ومازالت يانعة ومخضرة ، تتفرس أمه وجهه وكأنها تقرأ ما يدور في خلده فتجابهه فيحاول أن يسكب في أذنيها عبارات تهدئ من روعها ويستطيع غالبا أن يدور بالحديث لجهة مغايرة ويتهرب سريعا و يحاول أن لا يكون هناك متسعا من وقت بينهما لحديث ، ينبش رماد موقد عقله بطرف قضيب الهوي محاولا استرجاع أيامه السابقة وأن عادته وصفها شيطانه بالطفولة والغباء والرجل الحقيقي اليوم كما يقولون من يسطر اسمه فوق جباه الرجال بحد سطوته وقوته ، يهيم به الشوق ويعربد شيطان اللحظة اللذة وينصب تفكيره عليها ، لكن المراكبي يرسو بمركبه علي الشاطئ طوال اليوم ، حتي في المساء يدرك صعوبة الوصول فيجلس بين الكبراء رفقاء أبيه ويتصنع التجلد ويتحرق شوقا إليها ويستر أمانيه بوقار زائف حتي لعزلة قلما تمناها سابقا فيتيه في مخدعه وتهاجمه في ضباب أحلامه صورتها ، كثيرا ما تفضح العيون أصحابها وهو يحاول جاهدا أن يبدو طبيعيا في تصرفاته وأفعاله ، تتوالي الأيام وفي اليوم المقرر للحراسة يأخذ مكان أبيه في مجموعته التي حددت مسبقا ، ألقي تعليماته لأحد رفقائه بأن يأخذ مكانه ريثما يمر علي باقي المواقع وكالعادة لا يرفض له طلبا ، اتخذ قراره وانحرف بمساره عن الطريق المعتاد وانعطف جهة النيل موليا ظهره للجبل ، في الطريق وبعد انتصاف الليل وصمت الأحياء يكاد يستمع المشدود لفكرة ما همسات الريح أما هو فكل خطوة يخطوها يحس بوقعها علي الأرض وكأنها زلزال وتزداد دقات قلبه تسارعا ينشطر فؤاده 000يعود أدراجه ولكنه عازم ولن يعود ، المراكبي يفتح الباب ويفرك عينيه ويبدو عليه الذهول ويستجمع شتاته ويسأله عما به وتأتيه إجابته في ثبات معتاد منه بأنه وبعد ساعة من الآن مطلوب أن يكون علي البر الثاني ففي انتظاره تاجر يحمل بندقتين وعليه احضارهما وطالبه بالاسراع ،لم يتحرك حتي غسل المراكبي وجهه بقليل من الماء ، انطلق كلاهما هو في موقع من خلاله يراقب الطريق جيدا والمراكبي فك مرساه وأخذ يفرد شراع مركبه ، وجدها في انتظاره يتجاسر ويدخل بلا تردد مسيطرا عليه فكر اللحظة فيحس أنه يملك كل شئ وهذا ما تتطلبه مقومات الرجولة والشجاعة ، مصحوبا بمؤازة داخلية تشجعه وتقويه وتعظم نفسه وفكره وقدراته ، لا ينتابه هاجس لخوف أو ضعف فاليوم يفسرها وفق لحظته الآنية هي مجرد عوائق وهمية 000يدرك في اللحظة أنه الأقوي من أي ظرف وكأنه يهدهد نفسه بأن عقله لم يغب ولكنه في نشوة ، أفكار صنعتها الحاجة وصقلتها مطالب الغريزة فانساق بين أمواجها وبين كل ذلك يتمني الفوز والنجاة وتحقيق رغباته ويظل رهين الأمواج حتي يلقي به المد علي شاطئ الحياة مرة أخري ، يعود العقل بعد ذهاب العاصفة فيملك زمام الفعل فلا يشعر بندم علي فعل أتاه وكأنه حق مكتسب له دون سواه ، لا تأتيه صيحة القلب النقي الغائب المسلوب الإرادة ولا يسمع الصراخ 000ويحك 000ماذا فعلت 000اختزل كل الكلمات في كلمة تروقه وهي العشق فلا يسمع صدي لخطاب يعنفه أو كلمة مستنكرة مما أقدم عليه ، رغم أن اللحظة اللذة ذهبت والرعشة ماتت ورائحة المخدر لم يصبح لها وجود فأنه يشعر براحة غريبة وسعادة لا يشك في صدقها 0
بدا مزعجا في كثير من تصرفاته ، أشياء كثيرة كان يأبي فعلها اليوم يفعلها بلا تردد ولا يأبه لرد فعل أو قول من أي إنسان ، داوم علي زيارة المراكبي بداع أو بغير ولم يستشعر غمزات أو لمزات أقرانه وجميعهم يتخوف أن أفصح عما يدور أن يكون نصيبه الخروج من جنته فهو الملاذ في الكثير من الملمات أو السهرات والأفراح ، يعشعش الخوف في الصدور وتجد في الهمس والحكي ملاذا وهروبا من الواقع فتترجم الحكاية وفق أهواء أصاحبها ولكن لا يوجد دخان بلا نار فتتواصل حلقات الدخان وتتكثف فتعمي البصروتكاد تخنق من وقع في براثنها ، الأخبار تتناقل في همس فالمرصود ليس شخصا عاديا فهو ابن الرجل الذي يحمل هموم بلده فوق رأسه وكان الفتي مضرب المثل في الخلق والجميع سواء رجال أو نساء يتحاكون ويجيدون حبك أقاصيصهم وفق متطلبات الموقف والفعل ، لا يتجاسر إنسان فيتحدث علي الملأ ولكن نميمة النساء سلوي لوحدتهن فأسرفن في أقاصيصهن فتنوعت واختلفت وأكثرهن ألبساها رداء السحر فزوجة المراكبي بلا أصول ولا يعرف من نسبها سوي أنها زوجة أحد أفراد البلد وهو مذ كان شابا عاشقا للبحر وهي جنية عشقته وخرجت عن عرف أهلها فلعنوها وخرجت علي الأرض عاشت مثل البشر وتزوجت من كان محبوبها واليوم من ينظر إليها لا يعرف لها عمرا فهي شباب دائم وكثر الحديث عن قوتها وقدراتها في مختلف المجلات فكثيرا ما يستعين بها المراكبي في أمور لا يستطيع مجموعة من الرجال القيام بها ، دائما ما تستعين بها النساء في مواسم الحصاد وصناعة الكشك والخبيز وحمل أشولة الطحين وأن لم يتوفر حمارا للحمل فهي كفيلة برفعه بمفردها فوق كتفها والذهاب والعودة بها ، لايعرف جسدها المرض فلم تشكو يوما وأما أغرب الأشياء التي كثر الحديث عنها فهي قدرتها علي شفاء أو سحب السم ممن تلدغهم العقارب أو الثعابين بمص السم بفمها من موضع الإصابة وتلك حقيقة كانت تحدث دوما ولكن الجديد والمطروح لماذا تذهب أياما كثيرة للمدافن وبمفردها ولماذا تخاف الكلاب الدخول أو الإقتراب من منزلها ولماذا لا يستطيع حمار النهيق بالقرب منها ، أقسم بعض الناس أنهم شاهدوها وهي تغوص بعد العشاء في الماء ولا تخرج إلا مع الفجر ،جميع الرجال يخافون الاقتراب من منزلها وخاصة عندما يحل المساء ، الفتي مسحور وسحره معقود في باطن النيل ولا يستطيع فك طلاسمه سوي هي فحسب ، كل يقسم بأنه شاهد الفتي وهو داخل مرة للبيت أو خارج منه ومنهم من أقسم بأنه بمجرد أن يدخل يسمع ضحكات غريبة ويشاهد من كوة في أعلي المنزل آثار نيران مشتعلة في الداخل وأصوات تتشابه وأصوات المردة الذين يطفون فوق سطح النيل آوان الفيضان ومن يسمعهم يصاب بالصمم ومن يراهم يصاب بالعمي والخرس ، كل هذه الشواهد والحكايات هي التي دفعت نسيم المراكبي يهجر أهله وعائلته ويبني له بيتا بعيدا عنهم وعن البلد ويعيش علي طرف البحر النيل كما يستحب الجميع تسميته فلم يألفه أهله وتبرموا به واستفزتهم أفعاله وهروبه أياما كثيرة ولا يعرفون له مكانا ، تزحف الحكايات حثيثا لأذن الزوجة والشيخ فيعزمان أمرهما علي تزويج ابنهما في أقرب وقت لقطع لسان الفتنة ، سارعت الأم لتزف الخبر لابنها الذي قابل سعادتها البادية بتجهم وأصاب لسانه الخرس ولم ينطق بكلمة واحدة لفترة تجاوزت عشرة دقائق والأم الذهول بدا جليا عليها حتي فك أسر لسانه وبلا تردد أجابها بأن زواجه مستحيل فسقطت الكلمة عليها كوقع صاعقة وحاول أن يبرر ويسوق الأسباب التي يتذرع بها ، الأقاصيص التي وردت في حذر تؤكدها كلمات الفتي فهو عازف عن التفكير في الزواج ، قليلا ما يجلس الشيخ وزوجته للنقاش في موضوع ما ولكن الليلة تختلف والموضوع المطروح يشغل كلاهما وفتاهما تبدو علي ملامح وجهه أثار لا تعكس إلا ألما يعانيه وعينيه الغائرتين فيهما سر مدفون في قلب الفتي فحسب ، استعرض الرجل كل ما فعله في الخفاء حتي أنه استعان بأقرانه في التأكد من صدق الروايات والزوجة لم تدخر جهدا فأسرعت ومن خلف عيون زوجها أرسلت بعض من ملابس أبوربيع للشيخ عبدالمعبود عله يدرك ما أصاب ابنها ويفك طلاسم السحر المرصود ، يصحب الشافعي الشيخ حامد حتي يصلا لعشة الأحمر راعي الأرض لبيت الشافعي فيسرع باستقبالهما وبسرعة ينظف المكان ويفرش المصطبة برداء قديم بعد أن يضربها في الهواء ليذهب عنها التراب وربما الحشرات والهوام الصغيرة ، يجلسان ويجلس الأحمر ويشعل النيران وينفخ فيها ليجهز لهما الشاي وبمجرد أن ينهي الدور الأول وينتهيا من احتساء المشروب يواصل العمل فيغسل البراد ويصب الماء ويعيد النفخ في النيران ، يسمع نداء الشافعي فيسرع ملبيا فيشير عليه بالذهاب للبلدة وشراء السجائر له وللشيخ والتبغ له أيضا فيشكره ويبتسم ويحاول أن يصنع له سيجارة من تبغه الذي يلفه بمهارة فائقة فتهتز رأس الشيخ ويوافقه ، في ثوان معدودات يناول لكل منهما سيجارته فيشكراه ويجلس الشيخ حامد أمام النيران لمواصلة عمل الأحمر ، يقفز الأحمر فوق ظهر حماره العاري ويحفزه للمضي سريعا بضرب بطن الحمار بكعبيه وتارة بعصاه وتبدو علي وجهه السعادة البالغة فزيارة الشافعي له تعني مكافأة سخية ، يبادر حامد الشافعي بالحديث ويطالبه بعدم التريث والأسراع بتزويج أبوربيع ويسوق المبررات وفي نفس الوقت يمجد في تاريخ الفتي ويسرد صفاته ومناقبه وفي زهو بلا إنفعال يؤكد الشافعي بأنه يشعر أن الفتي أقرب أبنائه إلي قلبه وفيه يستشعر أمتدادا له ولأسرته ويوافقه الشيخ علي رؤيته ومشاعره ، يقسم الشيخ بأن الفتي مسحورا وأنها ويأخذه الحياء فلا يذكر أسمها فيبتلع الرجل الكلمات ولكن يتمني أن يدور بالحديث لجهة مغايرة فكان له ما أراد فحاول أن يستبعد فكرة الأعمال والسحر التي أصابت أبوربيع استوقفه بل أقسم بالله بأن كل ما حدث نتاج لسحر قوي فعال ، الشيخ يسوق أحاديث الرسول تباعا ويستشهد بآيات القرآن فسرد وقص الكثير وتطرق أليست بلقيس ملكة سبأ أحد أبويها كان جنيا 000ألم يصف الله سبحانه وتعالي الحور العين بأنه لم يطمسهن أنس ولا جان فهذا يؤكد وجود الجان وامكانية الزواج بينهما فقص أساطير متوارثة وعلاقات كانت قائمة بين أنس وجان ، بعد طول مجادلة اتفقا كلاهما أن يطرقا كل الأبواب سواء بسحر أو بعلم أو بأي طريقة ممكنة فيها سلامة الفتي حتي لو وصل الأمر لحفلات زار أو زيارة دير القديسين في الصحراء وأهم الأمور سرعة زواج الفتي ولو تحت ضغوط متباينة من كل من حوله وغالبا سيوافق 0
ملامح الفتي تتغير وكأن مرضا ألم به فيلاحظ في بعض أجزاء قدمه آلاما تصاحبها كدمات زرقاء أو خضراء ولكنها تميل للون الأسود ، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد فتأتيه دوما أحلاما ورؤي غريبة ولا يتفوه بكلمة ويخفي الأثار التي تظهر علي ساقيه ويكتفي بغمرها في المياه الساخنة المذاب فيها الملح الصخري بعيدا عن العيون وقد تأتي بمفعول لحظي فيزول الألم لحظات ويعاوده من جديد ، تتواطئ عيناه مع قلبه فتظل أغلب الليل متيقظة تتأمل سقف الحجرة أو الجدران فيهرب عله يجد ملاذا ومأوئ ، تتكاثر الحكايات في رأسه كما الفطر السام فيهيم في جنونه الخلوي الفسيح مستعيدا جسد الحبيبة وكأنما عيناها تحدقان إليه من جوف الفضاء وتقولان ما لم يسمعه من قبل ، تعاوده شطحاته وتتمطي داخله أفكار الهوس الذاتي فمفروض أن يمتثل الجميع لأمره وليستشعروا بسطوته وقوته وجبروته 000ماذا يفعل وماذا يريد وكيف الوصول فهل يحبها وهل مشاعره هي مشاعر العاشقين 000هو لم يدرك من قبل معني للحب ولم يجرب ما له من سطوة وجمال ، هو مستسلم لاحتلالها فيلتمس في غيابها استدعاء همسها الممزوج بنغمات السحر يبحث عن سعادة مفقودة ، في هروبه تقوده قدماه قريبا من الشاطئ فيري باب بيتها وشعلة النيران المتقدة داخله وداخل البيت وحنين جارف وخرافة الرجولة الكاذبة تنهش جسده فيتمني أن يأخذها عنوة من زوجها فلا يحق لإنسان سواه أن يلمسها ، يرزح تحت عباءة الأوهام وكأنه نسي كل ما فاته في الحياة ، في المرة الأولي ألقي بنفسه في النيل ليغسل الدنس العالق به أما في الثانية فاستشعر بقوة غريبة وساعة عشق يعيش في أتونها – تقسم له بأنه الرجل الوحيد الذي يلمسها – يتذكر ويستغرب أمرها فمنذ عرف الدنيا وهو يراها زوجة لنسيم المراكبي ، يلقي بكل المخاوف جانبا وينطلق للمنزل تصحبه دعوات تتفجر من داخله وآهات مكبوتة فتستقبله وعلي مذبح شهوته يقتلها بيديه وهي مستسلمة لا تبدي مقاومة لفعله ويصرخ معلنا أنه يقتلها حتي لا تلمسها يد إنسان آخر 000يصرخ ويصحو من نومه رافعا يديه الملطخة بالدماء والجميع من حوله والشيخ مرددا آيات القرآن وآخر مؤذنا في أذنيه وكأنه في حالة صرع مخيف ، لم تفلح تلك الجلسة وباءت محاولات الشيخ ومساعدوه بالفشل فالجن الذي سكنه أبي أن يرضخ لدعواتهما واضطروا في نهاية المطاف أن يسعوه ضربا فلم يتحمل الشافعي ما يحدث فطلب إنهاء تلك الجلسة وبسرعة وبعضهم يطالبه بالتريث فإن الجن الذي ركب رأسه كافرا وسيحرقونه أن لم يذعن لأمرهم وفض اجتماعهم بلا نتيجة ، أيام قليلة ولا جديد والرفض قائم لفكرة الزواج وجلسة أخري وهذه المرة قس صديق للأب يجلس مع الفتي ويتبادلا الحديث ويشعل القس النيران ويطلق البخور وتزداد سرعة ترانيمه مع كثافة الدخان المعطر بالبخور ويلتزم الجميع الصمت ويتبادل القس والفتي حديث لكن الصوت ليس صوت الفتي ولكن صوتا غريبا عليهم جميعا فيطالبه بالخروج من جسده فيضحك بصوت غريب فينكمش أغلب الحضور في أماكنهم وبعد طول حوار يذعن لرغبة القس ولكن سيخرج من عينيه فيرفض القس ويطالبه بالأمتثال لأمره ويطول الحديث والجميع صامتون يكتفون بمسح عرقهم من فوق جباههم الباردة رغم حرارة جو الغرفة ، بعد معاناة يوافق علي الخروج بالموضع الذي يأمر به القس فيطالبه بالخروج من ظفر القدم الأيسر وصرخات متتابعات غريبة في بدايتها وفي النهاية يعود صوت الفتي متأوها غائبا عن الوعي وبين الظافر لأصبع القدم اليسري واللحم تنثال قطرات دم داكنة اللون تقترب من السواد ويطلب القس أن يتركونه لينام كما يشاء ولا يخرج من البيت لأسبوع قادم حتي ولادة هلال الشهر القادم 0
أين ذهبت زوجة نسيم المراكبي ؟ أختفت ولم يدر أي إنسان أين ذهبت وأختلفت الأقاصيص فيما بينها فكثير يؤكدون أنها هربت خوفا من انتقام أبناء عمومة الشافعي الذين أقسموا علي الملأ بأنهم سيقتصون ممن وراء مرض قريبهم أيا كان ، النساء يتحاكين عن عشقها للفتي قتلها بيد القس الذي أخرجها من جسده ألم تعشق زوجة العزيز يوسف عليه السلام وباتت كفيفة تلتمس المساعدة في الطرقات وهي إنسانه فمابالك من جنية عاشقة وزادوا في القص بأنها هددت القسيس بأنها تستطيع أن تشعل النيران في البلد كلها لولا خوفها عليه وبسبب حبها الشديد له تركت جسده وهامت في دنيا لا يعلم أحدا مستقر لها ، يقولون المراكبي علم بكل شئ فصمم علي الخلاص منها فقتلها بيديه وفي وسط النيل ربط جسدها بثقل كبير من الأحجار وألقاها ومحا عاره بيديه فهو يمشي بين الناس وكأن شيئا لم يكن ولكنه ترك المنزل الذي يسكنه بجوار الشاطئ وعاد حيث يسكن أهله وأقام في بيت أبيه الذي تركه قديما ، وقليلون يؤكدون أن الشافعي كاد أن يجن لمصاب ابنه وذهب إليها وهو يعلم سرها وأمرها بالرحيل فورا وإلا سيقتلها ولكن ليس بيديه فرحلت ،لم يدرك أحد الحقيقة فيما حدث ، سؤال مطروح من قبل الجميع فوق رأس نسيم المراكبي 000أين زوجتك ؟ وفي هدؤ وبنظرة ثابتة وبلا تردد يذكر 000ذهبت لزيارة أهلها ، ذهبت ولم تذرف الدموع لفراقها أو لموتها ولم يقطع أحدا برأي ثابت ، المعصية تميت القلوب وشدة الخوف تنقلب للحظة شجاعة غريبة بل رعب يولد القلق فيندفع صاحبه لفعل أي شئ ، خرج من البيت فلم يهتم بلباس يرتديه ولم يتحسس جيب صديريه ليتأكد من وجود مسدسه واستقبل تيارات الهواء الرقيقة فلفحته وأحس بعطرها وخدرها فهام علي وجهه واستعان بعصاه ، دفعة صغيرة بيده وانفرج الباب أشعل سيجارة وأشعل المصباح القديم وطاف ببصره بكل الجدران فمازالت رائحتها تملأ المكان فتنفس بعمق ووئيد دمعة كادت ولكن كانت الثانية أسبق فخرجت تفترش وجنته فمحاها بكم جلبابه ، قالوا ماتت ولكن لم يشيروا لمكان دفنها ثم قالوا هربت فإلي أين ؟ غرقت 000يعلم أن كثرة السؤال لاتجدي وأن وراء إختفائها سر لم يعلن ولن وسيموت بموت صاحبه ، أصابع الإتهام الحقيقية تشير عليه وأنه السبب فيشعر بغصة في حلقه وألم ممزوج بندم لفعل أتاه ، يجلس علي مقعد خشبي أمام موقد طيني ويهم باشعال النيران ، تخترق أذنيه استعاذة أبيه من الشيطان الرجيم وبسملته فيهب واقفا ، كلمات قليلة ودعوة للعودة للمنزل في صورة معتادة كأمر صادر بعيدا عن المناقشة فيحاول أن يخرج كلمة ويطلب منه تركه بعض الشئ 000مستحيل أن ينطق بذلك فيذعن ويتحركا ولكن في صمت لا تخترقه سوي زفرات لهوام أو نهيق لحمار وعواء لكلب بعيد عنهما 0
لم يتبق سوي أن تصطف البنات ليختار واحدة منهن كما يقولون قالوا له اختار فإحتار ولم الحيرة فلتكن فتاة من خارج حدود البلد ، استحسن أبوه الفكرة وبدأت العروض واستقر العزم والجميع يشيدون بكرم أصلها ومنبتها وجمالها فلا يضاهيها في الجمال فتاة وإمرأة في المنطقة كلها ، يمتثل لما هو مطلوب فتنفرج الشفاه المزمومة ويصنع الابتسامة فوق وجهه ولكن ألم يخترق فؤاده 0
في ثلاثة أيام بدأت بليلة الحنة التي أسرف الجميع في اظهار فرحهم فرقصات الخيول الأصيلة علي دقات المزمار لا تنتهي واللعب والرقص بالعصا ومباريات التحطيب وآخر الليل لابد من وضع قليل من الحناء في قدم العريس وراحة كفه وتمنع عن الحناء ولكن حديث الشيخ حامد عن أهمية الحناء للكبير والصغير معروفة فيقول أن لوجع الرأس الحجامة وأما وجع الأقدام ففي اختضابها بالحناء الشفاء ،وتراثنا العربي عارف بأهمية الحناء فيقولون لونها ناري محبوب يهيج قوي المحبة ويزيد الشوق لرائحته العطرية وحتي فراعيننا دائما موميائهم مخضبة بالحناء ، لم يختلف اليوم الثاني كثيرا عن ليلة الحنه فالأفراح متصلة وحفلات السمر أخذت من النهار أغلبه ومدت الموائد وذبحت الذبائح وتنافس المقربون والمدعون في استظهار ما يملكون من أسلحة فلم ينقطع اطلاق النيران حتي وصول موكب العروس ورفعها أبوربيع بين يديه ودخل بها لعش زوجيته وزغايد صوتها يتناغم والمزمار وطلقات الرصاص ، مجبر علي تنفيذ تقاليدهم وشرائعهم فخرج بعد وقت قليل وبمجرد أن هل علي الباب انفجر بركان من الطلقات والتهليلات والزغاريد وبعدها خرجت إحدي قريبات العروس وبين يديها قطعة من القماش الأبيض مبللة بدم العروس ، يشير لفض بكارتها دليل شرفها وتتواصل أغاني ” قولوا لأبوها إن كان جعان يتعشي – دم العروسة ساح وملا الفارشه – يركب حصانه وف البلد يتمشي ” واليوم الثالث امتداد للأفراح ففي يوم الصباحية يأتي أهل العروس بما لذ وطاب من طعام وفطائر ونقوط للعريس والعروسة ، استطاع بعد عناء أن يتفاعل مع وقع الأحداث فأنساق في ركب الأفراح شكلا فحسب ودخل علي زوجته وكأنه يثبت لأهله وذويه أنه مازال الرجل الذي يشار إليه وعليه ، كان همه الأكبر محاولة إعادة الثقة لقلب أبيه الذي يبدو من عينيه مدي وكم الهموم التي نالته في أيامه الأخيرة وخاصة أنه السبب الرئيسي فيها ، شوق كبير يعتريه ولكن الغريب أنه لا يشعر بهمس الشوق الذي كان ولا بحرارة اللحظة 0
هل كل النيران سواء ؟ من حيث النوع والشكل فنيران الكشافة ما بين النجمية والهرمية والمتقطعة ومنها نار الصياد وهناك نار الأغريق استخدموها في الحروب وسموها بالنار الرطبة ، النار أحد عناصر الطبيعة الأساسية مثل المادة والماء والهواء فهي تدفئ وتضئ وتعالج أمراضا وآخرون قدسوها وعبدوها ، كانت يوما بردا وسلاما علي سيدنا ابراهيم ، اضرمت النيران في جسده هل بفعل يديه ! ولدت النيران قديما بقوي الإحتكاك وأشعل الكهنة النيران تقربا واستخدمت كقصاص وكثيرون حرقوا شعر رؤوسهم نذرا وبعضهم حرق نفسه وأغلب الهنود يلقون بجثث موتاهم في النيران ولا يشعل اليهود النيران يوم السبت يوم الرب وتختلف ألوان النيران كلما زادت درجة حرارتها ، فالنور المقدس منه تشتعل الشموع والقناديل فهو نور أم نار وتستقبل الطوائف المسيحية ظهور حمامة النور المقدس من قبر المسيح عليه السلام ما بين الصدق والتكذيب ، كثير من الحشرات والهوام تموت عشقا وتنجذب للهيب النيران ، النيران تختلف شكلا ولونا فلماذا 000في أي شئ تشتعل النيران في جسد الإنسان وهل هي غير النيران المعتادة ، يشعلها بفعل يديه أم قلبه أم عقله ووليمة العشق يتنافس حولها كل أعضاء الجسد الواحد فلا يستطيع أحدهم أن يلقي باللوم علي الآخر ، نيران تفصح عن مكنون قلب وفؤاد يرسف في هوي وأغلال محبوبه ولا يتمني اطلاق سراحه أي احتلال ، ما الفرق بين عدو يحتل الأرض ويسفك الدم ويهتك العرض ويشعل النيران 000وعدو يحتل العقل والقلب ويسلب الفؤاد ويجلب السهد ، عدوا ترفع سيفك وتقاتله وعدوا تتجرد من سيفك أمامه وتعلن الاستسلام 000عدوا تقاتله وعدوا تتمني عناقه وكلاهما يشعل النيران 000هل النيران واحدة أم اختلف مسمي كل منها 000هل العشاق أعداء 000هل كل الدموع حزينه 000أكل القبلات عاشقة ولهانة لقد قبل يهوذا المسيح عليه السلام حقدا وضغينة ليدل عليه وليعرفه أعدائه ، اختلطت الأوراق وتناثرت الكلمات وسبح في الملكوت الزهاد فلم يصلوا للحقيقة ولكنهم فرحوا بما نالهم من عذاب في عشقهم ولم يفصحوا عن سرهم واختلط التراب بالرمل وبين ذراتهما شذرات من ذهب تدوسه الأقدام التي لا تجد قوت يومها 0 يحاول أبوربيع أن يعود لسالف أيامه وهو يدرك أن أوراق الشجر المتساقطة بفعل الريح لا تعود للأغصان ثانية ، يقصون عليه ما خفي عن مصابه ويغمزون بين كلماتهم عن ذهاب عقله وما لم تسمعه أذنه من قبل يتصنع الضحك وقبوله بما كان ويحاسب نفسه ويسأل أنا وحلقات ذكر وزار وجلسات لقس وطقوس كثيرا ما كنت أضحك عمن يفعل هذا فيعض ناجذيه ولكنه يتواصل مع محديثيه وكأنه عارف بكل ما يقصونه ويحاول أن يجعل منها أداة للسخرية من نفسه تنعش ذاكرته ، كان عندما يركب فرسه وكأنما الغرور يركب رأسه فكأن مثل طائرا يطير قريبا من السحاب واليوم لا تستجيب نفسه لأحلام الأمس المجنحة فأفلت وسقطت ، أحس بأنه مجرد إنسان لا يفرق كثيرا عن الأخرين بل أحيانا كثيرة يداخله شعور بأنه أقلهم شأنا ، يتمني أن يمرغ خديه في التراب ، يسجد لله صاغرا منيبا ويخاف ولكنه لا يتظاهر بالخوف ويتمني البكاء ولكن مازالت سطوة وسلطان رجولته تأبي فلا تسقط الدموع ، لا يتردد علي جلسات أقرانه كثيرا فهي مرة أو تكاد في الأسبوع ووجد عذره المطروح بسبب زواجه فلم يحفل بنداءتهم المتكررة ودعواتهم ، استطاع الفرار من صحبتهم فكيف المفر من زوجته فعليه أن يبدو محبته لها رغم أنه ليس بحاجة إليها فيدفع بنفسه دفعا لفعل يتمناه وتسعي إليه غرائزه ، لا يشعر باللحظة اللذة في الفعل وإنما واجب يقتضيه الدين والعرف ، مقارنات تتابع فزوجته جمالها مضرب الأمثال وهذه حقيقة لا يختلف عليها أحد فغضة بضة والشعر الأسود المنسدل علي كتفيها كما الليل وشفاهها الممتلئة الحمراء بلا أصباغ وضحكتها الرائقة كماء زلال وتواكب الضحكة ظهور أسنان بيضاء كلؤلؤ منثور وبريق صافي من عين يختال الكحل فوقها فرحا بمكانته ، وكلمات تنساب كخرير ماء في جدول صخري فلا شوائب محملة ونغمة محلاه بصوت رخيم سبحان المبدع المصور حصلت علي شهادة الثانوية ولكن لم تكمل تعليمها ، عذراء في عناقها صامتة تبتلع آهاتها في حياء وكأنه عيب تبوح به ومقارنات بين صمت الزوجة وهوس آهات العشق القديم ، نبض يقتفي أثره قلب العاشق فيذوبا معا ونبض تمتص سكرته فلا ينفث ريح الهوي المشبع بعطر اللقاء ، للمرأة عطر ينبثق من كل أجزاء جسدها يدركه القليل من الرجال وتعرف منابته أقل القليل من النساء ، لا تتحرك الجوارح كما كانت ولا تتنافس الأنامل والشفاه ولا يذوب كلاهما فيصبح واحدا ، حاول مجددا فلم يفلح وأغمض عينيه وحاول أن يتوه فوجد مقامه لم يتغير ، نغمات ناي قديم يهتز لها الوجدان وألة موسيقية حديثة تخرج منها مئات النغمات فلا تتناغم و ضوضاء تتناثر في أذن سكير يلهو في قاعة رقص ، تتوالي الأيام ولا حدث يخرجه من حيز الذكري وتتواصل الذكريات ولحظات تسوقها ذاكرته وتعلن بلا مواربة بأنه السبب الرئيسي في قتلها أو هجرتها أن كانت حقيقة هاجرت ويستبعد عقله تماما فكرة أنها جنية وليست من بني البشر لا يستطيع نسيان أي لمحة من لمحاتها وخلجاتها ، أخيرا يأتي الفرج في استدعائه للخدمة العسكرية ولأول مرة منذ شهور تشرق في نفسه الآمال ويطفح البشر فوق وجهه فيعد عدته ويعزم أمره فلن يصير أسير موضع الذكريات ، ينفرج الباب لدنيا جديدة عليه فيلج فاتحا ذراعيه وعقله وقلبه لكل ما هو جديد وتنبثق أفكار وتتوالد أماني ، صحبة جديدة ورفاق لا علاقة لهم ببعض سوي القدوم لتلك الساحة ولهذا الميدان دفاعا عن الوطن ومنهم من يلعن حظه ومنهم مستسلم لقدره وأكثرهم تأخذه العزة ويدفعه الإيمان بالقضية فيتمني الموت والشهادة وأبوربيع يجد فيه الملاذ والهروب 0
جميعهم ينظرون صوب الجانب الآخر من القناة ، أحلامهم كيف يعبرون إليه وكيف ينقضون ويسترجعون أرضهم وعرضهم ، أقاموا الصلاة وتفننوا في كيفية قضاء ساعات الراحة في المساء الطويل الصامت الحزين ، طوال النهار تدريبات كثيفة واستعدادات لغد وحرب لا يدرك أحد ميقاتها وفي العيون تتربع العزيمة والاصرار انتظارا ، علي الجانب الآخر ترفرف أعلام العدو وكأنها تطلق جناحيها عبر آفاق الفضاء معلنة توهجها وسعادتها لانتصارها الغريب وينطلق جنودها فيسبحون في مياه القناة في مرح تتعقبه عيون الرجال وتمتص طعمه المر قسرا وغصبا ولا مفر ولا قرار بحرب ، المجهول يكاد يدفعهم للجنون وتأتيهم القرارات تباعا وأن غدا لناظره قريب ، تشهد الحكايات الفرعونية أن أول نكتة سياسية مدونة في التاريخ الإنساني فرعونية المهد 000لم يجد الفرعون شيئا يصطاده فألقي بأوامره بأن يلقون مصريا في النيل ويتركونه ليغرق ويقوم باصطياده من قاع النهر ، ويقول سيجموند فرويد أن النكتة وسيلة نفسية ودفاعية لتفادي الشعور بالألم ، تتآلف القلوب وتتشابك الحكايات وأبوربيع يرصد الأوضاع الجديدة والأفاق حوله فدنيا بعيدة عن دنياه فيشارك في حديث قليل ويضحك ويحاول أن يتعرف علي من حوله فجابر ومصطفي أبناء مدينة القاهرة الكبري وكأنهما طرفي نقيض كل له عالمه ، جابر أحاديث لا تنتهي في الحب والعشق والشعر فإن تحدث انصتوا وإن صمت دعوه من جديد للحديث من قريحته يخرج كل يوم بجديد وكأنه يملك الدنيا ولا تملكه وكثيرا ما يؤدي حكاياته بأسلوب تمثيلي يقترب من الفكاهة ، مصطفي أو الشيخ كما يحبون ندائه ويستجيب فؤاده لهذا اللقب فضحكته مهما زادت كانت ابتسامة ، إمامهم في الصلاة ومستشارهم في فتوي يعقبها دائما بالعلم عند الله فلا يدعي علما وكثيرا ما يلهج لسانه بقراءة القرآن ونوادره لا تنسي ، في مجلسهم دائما يتربع علي الأفئدة عبدالجواد فهو دائما شعلة نشاط لا يتوان في خدمة أو عمل يطلب منه رغم أنه أكبرهم سنا ورتبته من حيث الأقدمية رئيسا عليهم وعاصر واشترك في حرب النكسة ولكنه عاشق لعبدالناصر وثوريته ، صمت لا يقطعه سوي رشفات الشاي ولكن يبدو أن عبدالجواد ليس في حالته المعتادة فكيف يصمت 000 فقام جابر من فوره وبعد أن أنهي شرب الشاي في صوت مسموع ألقي بالكوب وكأنه سكير متوجها بحديثه لعبدالجواد وهو يترنح ” الريس عايز يطمئن علي حال الناس في البلد فتخفي وخرج للشارع فقابله أحدهم فسأله فيم يشتغل فأجابه بأنه موظفا فعاد وسأله هل يكفيك مرتبك فبكي الموظف قائلا حتي اليوم العاشر من الشهر فقط فأستغرب الريس وكيف تقضي باقي الشهر فقال له المواطن بالستر يا أخي في اليوم التالي أصدر الريس000اليوم نعلن تأميم الستر “يضحكون ويخرج عبدالجواد من صمته وبلكنة يحبون استماعها 000يا ابني يكفي أن تعرف أن الرئيس الفرنسي شارل ديجول قال أن المعركة أمريكية والأداء إسرائيلي وبن جوريون نفسه يعرف قيمة ناصر وردد أنه كان لليهود عدوين في التاريخ القديم فرعون وهتلر في العصر الحديث ولكن عبدالناصر فاق الاثنين معا في عداوته 000رغم حرارة الحديث فلم يخلو من مداعبات جابر الذي وكز أبوربيع بكلمة أبو العمدة 000بدون فرض عقوبات وحرمان من الفطائر والمحمرات التي تأتينا بها والإعتذار مقدما لكل العمد في بلدنا والبلاد المجاورة لبلدنا 000″ كان يا ما كان في سالف العصر والآوان بلد فقير غلبان مش لاقي اللضا وفيه راجل ربنا رازقه رزق ما لوش أول من أخر والغني أياه كان عنده كلب مدلعه آخر دلع ومنجهه آخر منجهه وأكله كباب صافي ولو الكلب عطس بسرعه ييجي الدكتور وبنفسه يشوف علاجه 000هب تعب الكلب ومات 000كل ناس البلد الغلابه فرحوا في الراجل الغني 000الراجل عرف أنهم فرحوا في حبيبه قرر يعمل له مآتم كبير وعمل سرادق كبير للعزاء وجت ناس كتير تعزيه 000الغلابه زاد ضيقهم وراحوا لعمدة البلد وشكوا حالهم واللي حاصل من الغني والعمدة هوه كمان متضايق ولاقاها فرصة ولا هو الكسلان خد توبه ف أسنانه وعلي الراجل الغني 000من غير أحم ولا دستور ناس البلد متضايقه م اللي حصل والكلب اتعمل له معزي كبير قوي 000ضحك الراجل وقال له شوف يا عمده 000الكلب دا أصيل ومتأصل وكان له ف رقبتي قرشين وحملني أمانه أنه يوم ما يموت أقسم القرشين نص أعمل له بيهم عزا والنص التاني لسيادتك 000والعمده وقبل ما يخلص الراجل كلامه 000بكي وقال حقيقي كلب أصيل 000الله يرحمه ” ، أيام تمضي ورغم كل ما فيها من جهد متواصل وتدريبات شاقة أبوربيع يسترد فصاحته وقدراته واعتزازه بنفسه ويعلن عن ملامحه الشخصية الراقية في أكثر من حدث بين زملاء الطريق الجدد 0 ليلة تركت أثارها في نفوس جميع الجنود فكان ضرب وتدمير المدمرة ايلات حدثا أعاد الثقة في نفوس الجميع وأكثرهم تأثرا عبدالجواد الذي كثيرا ما يقص ويحكي عما حدث له بعد عودتهم من المعركة وعبروا القناة وتمركزوا من جديد في مدينة الإسماعيلية وكيف استقبلهم الأهالي وكم الحزن فوق الوجوه ، أيام قليلة ويواصل العدو مهاجمته للمدينة في يوم واحد يضرب أكثر من قطار متحرك من وإلي المدينة وتتناثر الجثث في الطرقات وتتهاوي منازل وتصنع القنابل والصواريخ حفرا في الشوارع فلم يعد هناك طريقا محددا ، يتذكر الموعد جيدا فيقول يوم المذبحة يوم السابع عشر من شهر يوليو ، احترق البشر وخرج الناس للشوارع هربا ورعبا حاصرتهم النيران حتي النساء خرجن بملابس النوم 000أطفال وشيوخ وعجائز 000صرخات وأهات بشر وحيوانات وليل تلون بالدماء ودانات تتساقط وتنير ويشتعل الليل وتصدر من قلبه آهات متتابعات وتمتلئ عيناه بالدموع 000يعاود العدو ضرباته في همجية تعكس حقيقته وفكره وتؤكد لماذا تجنب العالم كله وجودهم بين أهله وكما يحكي التاريخ من قصص وحكايات حتي في الروايات 000وصفهم أغلب الأدباء والمفكرين بصفات لا تنتمي للبشر بصلة ففي سبيل الحصول علي المال تسقط كل المبادئ والقيم فلا تخلو روائع شكسبير من التلويح علانية بصفة اليهودي الذي يتاجر بكل شئ ولو بشرفه فلا يعيشون إلا في تجمعات خاصة بهم وكأنهم متفردون عن باقي البشر ونظرتهم العلوية لكل البشر فالجميع دونهم ،

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.