حنين….الكاتبة إيمان صلاح


حنين

أنا حنين ،غارقةٌ في اسمي الآن حد الثمالة ، ولا أدرك هل بالفعل يحمل المرء من صفات لقبه شيئًا؟!
كنتُ بالسابق فتاة فولاذية ، لا تعترف بأي شيء غير الجدية والعمل ، قاطبة جبيني عندما لا يعجبني شيئا على الإطلاق ،أقطن ببيت كبير في إحدي شوارع باريس وحدي ، لا أحد يستطيع أن يخترقَ عالمي ، فقد قررت العزلة ،أعمل بشركة للترجمة والأبحاث ،فأنا أتقن اللغة الفرنسية ، والانجيلزية ، والعربية بشكل جيد ومتفوق، والدي رجل شرقي ، تزوج من أمي الفرنسية الأصل وعاش معها ، ولكن بعدما أنجبتني ، رحل عن باريس بلا عودة، وكانت لا تعرف له عنوانا ولا سببًا لرحيله على حد قولها .
عاشت أمي حتى العقد الخامس من عمرها ، ثم غادرتني لأحيا وحدي فى منزلي هذا ،لم يكن فى بالي بعد موت أمي، أو أثناء حياتها أن أبحث عن أبي مطلقًا ،فمن ذهب عني بإرادته ، لن أبحث عنه بإرادتي ،هكذا علمتنى أمى ، والحياة.
ولكنني لا أعلم لماذا أحببتُ اسمي- حنين- ، والذي أَصَرَّ والدي على تسميتي به ،هل كان حبي له بسبب اختلافه عن أسماء الجميع فى الشركة ؟! ،فالكل يعشق فى اسمي الاختلاف عنهم.
ولا أعرف أيضا لماذا قررتُ أن أتعلم اللغة العربية ، فهل أشعر أن ثمة يوم سيأتى وأرى والدي ، إن كان مازال على قيد الحياة ،وأحدثه بلغته
لا ، لا أريد رؤيته .
ربما قررت تعلم العربية لأن لدي أصدقاء عرب أتحدث إليهم على الإنترنت ،
ولماذا لي أصدقاء عرب بالأساس ، لماذا أحاول أن أبحث وراء أصل أبي دون شعور؟!.
ظلت تلك الأسئلة تجوب فى رأسي عدة سنوات ، حتى جاء ذلك اليوم ، عندما استيقظت فى الصباح ، وكعادتي أحضرت كوباَ من النسكافيه الساخن ،وذهبت نحو حاسوبي لأتصفح الإنترنت ،والايميل الخاص بى، عندما وجدت رسالة من الشاب الذى تعرفت عليه ، ويدعى حسن ، يعيش فى الشرق وبالتحديد فى مصر ، كنت على وعد معه بأننى سأزور مصر قريبًا ، فدائمًا لدى شعورغريب نحو حسن ،ومصر، وكل شىء قاله لي عن البلد ،كنا نضحك كثيرًا عندما نتذكر أن أول حرف من اسمي ، هو أيضًا أول حرف من اسمه، وبهما تجانس ونغمة واحدة ، أما هو فيحاول دائمًا الدخول إلى حياتى ، لاسيما عندما علم أن نصفي مصري والآخر فرنسى.
:”هاى عزيزتى حنين
، أين أنتِ ؟ “
:”هنا يا عزيزى حسن ،ولكننى فى انشغال دائم بالترجمة “
“تذكرى أنكِ على وعد أن تأتى فى عطلتكِ إلى القاهرة “.
:” نعم، أتذكر ذلك جيدًا، فأنا أريد أن أقضي أجازتي القادمة عندكم ،فإننى أعرف المناطق السياحية لديكم وجمالها من الصور وأريد رؤيتها على الطبيعة”.
لا أعلم فى الحقيقة لماذا أريد الذهاب إلى هناك ؟ وما هذه العاطفة التي تنتابني وتذهب بي نحو الشرق؟
جاءت العطلة ،وكنتُ على استعداد تام للذهاب ، فحجزت في الطائرة المغادرة إلى القاهرة، واتفقتُ مع حسن أن ينتظرني داخل المطار ليذهب معي إلى الفندق .
وعندما وطأت قدمي مصر، اعتراني شيئًا من الدفء ، بحثتُ عن حسن هنا وهناك بين الأشخاص حتى لمحته ، نعم هو ذاك، بمظهره الذي شاهدته في الصور، استُبدلت ملامحي الحادة التي كانت في باريس، بإبتسامة هادئة عندما رأيته..
تقدم نحوي ،ورأيت أنه يُشبهني كثيرًا فى ملامحه ،لا أعرف كيف يحمل أيضًا لون بشرتى البرونزية- بين الأسود والأبيض- ،وعيوني الواسعة ، كانت تقول أمى دائًما أنني أحمل ملامح أبي الشرقية، لذا اختلف عن أصدقائي أصحاب البشرة البيضاء كالثلج فى فرنسا.
“وأخيرًا رأيتكِ يا حنين..
كيف حالك ؟
-قالها حسن بمرحٍ شديد-
أنتِ مثل الصور تمامًا”
ضحكت قائلة :”أنا بخير” ، وأردفت “هل لك أن تُخبرني يا حسن كيف لنا هذا التجانس فى الاسم والشكل ؟”
رفع حاجبيه فى دهشة لم أفهمها ،واعتلته بسمة صغيرة ثم قال :
“أنتِ متعبة الآن من السفر لذلك يجدر بكِ الراحة “.
أكمل حديثه بعد صمت قليل قائلا :”ما رأيك أن نذهب إلى منزلي؟ فهناك عائلتي وهم يعرفون أنكِ آتية من السفر”.
لا أدري ما هذا الشعور بالارتياح نحوه ،أنا التي لم أثق بأحد فى بلدي.
ركبت معه السيارة، كانت صغيرة ،ولكنها حملت حقائبى بسهولة ،أخذت أتطلع من النافذة إلى الأشياء والناس كأننى لم أر أشخاصًا من قبل، حتى وصلنا إلى منزله بسرعة.
منزل مساحته ليست بكبيرة ، مُحاط بحديقة بها ورود من كافة الألوان والأنواع ، وسور محيطُ بكل هذا ،أمامه حارس يرتدى جلباب، رحب بي عندما دلفنا نحو البوابة .
بيتٌ غاية فى الهدوء، تنبعث منه رائحة لا أفهمها ، كنت متوغلة بعينى فى كل أرجاء المنزل عندما قال حسن :
” ثوانى سأذهب لإحضار شىء ،
البيت لكِ ”
راحت أفكاري تتداعبني ، فقد كنت أفكر فى الجنون الذى قادني إلى بلد لا أعرف بها أحدًا ، تجولت فى المنزل، قادتني قدماي نحو غرفة يتسلل منها ضوء شعاع الشمس ، رأيت داخلها رجلاً عجوزًا، شعره أبيض بالكامل، كان ينظر إلى أرض الغرفة وبيده عكاز ، ارتفع بنظره إلى أعلى عندما أحس بوجودي.
قلتُ بخجل :”مرحبا ” ،و أدركت سريعًا أنني اقتحمت خلوته
تلاقت عينى بعينه ، إنني رأيت هذا الرجل من قبل ،عقلي يحدثنى بذلك ، ثم شاهدت بعينه فى تلك اللحظة نظرات توسل لا أفهمها ..
:”ابنتى …”.
“ابنتك؟!
أأنتَ هو؟
أنتَ أبي ؟”.
قاطعني قبل أن أكمل حديثي، والذي كان بشكل هستيري، وعبارات حادة ، فقد أخرجت كل ما فى وجداني لأنه منذ سنوات انقطع عنى..
:”بحثت عنكم فى كل مكان ،ولكن أمكِ أخذتكِ و غادرت إلى بيتٍ أخر، عندما ذهبت إلى مصر، فقد ماتت زوجتي الأولى ،وكان يجب عليّ البقاء هنا ، وهي تعرف ذلك ،فقد اشتد الخالف بيننا بعد إصراري على أن تذهبوا معي إلى القاهرة، فرفضت رفضًا قاطعًا ، ثم تركتها حينها لتفكر فى الأمر حتى أعود، وعندما رجعت لم أجدكم يا ابنتي ، صدقني ، فقد أصبحت رجلاً عجوزاً لا يستطيع الكذب ..”
ثم أكمل حديثه والدموع تنهمر من عيونه :” أنا لم أكن سيئاً يا حبيبتي، فقلبي كان معكِ، والحنين إليكِ جعلني أبحث عنكِ طوال هذه السنوات، أنا وحسن ، حتى عرف أخوك المكان الأخير الذى انتقلت إليه أمكِ قبل وفاتها، فأردت أن لا تعرفي الحقيقة حتى تأتي لأضمك إلى صدري.”
دمعت عيني وهو يتكلم عندما تذكرت أمي وما فعلته ،
لم أصدق أن الرحلة تعود بي للماضي ، وتدفعني نحو أبي ،ثم أدركت بعد ذلك ما هو الإحساس الذى يقودني ، إنه الحنين ، والاشتياق الداخلى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.