مراجعة نقدية لرواية (منافي الرب) للكاتب أشرف الخمايسي…يكتبها لنا أحمد أبوشادي

أشرف الخمايسي

 

مراجعة نقدية لرواية (منافي الرب) للكاتب أشرف الخمايسي

(رواية أخشاها)

لأشهرٍ مضت ظلت منافي الرب في أحد أدراجي لا تفارقه، ولا ترى شيئا من حركة الحياة خارجه، كنت أفتح عليها قبرها أحيانا فأتأملها في تردد، ثم أعود وأغلق القبر هامسا لنفسي: (ليس بعد)، عنوانها فخم حدّ الرهاب، وما قد قيل عنها قبلا أَحْدَث في ثقتي شرخا مرتعشا، ولست أدري أي جرأة تلك التي أسكرتني يوما حين وجدتني أنتزعها من القبر، وألتهمها في وجبة عشاء وأنا بين اليقظة والمنام.

(ليس إلها وإنما ساحر)

حينما يقال أن الخمايسي هو إله السرد، وأن ناطحة سحابه هي منافي الرب، وأنها الترجمة الروائية لهذا اللقب، وأن البوكر قد خسر كثيرا حينما لم يتوج رأسه يوما بها، أدركت أن علىّ أولا أن أتوضأ بالمزيد من القراءات والاطلاعات قبل الصلاة في منافي الرب، وأتعطر من أجلها وأخشع، ولكنني حينما وقفت وراء الخمايسي في صلاته الحائرة أدركت أن صلاة هذا الرجل باطلة، فالسحرة من أمثاله لا صلاة لهم.

(كهل ينخر في المنجل)

حجيزي بن شديد الواعري، كهل متآكل أصاب المائة عام بعمره، ولم يصبه الزمن بالموت بعد، يسكن واحة (الوعرة) بصحراء مصر ذات الثوب الانجليزي ، نثر شبابه كله في منافي الحزن والخوف، وعف نفسه عن ملذات الحياة، حتى زوجته الجميلة لم يصبها سوى مرات ثلاث طوال خمسون عام من زواجه، لم يخش الموت يوما، وإنما كان يرفض الدفن بعد الموت، أحب الونس بالناس، وعزّ عليه أن يكون وحيدا بعد الموت، ظل يبحث عن خلود الجسد بعد الموت، فضيع حياة الجسد قبل الممات، طارد سرابه في كهوف الصحراء ليعيش فيها مع الرهبان عيشة هي للموت أقرب، ظن أن المسيحي الصادق كالمسيح عيسى قد يحيا بعد الموت، كان يبحث عن رب يمجّده مقابل أن يمنحه الخلود والونس حتى لو وزّع حياته كلها على المنافي.

(أفكار السماء تكره الظل)

ليتني أعلم ما الذي قدمه الخمايسي من قرابين لتمنحه السماء فكرة كتلك لروايته، فكرة استخرجها من جوف العبقرية، فكرة تحتاج لطباخ ملكي ومعدة يافعة، لكني أحسست بالخمايسي كمن وجد بيته يسبح فوق بئر بترول، فمدّ أنبوبا إليه فقط ليستخدمه كوقود للتدفئة، وقنع بذلك واستكفى، أرى الفكرة أفخم كثيرا من تناولها، شغل الكاتب أعيننا بأسحاره السردية كي يمرر من تحتها حكايات متشظية لا ترقى لجمال فكرته الشاهقة، فحكايات صاحبَيّ (حجيزي) والتي شغلت أكثر من ثلث الرواية كانت حشوات زائدة أتلفت العجين، استخدمها الكاتب ليضع فيها بذور أفكاره وفلسفته فقط، ثم كانت القاضية عندما قدم لنا الخمايسي تحليته بخاتمة تخلو من السكر، كانت متوقعة جدا، فتناولتها مكرها، وأفرغت في جوفي بعدها كأس إحباطي.

(سحر معقود على قبر الزمن)

حينما قرأت المنافي أدركت أن في الأمر خدعة ما، هذا الكاتب يتلاعب بي، الأمر ليس مجرد سرد مميز، كثيرون هم من يسردون بتميز، فالتناوب بين الراوي العليم والمتكلم كان بديعا، وكثير من يفعل، والحوار كان موضوعيا حقا ومدروسا، وكثير من يفعل، التبادل والتناسق بين السرد التوصيفي والسرد المشهدي أيضا كان جيدا، وكثير جدا من يفعل، إذن أين حل الأحجية؟

دائما ما كنت أبحث عن (كيف فعل؟) قبل الاهتمام بـ (ماذا فعل؟)، وبعد التأمل أدركت أن حل الأحجية في عنصر مختلف، عنصر من أهم عناصر البناء الروائي، بل من أهم عناصر الحياة بأسرها إن لم يكن هو الحياة ذاتها، الخمايسي طوال مسيرتنا خلفه في المنافي كان يسحر عيوننا فلا نرى الحقيقة، لقد كان يتلاعب بعنصر الزمن، يعيد تشكيل الخريطة الزمنية ليصنع منها منافي الخمايسي الزمنية، فالمسار الزمني المعتاد الذي يقسم الزمن إلى ماض ثم حاضر فمستقبل قد تحطم تماما على عصا الكاتب السحرية، سحر أعيننا وصهر الماضي والحاضر والمستقبل في إناء واحد ليصنع لنا نوعا جديدا من الزمن، زمنا دائريا، لو تدخله من أي نقطة يدور بك حتى تعود إلى نقطة البدء، منافي الرب لا تعرف الزمن المستقيم، الأمر لم يكن مجرد تناوب زمني في السرد، بل كان دمجا لكل مستويات الزمن الروائي ليتشكل زمن جديد، ووعي أشمل بالحدث.

(للرعشة مذاق لا يعوض)

الخمايسي أجاد بالفعل التحرك على جدار الزمن وأبدع، مزج بين البناء السردي المتزامن والسرد بالمتوازيات الزمنية ليصنع لنا تحفته، كنت أشعر أنني ألعب كرة القدم مع أخطبوط، ينقل الحدث بين أرجله الثمانية، ويتنصل مني برخاوته فلا أملك إلا الذهول والتجمد، أعتقد أن المنافي لو كتبت بمسار زمني تقليدي فإنها ستفقد حتما بريقها، فهي رواية ليس لها إلا أن تُصنع على عين الخمايسي، ولا يهضمها إلا أشاوس القراء أصحاب الذوق المختلف، ولكن ما قد يعاب حقا في طريقة الخمايسي هو أنه كان عجولا، كان يقطف من قبل النضوج، ففي سيمفونيتة الزمنية تلك كان يقفز من الحدث إلى الحدث بشكل رشيق لكنه أحيانا يتعجل في قفزته، فيقفز قبل بلوغ ذروة الحدث على أن يعود ليستكمله بقفزة أخرى من زمن آخر غير مدرك أن هذا التعجل قد قتل بالفعل متعة الشعور بالذورة لدى المتلقي، والتي لن يستعيدها حتى لو سردها ألف مرة بعد ذلك، فالذروات لا يجب أن تبتر أبدا قبل أن يصل القارئ إلى رعشته الخاصة.

(الترميز لا يأكل إلا خلسة)

المحاكاة الترميزية كانت حاضرة بقوة على طول الامتداد السردي، ولم تتمكن الكواليس مطلقا من إخفاء شواردها، كانت ترميزات فلسفية ودينية، تعرض فيها الكاتب للدينين المسلم والمسيحي بالنقد اللازع، ليس نقدا للدين نفسه، بل نقدا وتهكما على حَـمَلَـتِه، فالمسيحيون هربوا من مواجهة الحياة إلى كهوف الجبال واستحقوا أن قتلهم المسيح بسيفه، والمسلمون بجهلهم اتخذوا من سجن التعذيب العثماني مسجدا في إشارة دينية سياسية واضحة.

(لا تخافوا ولكن احذروا)

الجنس الصارخ والجرأة المربكة على الأديان من صفات قلم الخمايسي، وينبغي لمن يقرأ له أن يعي هذا الأمر جيدا، ولو تجاوزنا السور الأخلاقي سنتفق بأن الجنس لو وضع في سياقه قد يكون جيدا، أما لو تم إقحامه قسرا بين طبقات السرد فسيحدث خلخلة ويثير الاستقباح، والخمايسي عادة ما يقدم هذا وذاك، أما جرأته الشديدة على الأديان فلا أحسبها إلا حجرا يحرك به مياه العقل الساكن، يدفعنا بها الخمايسي للتفكير ولا يقصد ما يقوله أبطاله حرفيا.

(المنافي تختار)

منافي الرب تختار روادها، ليس لكل قارئ أن يفهمها أو أن يستمتع بها، هي بالفعل لعلية القراء، الرواية ماتعة جدا، مختلفة في سردها جدا وجدا، ولا يقل تقييمها في نظري عن 4 من 5.

أشرف الخمايسي

 

1 Comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.