تأملات روح وشيطان…. إبراهيم جمال( الشهير بمحمد خالد)


استيقظت على ضجيج لا أعلم مصدره. كل الأصوات الممكنة كنت أشعر انها تخرج من رأسي؛ بائع الفاكهة، وجارتنا سليطة اللسان، ونشوة عاشقين اختلسا لقاء في مكان ما، صراخ الأطفال  أيضا كان له نصيب ومكان الى جوار بائع يتجول أسفل البيت. ونقاشات فلاسفة العالم وصرخات اللاجئين وأصوات المذياع المتشابكة كتشابك أصوات نواب المجلس، وصرخات جمهور متعصب، وسيارات تتبع عرس فتاة بمزيد من الضجيج والضوضاء، ولم يسلم رأسي من همس عصفور يطلب أنثاه، ولا من انتحاب غزال على ابنتها التى افترسها الضبع قبل ان تحتدم المعركة بين قطيع الضباع.
كل الأشياء كانت تتجمع في رأسي فتجسد مأساة لا تنتهي عندى كل صباح.
وفي وسط حشد الأصوات هذه أتانى الشيطان بسؤال لا أدرى كنهه  أو سببه، قال لى:” ماذا لو أن روحك قد أقنعت أخرى ان تحل محلها في جسدك الضئيل وهي في سفرها السماوى بالأمس”.
لم  أجد ما  أرد به عليه فانتفضت من نومي الى فنجان قهوة عساه يصلح ما أفسده النوم.
ولما لم يفلح الأمر أرتميت أسفل الماء البارد عساه يصلح ما حل بي.
لم التفت لبرودة الشتاء ولا لاعتلال جسدى الضعيف من آثار مرض الإنفلونزا المريع الذي يلازمنى منذ أيام، كل ما كنت أنظر له هو أملى ان يتخلى الصوت عندى.
وفي لحظة ما لا أعلم ماهيتها تماما سكت الصوت كله، كأننى أصبت بصمم ما فخرست الأصوات وخشعت تماما. قالت لى نفسي التى سول لها الشيطان” ماذا لو أن روحك التى تتخلى عنك لم تشأ العودة اذ انها اصطدمت في صعودها بروح أخرى فهامت بها؛  أو ربما خضعت لجمال ملاك ساحر فجلست إليه”.
تركت الأمر كله وانطلقت الى عملى الصباحى أقصى المدينة، كنت أرى الأشياء كأننى أراها أول مرة. أشعر تجاه الأمور بانقسام شديد فداخلى شئ يدرك انه يعرف الأشياء تمام معرفتها وجزء لا يعلم عنها حتى رتوشها الصغيرة.
أقول لجزئي الذي يجهل هذه الفتاة الجميلة جارتنا. فيرد بجهل تام وكأنه لا يعلم عنها أي شئ:” جارتنا، كيف وأين. ما اسمها يا ترى، ولماذا وصفتها بالجميلة حقا، هل هى جميلة كما تظن.”
اتعجب منه كثيرا فلطالما تيمت عشقا بهذه الجارة الحسناء و التى يوشي اسمها بجمالها الأخاذ “نور” هي نور واسمها نور أجيب بداخلى فيهدأ كل شئ.
أعبر شارعا تلو شارع وانا أشعر ان بداخلى شئ يود ان أصوغه حكايات الشوارع التى يمتلئ بها جزئي الاخر كاننى أصبحت تماما ككوب الماء الممتلئ لنصفه ليصبح نموذجا ودليلا على حكمة ما.
اسفل مقر الشركة أوقف خطواتى شرطيا ليفحص هويتى ويعبث بآدميتي للحظات. وانا استسلم له بجزء يدرك  أن الامر معتادا وروتينيا في مدينتنا. وبداخلى يحتدم الصراع مع جزء يرى ان في الامر خنوع وضعف. وانا اتعجب من ثورتى التى تشتعل رويدا رويدا، فمنذ زمن طويل لم تجتاحني مثل هذه الثورة تجاه شئ ما.
حاولت كبح جموح هذا الجزء الذي بدا غريبا عني تماما او ربما انا الذي اصبت بغرابة نحو كل شئ؛ فصعدت الى أعلى لأبدأ عملى في صمت معتاد وهدوء، فتسلل الشيطان من جديد ليبث ما تبقى من سمه في أذنى:” اواثق أن روحك لم تخنك ليلا فأرسلت اليك عاشقها ليغتال عقلك وجسدك”.
حينها وقعت مغشيا كمن شاهد أهوال الآخرة. استيقظت وأنا أنتظر أن أرى حشدا من الأصحاب والأهل الى جوارى، غير اننى وجدتني وحدي كما قضيت ما مضى كله وحدي، والضجيج يملأ رأسي بأصوات المارة وجارتنا سليطة اللسان وبائع الفاكهة والشيطان يتسلل لى من جديد فأهرب الى سكين أجتز به رقبتي عنوة لأصعد بروحى دون رجوع.

2 Comments

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.