أدب_الرعب_بين_المفروض_والمرفوض…أحمد أبو شادي


 

###أدبالرعببينالمفروضوالمرفوض###

أشلاء ممزقة، سفاح مجنون، أشباح وشياطين، أجساد تتلوى وأرواح تُحصد، لعنة معقودة وساحر ممسوس، أكلة لحوم البشر، والعائدون من الموت….. هو عالم عجيب مخيف مرصود يبسط جوانبه كلون جديد من الكتابة يسمى أدب الرعب.

هذا اللون من الكتابة قديم قدم الخوف فى الإنسان، الأساطير والملاحم البطولية وقصص ألف ليلة وليلة هي السلف العتيق لروايات الرعب، ولم ينشأ أدب الرعب بشكله الحالي إلا مع ظهور أدب الرعب القوطي في بدايات القرن المنصرم، ثم انضبط نظمه واكتمل نحته على يد العظيمين (إدجار آلان بو) و (ستيفن كينج)، وهو اليوم من أكثر ألوان الكتابة انتشارا ومبيعا وخصوصا في أوساط المراهقين، إلا أن لعنات نقاد الأدب لا تزال تطارده، فلا يعترف النقاد بهذا اللون أدبا أبدا، ويرونه لونا كتابيا لقيطا، طفيلي النمو، همجي التوجه، لا يرقى لأدبٍ ولا يهدف لغاية، فلم يكن لكتّاب الرعب من ردة فعلٍ سوى التجاهل والمضي قدمًا ويأسًا وأملًا، قدمًا في دروب قناعاتهم، ويأسًا من اعتراف شرعي عزيز المغنم، وأملًا في أمرٍ واقعٍ ينصفهم فيفرضهم شركاءً تحت مظلة الوسط الأدبي.

ما هو العمل الأدبي؟

العمل الأدبي يتبلور بناؤه في نوعان من القيم، قيمٌ شعورية تتجسد كتابةً في قيمٍ تعبيرية، فالقيم الشعورية هي تلك التجربة والإحساس المتأجج بين حنايا الكاتب، يخرجها لنا قيمًا تعبيرية، وهي التي تتشكل من منظومة الكلمات والألفاظ والتعابير الوصفية بلونيها شعرا كان أو نثرا.

يقول طه حسين (الأدب هو هذه القصيدة التي ينشدها الشاعر والرسالة التي ينشئها الكاتب، هو هذه الآثار التي يحدثها صاحبها، لا يريد بها إلا الجمال الفني في نفسه، لا يريد بها إلا أن يصف شعورا أو إحساسا أحسه، أو خاطرا خطر له، في لفظ يلائمه رقة ولينا وعذوبة، أو روعة وعنفا وخشونة.)

ويذهب إلى ذلك تلميذه محمد مندور حينما يستطرد: (وذلك بينما نرى الغربيين يعرفون الأدب في نفس المجالات الدراسية بتعريف أوسع وأعمق، فيقولون: إن الأدب يشمل كافة الآثار اللغوية التي تثير فينا بفضل خصائص صياغتها انفعالات عاطفية أو إحساسات جمالية.)

ويرى العقاد أن الصورة الأدبية تتجلى في قدرة الكاتب البالغة على نقل الأشكال الموجودة كما تقع في الحس والشعور والخيال، أو هي قدرته على التصوير المطبوع؛ لأن هذا في الحقيقة هو من التصوير كما يتاح لأنبغ نوابغ المصورين.

وللقيم الشعورية ثلاث خصال، وهي الصدق، والخصوصية، (أي أن كل كاتب يعبر بطريقته) والتجزيئ الحسي للعاطفة (أي تتجزأ العاطفة وتتجسد فى الطبيعة من حول الكاتب فيرى فى عاطفته فيما أحاط به) لا تنضبط إلا بها، ولا نخلع عباءة الأدب على عمل دونما اتضاحٍ وتبيان لقيمته الشعورية.

أما القيم التعبيرية فتقوم على أعمدة ثلاث، وهي اختيار اللفظ (بجرسه وظله) والنسق (منظومة الألفاظ وتراكيبها) والتناول (الزاوية التي يعرض بها الكاتب عاطفته على القراء)، تلك الأمور التي تميز لغة كل كاتب عن قرينه.

والسؤال الأجدر بالذكر هنا، هل روايات الرعب تعد أدبا؟؟

لو أخضعنا روايات الرعب للقوالب الأدبية سنجدها عنه بمعزل ناءٍ وبُعدٍ شديد، ليس لعيب فيها، أو لضعف أقلام كاتبيها، وإنما لطبيعتها المتفردة وغرضها المنشود.

الكاتب في مجال الرعب – ولكي ينجح عمله – يضطر لأن يحصر ويكثف كل أفكاره وأدواته الكتابية في اتجاه أوحد، وهو محاصرة القارئ من جميع الزوايا والاتجاهات في ركن الخوف والرعب، أما أية آلية أو تقنية من شأنها التقليل من جرعة الخوف أو شدته في روايته فهي مردودة منقوضة غير ذات إرْب.

إذن لا عاطفة اعتملت وتأججت بدواخل الكاتب فينقلها، ولا فلسفة أرَّقت عقله ومضجعه فيبلورها، هو فقط ينبش قبور الخوف في أعماق القارئ كي يخرج ما استكان فيها ورقد، يوقظ غريزة وشعور قد كمن فينا وحسب، لذلك فإن أي حديث عن وجود للقيم الشعورية في عمله هو محض هراء، فلو أنه تطرق للقيم الشعورية المعتملة في داخله، أو مهَّد لدسِّ فلسفته الخاصة في عمله فسيقلل درجة الرعب كثيرا بتشتيت القارئ في الاستغراق العاطفي أو التأمل الفلسفي.

وهذا ليس بإهانة أو انتقاص قطعا، بل هي من دواعي حرفية السرد وضرورة انشائية لبلورة رواية رعب متكاملة الأركان تخدم هدفها المرجو والغاية المطلوبة، وهي تخويف القارئ، وإلا فكيف لقارئ متأملٍ لفلسفة الرواية حالمٍ مع خواطرها أن يخاف أو يجزع؟ّ!

فكاتب الروايات التقليدية يخاطب الإنسان بشقيه العقلي والقلبي، أما كاتب الرعب فهو فقط يخاطب غريزة وحيدة وهي الخوف.

وعند تضخيم الشعور بالخوف لدى الإنسان، يُثار في جسده ما يعرف بالعصب السيمبثاوي sympathetic nervous system المسئول عن استنفار طاقة الجسد وإثارته، فتتوسع الشعيبات الهوائية في الرئتين لزيادة استيعاب الأكسجين، ويزداد إفراز هرمون الأدرينالين، ويزيد معدل ضربات القلب، كما تتسع شرايين العضلات ويتضاعف معدل سكر الدم.
وحالة الاستنفار الإكلينيكية تلك هي بالتأكيد العائق الأكبر لأي أديب تقليدي يريد للقارئ أن يتذوق عمله بهدوء واستمتاع، وهي في ذات الوقت الهدف الأكبر والغاية المقصودة لأى كاتب رعب ناجح.

أما عن القيم التعبيرية، فحتى لو امتلك كاتب الرعب قدرات لغوية عالية ومهارات سردية مبدعة فلن يلتفت لها القارئ ولن يكترث، وإن حاول القارئ أن يتذوق اللغة أو المهارات السردية فسيضطر للخروج من شرنقة الخوف التي أسكنه الكاتب حواصلها، وهذا آخر ما يتمناه الكاتب، فكاتب الرعب في الحقيقة لا يكترث كثيرا بلغته الكتابية إلا لنفسه إن كانت عاشقة للغة أو ليخرس بها ألسن النقاد.

إذن كيف نصنف روايات الرعب؟ وإلى أي الفنون تنتمي؟

عندما بدأ هذا اللون الكتابي وغيره في الانتشار، قام بعض النقاد باختلاق اصطلاح جديد، وهو الأدب الموازي (paralittérature) أو بمسمى آخر الأدب الجماهيري، وهو يضم كل ألوان الكتابات التي لاقت قبولا شعبيا كبيرا، وفي الوقت ذاته لا يتسعها القالب الأدبي المعتاد، ولا تتقيد بضوابطه ككتابات الرعب والكتابات البوليسية وروايات الأطفال وغيرها، بل وجنح بعض النقاد المتشددين إلى اعتبار الرواية الحديثة (بمعناها الاصطلاحي) أحد مشتقات الأدب الموازي، وهو رأي شاذ ولا شك في وجهة نظري.

بيد أن بعض الروايات الأدبية التقليدية قد دست وبدافع الإثارة أو التشويق بذور الرعب في مغارسها، أو أقحمت في نسيجها بعض الأجواء البوليسية، ولكن يظل العمل بأكمله لا ينتمي لهذه الألوان وإن احتوى على شيء منها، كرواية (جين إير) الخالدة للكاتبة الإنجليزية الرائعة (شارلوت برونتي) وأجواء الرعب والغموض التي اكتنفت أفاعيل زوجة البطل المريضة نفسيا، هي رواية اجتماعية رومانسية في مقامها الأول وبنيتها، وإن شابت أحداثها وتخلل شخصياتها ما قد يُصنف كلمحات رعب أو مسحات جنون.

وماذا عن أدب الرعب فى مصر؟

أما لو تشعب بنا المقال واستمال فننظر في حال أدب الرعب في مصر، نجده في الحقيقة قد بلغ منتهى دركات الضعة والتقزم، فمنذ أن أشعل جذوته الراحل (أحمد خالد توفيق)، لم يتسلم منه اللواء أي كاتب بعده، فيتعقب أثره، وينسج على منواله، أو يرى بعين الإحاطة منهجه، أغلبهم مكررون، مستنسخون، سجن واحد يضمهم أجمعين يرسمون على جدرانه البائسة كأنهم أحرار، وليس فيهم الكثير ممن يستطيع أن يحطم أصنام الرعب المحفوظة المقولبة، ويخرج لنا من أدراج عقله أفكارا جديدة، أفكارا من بيئتنا وثقافتنا، نستشعرها ونتذوقها ونتمنطقها، وليس استيرادا أعمًى لمنتج مغلف معد للأكل مطبوخ فى بيئة أمريكية.

أنا لا أعترض على وجود هذا اللون الكتابي، بل وأقرأ فيه أحيانا، فأى كتابة تثير في القارئ شعورا ما هي ضرب من الفن والإبداع لا شك، ولكن هذا لا يمنع أن تُخلع الأسماء والألقاب على مستحقيها، وتُصَنَّف الكتابات بشكل عادل وبما يليق بها، فلا نُلحق ما لا يستحق في ركاب ما هو أبعد منه عمقا وبناء ومبلغا، وأَمَا وقد صار لكتابات الرعب في مصر نصيبا عظيما من القراء، فقد استوجب ذلك على كاتبيه إنصافا تحمل المسؤلية والأمانة، وتقديم أعمال لائقة بهم، متجددة ومبتكرة، بعيدا عن استيرادات الخارج وموروثات الغرب.

فهل يأتي اليوم الذي يُخرج لنا كتّاب الرعب المصريين أفكارا جديدة يستقي منها العالم إلهامه؟ّ!

أظنه ممكنا.

وهل يأتي اليوم الذي يكون فيه لروايات الرعب مكانا في ذوائق النقاد ودراساتهم النقدية؟!

لا أظنه يحدث…
للأسف…

أحمدأبوشادي

 

1 Comment

  1. مقال جميل قرأته كله وعندي تعقيب
    دكتور أحمد خالد توفيق كان أشطر في شق الخيال العلمي أكتر من الرعب في سلسلة ما وراء الطبيعة فممكن هو بس صاحب الشرارة الأولى لا أكثر. ممكن نقول إن الرعب حاليا شغلانة اللي مالوش في الأدب ووسلة دور النشر للربح.
    أحمد محمد مغاوري قشوة

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.