طوراق الليل محمود عبد العال


طوراق الليل

محمود عبد العال

تلك القرية التي تبدو ببيوتها الطينية كعجوز جالسة على شاطئ النيل، اذا ما قورنت بالقرى المجاورة التي طالتها يد المدنية. فبمجرد أن تلقي السماء سترها حاجبة ضوء الشمس ، تنقطع الخطوات في الطرقات إلا من بعض الرجال العائدون إلى بيوتهم من صلاة العشاء، آملين في ليلة أخرى دافئة ، بعد عناء الفلاحة بالأرض طيلة النهار، وما هي إلا لحظات قليلة حتى تعود الطرقات الى صمتها المطبق، فتغرق القرية في ظلام لا يشذ عن سواده إلا لمعان بعض النجوم ، زاد عليه في تلك الليلة ضوء ضعيف في ذلك البيت على أطراف القرية. وقف أمام المدخل عماد مودعا عمه ، بعد يومان قضاهما في ضيافته للإطمئنان على صحته.
دقائق معدودة وكان في سيارته مغادرا القرية ، قاصدا الطريق السريع ولكن قبل أن يبلغه ، تباطئت سرعة السيارة واهتزت بعنف، قبل أن تتوقف في تلك البقعة المقفرة من الطريق الذى يطل على ترعة أوشكت أن تجف، بينما تحفه من الجانب الأخر أشجار ضخمة، خلفها أراضٍ زراعية تدثرت بظلمة الليل فبدت معتمة للغاية، نظر حوله في كافه الإتجاهات ليطمئن من أنه لا وجود لقطاع الطرق الذين لطالما كانوا مصدر رعبه الأكبر أثناء سفره إلى الصعيد ، ثمترجل من السيارة بعدما تأكد من أن المكان آمن.
فتح غطاء المحرك ليهب منه دخان أبيض، عرف منه أن توقف السيارة لم يكن أبدا نتيجه نفاذ الوقود كما اعتقد ، ففي الاغلب هو تلف في بعض أجزاء المحرك ، نظر حوله باحثا عمن يساعده في الخروج من ورطته، فلم يرى إلا ظلاما بدد بعضه ضوء سيارته المنعكس على البقيه الباقيه من ماء الترعة .
مر نحوا من الساعه قضاها محاولا الإتصال بعمه الذي كان يزوره ،ولكن هيهات .. إذ أن هاتفه لا يلتقط أية إشاره في هذا المكان المقفر، قبل أن ينطفئ تماما معلنا فراغ بطاريته، كاد أن يطلق سبة يعبر بها عن غضبه إلا أنه سمع صوت سيارة على الضفة الأخرى من الترعة، ثم رآها تقترب فأشار للسائق الذي توقف بمجرد أن رآه ، اقترب من حافة الترعة قائلا:
– معذره فقد تعطلت السيارة، هل يمكن أن تساعدني؟ نظر الرجل يمنة ويسرة باحثا عن جسر يعبر من خلاله إليه ولكنه لم يجد فقال بأسف:
– كنت أرغب في مساعدتك ولكن لا يمكنني العبورإليك كما ترى.
– ألا يوجد ميكانيكيا بالقرب ؟
– لا يوجد إلا في القريه المجاورة، يمكنك أن تغلق السيارة جيدا ، ثم اذهب إلى محطه القطار بعد مائتي متر واستقل القطار إلى المحطة التالية، ستجد بيته بجوار رصيف المحطة .
قالها الرجل واستقل سيارته في أسف ، وابتعد بها بينما يتابعه عماد بإحباط شديد ، وبعدما أختفي تماما ، قام بإحكام إغلاق سيارته واعتزم الذهاب إلى المحطة.
ظل سائرا بجوار الترعة ، بينما يشق وقع خطواته على الأعشاب الجافة سكون الليل، معكرا صفو بعض الضفادع التي عليَّ نقيقها اعتراضا على هذه الضوضاء، وكان لبرودة الجو أثرها في تباطئ خطاه.
من بعيد لمح حمارا شاردا، يسير مطأطِئًا رأسه كأنما يبحث في الأرض عن شيء ما ، اقترب منه عازمًا أن يمتطيه حتى محطة القطار ، وبالتأكيد سيعرف الحمار طريقه للعودة إلى مكانه .
ما إن استقر فوق ظهره ، حتى شعر وكأن الحمار يزيد ارتفاعه عن الأرض ببطء ، فأوجل وأراد النزول عنه ، ولكنه شعر كأنه مقيد بأغلال إلى ظهر الحمار ، بينما عاد الأخير إلى ارتفاعه الطبيعي، حاول أن ينزل مرة أخرى ولكن الحمار أحدث جلبة بقوائمه الخلفية ، وانطلق مخترقا الأراضي الزراعية المظلمة ، كأنما تطارده الشياطين، كل هذا وعماد يصرخ مستنجدا بمن يغيثه، ويحاول النزول من فوق ظهر الحمار ولكن بلا جدوى.
بعد أن أوغل في ظلام الأراضي الزراعية نحو مائة متر ، توقف الحمار فجأة ، وقفز بقوائمه الخلفية ملقيا عماد على الأرض ، ليسقط على وجهه في التراب بين زراعات القصب التى مزقت ثيابه وأدمته في بعض أجزاء جسده .
اعتدل نافضًا التراب عن وجهه وثيابه وهو يسب الحمار ، قبل أن تتوقف الكلمات في حلقه عندما نظر حوله ولم يراه وكأنما تبخر .
كان قلبه يدق وكأنما أصابه الجنون فأوشك أن يمزق شرايينه ، بينما اتسعت عيناه من فرط الإثارة حتى كادتا أن تخرجان من محجريهما ، إختلط عرقه ودماؤه بالتراب الذى كان مفترشه منذ لحظات ، فبدأ وكأنه ميت خرج من قبره ليعيث في الارض فسادا قبل أن يعود لقبره ثانية .
بصعوبة أخذ يسترجع بعض آيات القرآن ، لعلها تهديء من روعه قليلا ، بينما يتذكر صوت عمه وهو يلح عليه في تأجيل سفره للصباح خوفا عليه من طوارق الليل.
لحظات واستعاد رباطة جأشه ، فنظر حوله ليرى ضوءا قريبا للغاية، فتعجب كيف لم يلحظه من قبل ، اقترب منه ليجده ضوء محطة القطار، وكأن الحمار الملعون إختصر الطريق إلى محطة القطار عبر الأراضي المظلمة .
وصل لرصيف المحطة التي تبدو مهجورة لولا ذلك العجوز الذى يجلس في كابينة متابعة حركة القطارات بعد انتهاء الرصيف، فجلس في اقرب مقعد منه التماسا للأنس به.
لاحظ نظرات العجوز الغريبة فصرف وجهه إلى الجانب الأخر حتى لا تلتقى عيناهما، إلى أن سمع صافرة القطارالذي يقترب من رصيف المحطة ، فقام ينتظر وقوفه ، بينما لاحت منه نظرة إلى العجوز الذى لايزال ناظرا إليه .
بمجرد أن خطت قدمه في عربة القطار ، صدمته رائحة عطن نفاذة فتجاهلها، وقال لنفسه هو على كل حال قطار داخل المدينة وقد لا يهتم احد بنظافته.
كانت إضاءة القطار خافتة للغاية بل وتتلاعب ببطء فأضفت ظلالا كئيبة متراقصة على كل شيء ، اكتظت المقاعد بالركاب على خلاف ما توقع في ذلك الوقت المتأخر من الليل .
جلس على أول مقعد وجده فارغا في مواجهة امرأة ترضع صغيرها، كان الجو مشبعا بدخان السجائر مختلطا برائحة العطن ، التي لم يعرف مصدرها حتى الأن .
بمجرد أن استقر في جلسته أخذ يسترجع ما حدث معه منذ أن تعطلت سيارته ، وهو يتذكر شعوره بينما يعلو ارتفاع الحمار عن الأرض ، بالتأكيد لم يكن هذا الكائن حمارا ، ربما هو أحد طوارق الليل التي حذره عمه منها ، ثم ذلك العجوز ونظراته الغريبة ، ترى هل هو شخص حقيقى ، أم لعله من طوارق الليل هو الاخر.
ومع الظلال المتراقصة والجو الخانق، واستغراقه في التفكير ، أخذته سنة من النوم ، رأى نفسه فيها يجرى فارًا من شيء مجهول، ثم يقفز في مياه الترعة الضحلة ، التي ما أن اصطدم بقعرها حتي استيقظ فزعا ناظرا فيمن حوله .
نظر إلى المرأة في المقعد المواجه له والتي ترضع صغيرها، كانت صامتة تنظر للصغير ولا ترفع بصرها عنه ، لاحظ قطرات تسقط على جبين الصبى فاعتقد أنها عرقا أوشابه، ولكن الأمر العجيب الذي انتبه له أن هذا الصغير لا يتحرك نهائيا ولا يستجيب لتلك القطرات الساقطة على وجهه ، وقد استحال لون بشرته إلى الزرقة التى تميز الجثث، فنظر إلى أمه التي كان غاضا لبصره عنها ، ليفاجئه جرح قطعي نازف في رقبتها ، هو مصدر القطرات التي منعه ضعف الإضاءة من تبين لونها الأحمر، اسقط في يده وقام فزعا ، فحانت منه نظرة إلى الجالسين على المقعد المقابل وقد تعالى غطيطهم ، ليرى انهم جميعا يملكون هذا الجرح القطعى ، كان جميع من في القطار مذبوحون بنفس الطريقة .
ركض نحو باب عربة القطار ، و من حسن طالعه أن القطار قد وصل إلى محطته التالية فهدأ من سرعته، لم ينتظر حتى يتوقف وقفز من الباب، وألقى بجسده على أول مقعد قابله ، وبعد أن هدأت انفاسه المضطربة نظر حوله ، وكانت المفاجأة أن يجد نفسه في نفس محطة ركوبه، والقطار قد أختفى تماما، بينما يضرب عامل الكابينة العجوز كفا بكف وهوينظر إلى خيط الماء الدافئ الذى تسرب من بنطال عماد ، قبل أن يقترب ويجلس إلى جواره ، ويسأله :
– ما بك يابني ، آراك تجلس شاردا منذ ثلاث ساعات دون حراك .
نظر له عماد مغمغما بتعجب :
– ثلاث ساعات .. دون حراك !!
– نعم ، ثلاث ساعات أتابعك من الكابينة ، وأنت ثابت في مكانك، ولكن عندما رأيتك تفعل هذا ، قررت أن اقترب لأرى ما بك .
قال العجوز جملته الأخيرة وهو يشير إلى الماء الذى لوث الأرض تحت عماد .
غمغم عماد دون أن يستفيق من صدمته قائلا :
– ولكن الأمر لم يستغرق أكثر من نصف ساعة !!
ربت العجوز على كتفه وقال بود :
– احك لي يا بني ماذا بك ؟!
شرد عماد لحظة ثم شرع يروي للعجوز ما حدث منذ أن غادر بيت عمه، وبعد أن فرغ من حديثه هز العجوز رأسه وهو يقول مبتسما :
– إذا فقد قابلتهم .
– من هم ؟
– إنهم طوارق الليل ، ركاب القطار .
هز عماد رأسه في غير فهم فأكمل العجوز :
– منذ خمس وثلاثون عاما كانت هذه المحطة تعمل كمحطة رسمية لهذا المركز من مراكز محافظة قنا، لم يكن الأمن مستتبا كهذه الايام ، ولم تكن الكهرباء قد انتشرت بنفس قوتها الأن.
بين الحين والأخر كانت عصابات الجبل تنزل وتهاجم القطارات التى تقف في المحطة ، كانوا يسرقون منهم أشيائهم ، لا يفعلون غير ذلك ، ولكن في مرة من المرات، كان بالقطار شبابا في رحلة لإحدى الجامعات ، كان القطار قادما من الأقصر، أبى هؤلاء الشباب أن يعطوا أموالهم لرجال الجبل ، وحدثت معركة في قلب القطار ، قتلهم خلالها رجال الجبل، ثم وكأنهم أصابتهم لوثة ، أو أنها لعنة الدماء ،
أعملوا أسلحتهم في ركاب القطار ذبحا ، حتى أفنوهم جميعا ، بل وقتلوا العامل المسكين الذي كان يجلس في كابينة المراقبة وقتها دون ذنب ،على الرغم من توسلاته بأن يرحموا شيبته ويتركوه لأولاده ، ومن يومها تم نقل المحطة الرسمية بعيدا عن الجبل وأصبحت هذه مهجورة، وظلت أرواح قتلى القطار معذبة ، تظهر في كل ليلة في نفس الوقت .
عند هذا الحد غمغم عماد الذي كان ينظر إلى الكابينة قائلا :
– إذا لماذا تجلس أنت هنا ، وكيف عرفت كل هذا ؟
ثم التفت ناظرا الى العجوز فلم يرى أحدا حوله !!
فجأة سمع صوت القطار مرة أخرى ، ورأه يتوقف على الرصيف .
بينما يطل ركابه من نوافذه وينظرون له بترقب .
– هل كنت تبحث عني ؟
التفت ليرى العجوز واقفا خلفه ، مقتربا بوجهه حتى كادت أن تلتصق انفيهما بينما رقبته تنزف من جرح قطعي قاتل ، وقبل أن يقول العجوز أي شيء.. أظلمت الدنيا تماما .

بعد عدة ساعات ، ومع أول ضوء في النهار ، شاب يجر خلفه بقرتين ، مارا بهما فوق رصيف المحطة المهجورة ، حتى اقترب من موضع عماد الذى كان جالسا على أحد المقاعد ، وقد ثنيَّ جزعه ناظرا للخلف ، بينماغاب من عينيه بريق الحياة ، وما أن رآه حتى نادى رجلا خلفه قائلا :
– قتيل أخر يا أبى ، ويجلس على نفس الوضع الذى كان عليه من سبقه.
اقترب أبوه من جثة عماد يتفحصها محوقلا ، ثم نظر إلى الكابينة التي تقبع كالكابوس في أخر رصيف المحطة مغمغا بحسرة و ألم :
– ألم تكتفى بعد ؟
———————–تمت——————————-

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.