عالم جديد الفصل الثاني أحمد محمد مغاوري قشوة الخميس من كل اسبوع


الفصل الثاني
لا أصدق ما يحدث ! أنا بكلية الصيدلة حقا ، لم أكن ملفتا للأنظار حينما دلفت إلى الحرم الجامعي لجامعة مصر بمدينة السادس من أكتوبر ، ولم أكن قد دخلته قبلا ، تعديت رجل الأمن بعد أن أبرزت له بطاقتي ، وجدته يقول لي :
– أدخل يا دكتور .
دكتور !
لم أتوقع أن أنادى بها يوما بمعنى (الطبيب) ، على الرغم أن لقبي من المفترض هو (صيدلي) ، مشيت بين الخضرة التي تزين الجامعة ، ونظرت نحو المسجد الكبير بهي الوجهة ، والطلاب من حولي يتناقشون فيما بينهم ، وجدت من يناديني من خلفي :
– إنت جاي متأخر يعني ؟
نظرت إليه لأجده محمود أبوالنور ، قلت له مضطربا :
– آه .. معلش راحت عليا نومة ..
– طب بسرعة عشان الامتحان بتاعك بعد شوية .
تظاهرت بالمعرفة أمامه قائلا :
– أه .. الامتحان .. عارف يا عم بعد شوية .. حتى أنا كنت براجع له في المواصلات .
– بتراجع إيه ؟! عملي الكيميا التحليلية ، مش محتاجة يا ابني .
– عملي كيميا تحليلية !
إذا فأنا قادم على امتحان الكيمياء بالمعمل ، أخشى أن أجد الدكتور محمود الكومي بالداخل يمتحنني ..
ستكون مصيبة حينها ، فأنا لا أدري شيئا عن التحليلية ..
– طب أنا هروح المعمل بقى سلام ..
وذهبت عنه ، فناداني :
– يا ابني انت مسطول .. المعمل من الناحية دي ..
التفت للناحية الأخرى ، وذهبت قائلا :
– أه معلش لسة صاحي مش مركز ..


مستشفى الدمرداش ..
– أنا إيه اللي جابني هنا يا عبدالسميع ؟!
نطقها سيد محمود المذهول بشدة ، وهو يقف أمام الطبيبة التي تمسك مشرطا وتفتح بطن الجثة أمامها ، رد عليه زميله بجانبه همسا :
– وطّي صوتك الدكتورة هتطردنا ..
نظر له سيد بتعجب قائلا :
– إنت مين يا عم ؟
– صه .. وطّي صوتك بقولك .
انتبهت لهم الطبيبة وسط حلقة الطلاب ، وقالت بحدة :
– الصوت يا دكاترة .. ركزوا معايا في التشريح .
قال سيد بصوت خفيض :
– يا نهار اسود ده بتشرح بني آدم بجد ..
قال زميله باستنكار :
– أمال هتشرح إيه ؟!
حدث سيد نفسه :
– أنا مش من شوية كنت واقف في سيكشن الحيوان إيه جابني هنا ؟! يا وقعة سودة ومهببة بطين ..


معمل الكيمياء ..
وجدت مكاني أمام التجربة المعملية ، وجدت أمامي سحاحة مملوءة بالحمض ، وزجاجتي كواشف عن التعادل أتشاركهما مع من سيمتحن بجانبي ، فوجدت تلك الفتاة ترتدي المعطف الأبيض الخاص بالمعمل ، وجاءت لتقف بجانبي قائلة :
– سلام عليكم .
– وعليكم السلام .
أظن أنني لمحت تلك الفتاة قبلا ، ألم تكن بالهندسة معي ؟!
يا للهول !
كل شيء منقلب هنا ..
أخرجت معطفي الأبيض لأرتديه ، وجدت أحدا يحدثنا ، إنه الكومي فعلا بعكازه الذي يتكئ عليه ، ونظر لي من بين الجميع ، وأشار نحوي قائلا :
– تعال .
تقدمت نحوه ، فقال لي :
– إقلع البالطو وأخرج إلبسه برة المعمل وبعدين أدخل .. مينفعش تلبسه وإنت جوة ..
لا يزال كما هو حتى مع تغير الجغرافية .. نفذت ما طلب دون كلمة ، فأنا أعرف تلك المحاضرة الذي سيتلوها عن آداب المعمل .


أخذ سيد يسير في طرقات المشفى بعد انتهاء التشريح ، وهو مذهول من كل شيء ، وأخذ يحدث نفسه :
– أنا بعمل هنا إيه ؟ وإيه البالطو اللي أنا لابسه ده ؟ يكونش بحلم ؟
صفع وجهه بكف يده أمام الممرضات بالمشفى ، فلم يحدث له شيء سوى الذهول من أنه مستيقظ ، فقالت له الممرضة :
– مالك يا دكتور ؟
– آه .. لأ .. مفيش حاجة .. دي دبانة كانت مضايقاني ..


كلية العلوم ..
كان عبده يجلس في المحاضرة في منتصف القاعة تماما ، ولم يدر ما يحدث حوله ، وأخذ يقول :
– أنا فين ؟
جاءه الحديث من الخلف :
– إنت بتعمل إيه هنا يا عبده ؟
التفت خلفه ليجد أشرف الصعيدي ، فقال له :
– أنا فين يا صعيدي ؟
– كلية علوم عين شمس .
بذهول قال :
– وإيه اللي جابني هنا ؟! وإنت بتعمل إيه هنا ؟!
– معرفش .. أنا لقيت نفسي هنا ..
– يا حلاوة ..
دخل الدكتور المكفهر الوجه المحاضرة قائلا بغلظة :
– مش عاوز صوت كله في مكانه ميتحركش .
قال الصعيدي ساخرا :
– ده مخابرات ده ولّا إيه بيتكلم كدة ليه ؟!
وقف المحاضر أمام الطلاب ، وقال :
– همتحنكم شفوي الرياضة دلوقتي ..
وأخذ يسأل الطلاب طالبا طالبا .. قال الصعيدي لعبده :
– يا نهار اسود هنعمل إيه ؟
– تعمل إيه إزاي ؟! أنا وإنت مش في الكلية أساسا مش هينادي علينا ..
ونادى الدكتور بصوت عال :
– أشرف محمد مرسي الصعيدي ..


معمل الكيمياء ..
قرأت الورقة التي أمامي ، مطلوب مني أن أقوم بتجربة المعايرة ، وهي أن أفاعل سائل الحمض مع سائل القاعدة لتكوين الملح والماء ، وأن أتعرف على انتهاء التفاعل باستخدام الكاشفين أمامي ، أحدهما الميثيل البرتقالي والآخر الفينولفثالين ، وأقوم بتعيين تركيز القاعدة .. قمت بملئ السحاحة عن أخرها بالحمض المصبوب بالكوب الزجاجي ، واستخدمت الماصة بعدها ، وسحبت عشرة مللي جرامات من القاعدة التي لا أعلم تركيزها ، ويجب أن أعرفه في نهاية التجربة حتى لا أرسب في ذلك الامتحان الذي لا أعلم كيف أقف فيه ممتحنا ، وضعت القاعدة في الإناء المخروطي الزجاجي ، وقمت باستخدام كاشف الفينولفثالين ووضعت منه قطرتين على القاعدة ليتغير اللون المعدم للقاعدة إلى البنفسجي .. قمت بعدها بوضع الإناء تحت فم السحاحة ، وقمت بإدارة مسننتها لينساب تيار الحمض إلى الإناء ، وأنا أقوم بالرج بيدي منتظرا الوصول لنقطة التعادل .. نظرت للفتاة التي بجانبي ، وجدت أنها قد أنهت تجربتها ووصلت لتعادلها الأول عن طريق استهلاك ربع حمض السحاحة .


كلية الهندسة بشبرا ..
كان محمد رفاعي نائما على مكتب مقعده في المدرج ، استيقظ من صخب الطلاب من حوله ، فرك عينيه ، ونظر أمامه ، فاندهش أيما اندهاش ، نظر حوله ، لم يفهم ما يحدث ، حدث نفسه :
– إيه ده ؟! أنا فين ؟!
رمقه زميله بجانبه ، فقال له :
– إيه يا باش مهندس مالك ؟ شكلك منمتش في البيت كويس قبل ما تيجي ..
سأله رفاعي باستنكار :
– أنا فين ؟!
– سلامة عقلك إنت في هندسة شبرا ..
– إزاي ؟
– إزاي إيه ؟ بس بقى عشان الدكتور دخل ..
نظر رفاعي أمامه إلى المحاضر الدكتور ، وقد كان رجلا أشيب الفودين ، وبدأ شرحه على لوحة الكتابة ، مضطرا جلس رفاعي لا يفهم من أمره شيئا ولا يستطيع استنباط أي معلومة من محاضرة الدكتور الغريب عنه ، وفي نهاية المحاضرة كتب الدكتور العديد من الأسطر مرقمة ثم قال :
– المواضيع اللي أنا كاتبها دي هتعملوا على كل واحد تقرير لا يقل عن عشرة صفحات .. وتذاكروه كويس عشان هسألكم فيهم ..
قال رفاعي :
– يا نهار اسود دي كلها تقارير مطلوبة منكم .
سأله زميله بجانبه :
– إنت ليه محسسني إنك مش تبعنا ؟!
– ما أنا فعلا مش تبعكم معرفش إيه جابني هنا !
– إنت مش محمد رفاعي عطية ؟
– أيوة أنا ..
– طيب إنت في السيكشن بتاعي يا عم متوغوشنيش .
كل ما فعله رفاعي أن نظر إليه نظرة صادمة ..
**

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.