(النقدُ بينَ المَولِجِ والمخرجِ) بقلم الكاتب و الناقد محمد حمدي الشعار


النقدُ بينَالمولجِ و المخرج

مالا خلافَ بينَ عاقِلَيْنِ عليهِ أنَّ الناقدَ حينَ يَعرِضُ لنقدِ أثرٍ ما لا يستطيعُ حيالَه الجمعَ بينَ كلٌِ المناهجِ والنظرياتِ النقديةِ المُعينةِ علىٰ فهمِ النصِّ والكاشفةِ لكلِّ مكنوناتِه للوصولِ به إلىٰ الغايةِ المنشودةِ من نقدِه علىٰ جهةِ الكمالِ – إلّا في اعتقادٍ خاطئٍ- ولذا فإنّنا حينَ ننسلخُ عن الدنيا للأخذِ في نَظرِ أحدِ الآثارِ الأدبيةِ أو اللغويةِ فإننا ننسلخُ عنها وعن الناسِ طلبًا لبلوغِ أقصىٰ غايةٍ يمكنُ بلوغُها في تحديدِ مساراتِ النصِّ التاريخيةِ، والنفسيةِ، والاجتماعيةِ، والسياسيةِ وَفقَ ما تيسَّرَ لنا وقتئذٍ من مستلهماتِ المناهجِ المسخَّرةِ لخدمةِ ذلك، والنظرياتِ المعوَّلِ عليها في بلوغِه لوضعِ النصِّ جنبًا إلىٰ جنبٍ مع نصوصٍ أُخرىٰ لها به قريبُ أو بعيدُ تعلُّقٍ ليختطَّ طريقَه التاريخيَّ بينَ نظائرِه من النصوصِ المماثلةِ، ومن هنا تأتَّىٰ لكلِّ ناقدٍ أنْ ينظرَ للنصِّ نفسِه الذي سبقَه إلىٰ بحثِه ونقدِه خلقٌ كثيرونَ من زاويتِه التي اختصَّها بالنظرِ بُغيةَ الوصولِ إلىٰ غايةٍ جديدةٍ تُلمِحُ إلىٰ مظهرٍ لم يُبِنْ عنه السابقونَ؛ فيُجنِّدُ خبراتِه النقديةَ وآلاتِه اللغويةَ ويجمعُ بينَ المدارسِ، والنظرياتِ، والمناهجِ التي تُعبِّدُ له المسلكَ لذلك، وهو حينئذٍ علىٰ وعيٍ تامٍّ بما يَمِيزُ (المدرسةَ النقديةَ) عن مفهومِ (النظريةِ) عن (المنهجِ) الوظَّفِ في هذا..! وقد أَبَنْتُ في مقالٍ سابقٍ مائزَ الفرقِ بينَ كلٍّ من (المنهجِ، والنظريةِ) من وجهٍ واحدٍ، وها أنا ذا أعيدُ الكرَّةَ بالكلامِ عليهما من كلِّ وجهٍ، ولا أراكَ قارئي الكريمُ ستقعُ علىٰ تلك المُمايزاتِ علىٰ التّراتُبِ في سِفْرٍ يجمعُها علىٰ هذا النحوِ:
** المدرسةُ:
تنشأُ نتيجةَ طرحٍ عامٍّ برزَ معَ اجتهاداتٍ أُخرىٰ في الإطارِ نفسِه اجتمعَ أصحابُها علىٰ فكرةٍ أُحاديَّةٍ تتبنَّىٰ منهجاً محدّدًا يسيرُ وفقًا لعدَّةِ نظرياتٍ منبسقةٍ منها .
فاللسانياتُ مدرسةٌ حديثةٌ انشقَّ عنها فيما بعدُ ما يُسمّىٰ بتقويضِ النصِّ أو عزلِه (البنيويةِ) .
وما يُنعتُ بمنهجِ انفتاحِ النصِّ وتعليقِه بغيرِه (التفكيكيةُ) وما يعهدُ البحثَ في خفايا المعاني ومُرمَّزِها (السيميائية) .
** المنهجُ:
وهو مختارٌ وفْقًا لأفكارِ المدرسةِ التي ينتمي إليه الناقدُ والتي يُمثِّلُ آراءَها ويتمثَّلُ أفكارَها، ويتعرَّفُ اصطلاحًا علىٰ أنَّه:
« الطريقُ الذي يسلكُه الناقدُ والطريقةُ التي يتَّبُعُها في نقدِه للوصولِ إلىٰ غاياتِه المأمولةِ من نقدِه للأثرِ الذي يَعرِضُ له؛ بما يتوافقُ معَ ما يعتنقُه من مذاهبَ (فكر نقدية) بُعدَّةٍ معلومةٍ وآلةٍ مُتَّفقٍ عليها مُسبقًا في أفرادِ فئةِ هذا الفنِّ أو ذلك العلمِ »
** تقسيمُ المناهجِ:
وتنقسمُ المناهجُ الموظّفةُ في بحثِ مادَّةٍ ما من موادِّ الأدبِ بدورِها إلىٰ :
١- مناهجَ نقديةٍ: وتُصنَّفُ إلىٰ مناهجَ (نسقيةٍ) و مناهجَ (سياقيةٍ)
٢- مناهجَ بحثيةٍ:
وهي مناهجُ تابعةٌ للأصولِ المنهجيةِ التي تُعدُّ دستورًا في عِلمِها أو فنِّها لا غنىٰ بأحدِهما عن الآخرِ، فبالمناهجِ النقديةِ والبحثيةِ يقعُ التكاملُ، وعلىٰ ذلك فإنَّ المنهجَ البحثيَّ هو طريقةُ التعاملِ مع النصِّ بحثياً ممثّلًا في:
(الوصفي، والاستقرائي، والتحليلي، والتفسيري…إلخ)
** النظريةُ:
« هي رؤيةٌ نقديةٌ خاصةٌ فرعيةٌ تتبنَّاها مدرسةٌ ما؛ فتندرجُ تحتَ منهجِها النقديِّ » وليست ترقىٰ النظريةُ إلىٰ عدِّها منهجًا متكاملًا إلا حينَ تلقىٰ التوافقَ بينَ عامَّةِ النَّقَدَةِ حينَ تكتملُ آلاتُها الإجرائيةُ .
وبعضُ ما اصطلحَ عليه النقَّادُ باسمِ (المدرسةِ) اصطلحَ عليه آخرون باسمِ (المنهجِ) لدقَّةِ الفارقِ بينهما ورِقَّتِه گ/ الحداثةِ، وما بعد الحداثةِ، والأَولىٰ في الأخذِ به اعتبارُ (الحداثةِ) وما بعدها مدرستينِ تُعالجُ نصوصُ الأدبِ نقديّاً من خلالِهما بمناهجَ تندرجُ تحتَهما – مع تحفُّظي علىٰ ذلك أيضًا – فهما ليستا بشئٍ يُذكرُ ألبتَّة ..!

محمد حمدي الشعار

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.