أسطورة/رستم وسهراب(ملحمة الدم والأسى)….محمد عمر محمد


 

أسطورة/رستم وسهراب(ملحمة الدم والأسى)

يالها من قصة تدمع العينين

حين يقع برستم غضب الحليم

إن هبت رياح من نهر الجانج

فستُسقط البرتقال قبل أوانه

فلماذا يشعر الشاب بالخذلان ؟

الموت ليس حكراً على الشيوخ.

الحكايات والقصص والأساطير التي يحفل بها تاريخ ايران العريق على مر العصور والتي تؤرخ للبطولات والمعارك التي خاضها ملوك هذه البلاد وما تخلل ذلك من احداث ومواقف انسانية تعكس نظرة الأمة الايرانية الى الكون والحياة والانسان، من هذه الحكايات والأساطيرالهامة التي نقشت في تاريخ ايران

رستم بن زال هو عبد قوى البنيه يحمل بداخله صفات بطولية لم تظهر إلا عندما حرر الملك كيكاووس من أسره فأراد الملك أن يكافئه فحرره من العبودية وأعطاه مملكة سيستان وزاولستان وكابلستان فاأضحى رستم بين ليلة وضحاها ملك بعد أن كان عبدا ، هذا الملك الذى سيدخل فى دراما اسطورية

وذلك بسبب حادثة سرقة خيل
في يوم من الأيام وفي حالة من الحزن امتطى رستم جواده الرخش، وذهب ليصطاد في السهل بحثاً عن الترفيه والتسلية بعد أن كتب عليها الأرق والملل في أروقة قصره الضخم في مملكته سجستان ، و بعد مدة وصل الى منطقة صيد مليئة بالطرائد بقرب الممالك التركية المناوئة للفرس، فقتل حماراً وحشياً شواه وأكله ثم اغمض عينيه ونام , في حين كان رخش يهيم في السهل يرعى بعد أن ازاح من على متنه السرج والطوق، وجد عدد من المسافرين الترك رخشاً حراً لايحمل وسماً ولا سرجاً فاصطادوه بأعجوبة واخذوه معهم.

ولما استيقظ رستم ولم يجد جواده تملكه الغضب ومشى حزيناً يتقصى الاثر لا يلوي على شيء الى أن وصل مدينة سمنجان وهي من ممالك الترك الحدودية، فذهب مباشرة الى ديوان الملك وصاح على حراسه بأن ليخرج اليه الملك ، وفوراً اخبروا الملك بأن فارساً جسيماً مسلحاً يدعي انه رستم واقفاً في الباب يطلب مقابلته، فأرتاع الملك لما يعرفه من فتك رستم الشهير ، فخرج وتلقاه رحب به الملك واكد له ان الرخش معروف جداً وان عليه ان يهدأ ويقبل ضيافته الى ان يجدونه، وفعلاً مضى معه رستم ساهراً ومحتفلاً في جلسة من السمر والشراب، حتى اخذه النوم فأمر الملك بإفراغ اهم الاجنحة الملكية لرستم ، وحينما كان نائماً فإذا بدخول احداً ما عليه فقام رستم منتبهاً بعد أن سل سيفه ليدفع عن نفسه إذ وجد امامه حسناء لم يلحظ مثلها من قبل، تبين انها أبنة الملك وتدعى تهيمنه والتي باحت لرستم عن عشقها له وانها طالما سمعت عن بطولاته وصولاته حتى تمنت ان تراه وهاهوذا في قصرها،

في تلك الليلة عقد رستم على تهيمنه برضاها وفي اليوم التالي عثر على رخش حاضراً عند ديوان الملك فغادر رستم بعد ان اعطى تهمينه شارة ذراعة وبها جوهرة وقال لها ان ولدت انثى فعليها ان تربطها على احد خصال شعرها وأن كان فتى فعلى ذراعه.

وهكذا ولد سهراب بعد تسعة اشهر ، يكبر في شهر عن نظرائه في سنة، حتى ترترع سهراب وازداد بسطة في الجسم والعقل واثبت ان له قدرات غير عادية في الذكاء والاقدام وقوة الإرادة والفنون القتالية والقيادة.

وعندما بلغ سهراب الاربعة عشر عاماً الح على امه ان تخبره باسم والده , فاخبرته انه رستم البطل الذي بلغت شهرته الافاق ولكنها اوصته بان لايصل الخبر الى حاكم توران افراسياب والا قتله انتقاما من ابيه لما بينهما من حروب طاحنة، لم يقتنع سهراب بان يبقى الامر سراً وقرر ان يسير بجيش الى ايران بحثاً عن ابيه البطل ويهزم كيكاوس ثم يعود لتوران ويسقط افراسياب قائلاً :” ان كان رستم ابي وانا ابه فلن يبق عرش الا اسقطناه” .

ولما علم افراسياب بأن سهراب يقطع النهر متجهاً الى ايران ارسل اليه عصبة من اشجع فرسانه في اثنى عشر الف جندي لمساعدته واوصى اثنين من وزرائه لمرافقته و بأن لا يعرف الاب والابن بعضهما فأن قتل سهراب رستم كان لهم ان يحتلوا فارس وان قتل رستم ابنه فسيدمره الندم والحزن الشديد .

في طريقه يمر سهراب بالقلعة البيضاء حيث يقطن محارب شيخ يدعى هجير أو هازر حاكماً لها، سرعان مايتمكن سهراب من اسر المحارب هجير آمر القلعة ويستعد للاستيلاء عليها. فتقوم أبنة هجير وتدعى غردافريد وهي مقاتلة شجاعة بالمبادرة وتلبس درعاً وتخفى شعرها في خوذة وتخرج لانقاذ أبيها، وقد استطاعت ان تقضي على العديد من الفرسان من خلال مهاراتها الفائقة في رمي السهام الان أن يتصدى لها سهراب وتحدث مبارزة عجيب لايكاد سهراب يسدد لها ضربة حتى تمرق منها كالزئبق الا ان تقرر الفتاة الهرب والعودة للقلعة فيطاردها سهراب حتى استطاع ان يسقط خوذتها بعد ان صدد لها ضربة فينسدل شعرها الطويل على كتفيها فيصيبه الذهول من جمالها وشجاعتها ويقوم بأسرها بأن القى عليها حبلاً طوقها بها واسقطها على الأرض ، هنا استطاعت الفتاة ان تحتال على سهراب بأن يفرج عنها على ان تقوم بتسليم القلعة له بعد ساعات وتحفظ كرامتها وايضاً سمعته كفارس لا يقاتل النساء، ولكنها لم تسلم القلعة اليه كما توقع وفي الصباح التالي وصل سهراب لاقتحام القلعة بيد ان وجد بوابتها مفتوحة والقلعة خاوية على عروشها.
شعر كيكاوس بالخطر جراء هذا النصر السريع الذي حققه سهراب. فارسل القائد الشجاع جيو الى سجستان ليطلب العون من رستم . لم يبدِ رستم حماساً للامر واعتقد ان المقارنة بينه وبين سهراب مبالغ فيها . وهكذا لم يتعجل رستم وقضى جيو بعض الليالي يشربان ويمرحان قبل ان ينطلقا لمساعدة كيكاوس بعد أن مضت ثلاثة ليال . غضب الملك من تراخيهما وتنازع مع رستم وأمر بأعدامه فخرج رستم غاضباً وشاتماً الملك، بيد انهما سرعان ماتصالحا بتدخل من النبلاء .

وهكذا وصل رستم وكيكاوس والجيش الفارسي في مواجهة الجيش التركي بقيادة سهراب. ووقف سهراب ينظر الى الجنود الفرس في الجانب المقابل من الميدان والى جانبه الأسير هجير طلب سهراب من هجير ان يشير الى الابطال والقادة الفرس وخاصة رستم فكذب هجير خوفاً من أن تتعرض حياته للخطر حينما يقصده سهراب القادر في ظنه على الفتك برستم وبالتالي يسهل على الترك احتلال فارس، كما أن الوزراء الذين أرسلهم افراسياب حرصوا على إخفاء الحقيقة عن الشاب.
في اليوم الأول عجز أي منهما عن الإطاحة بالاخر. ولكن كلا منهما شعر بانه يقاتل خصماً يساوه في القوة، فتكسرت أنصال الرماح وتحطمت السيوف ولم تجدي الأسهم وجميع أسلحة القتال.

في اليوم التالي وبعد صراع طويل تمكن سهراب من التغلب بعض الشيء على ابيه وكان يوشك ان يقتله فاحتال عليه رستم وقال له بأنه ليس من شيم الابطال قتل المبارز من المرة الأولى التي يسقط فيها.

اثناء المبارزة كان سهراب يكرر السؤال عن رستم دون ان يكشف هويته لكن رستم لم يجب. حتى أن سهراب باح بمشاعره للقادة حوله بأنه يتملكه الخجل حينما يرى ذلك الفارس المغوار ويقصد رستم ولكن سرعان ماينكرون ان ذلك هو رستم ! ويظل سهراب متعجباً طيلة امره.

وحين عرف رستم انه غير قادر على هزيمة سهراب دعا ربه قبل المبارزة الثالثة بان يعيد اليه القوة التي كانت له في شبابه، حيث كانت لديه قوة تجعل الارض تتشقق من تحت قدميه حيث يمشي فدعى الله ان يخفف منها.

استجاب الرب لدعاءه وفي اليوم الثالث استطاع ان يصرع سهراب، وتصف الشاهنامة هذا المشهد بأن ” استل خنجره من خاصرته وشق صدر ابنه المغوار”

تأوه سهراب وقال بأن ذلك لم يكن خطأ خصمه “رستم” بل سخرية القدر التي جاءه به الى فارس للبحث عن ابيه كي يُقتل دون ان يجده.

“لو صرت سمكة في الماء

او دخلت كالليل في الظلماء

ولو صعدت كالنجوم الى السماء
تاركاً وراءك الأرض التي تحب

فسيأثر والدي منك يوماً

حين يراني في قبري بسببك

فمن بين أولئك الابطال
الدنيا مترعة باقدار الجميع

وكثيراً ما تلعب ادواراً ساخرة كهذه.
هكذا علق الفردوسى وبذلك تنتهى ملحمة الدم والاسى

بقلم/محمد عمر محمد

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.