” البقاء لله ” .. بقلم الكاتبة أسماء الألفي


البقاء لله

فتحت ليلى عينيها بتثاقل على اصوات عالية مزعجة آتية من خارج حجرتها.
اغمضت عينيها ثانية وفتحتهما لتتأكد انها لا تحلم، ظلت ثابتة للحظات قليلة تحاول ان تدرك ما يحدث حولها، و لماذا تسمع اصوات بكاء و نحيب؟؟
التفتت نحو باب حجرتها لتجده مغلقا، و لكن الاصوات عالية حقا، فوضعت يديها على اذنيها تستجدي الهدؤ ولو للحظات بسيطة …..رفعت يدبها و ركزت قليلا محاولة منها ان تعلم ما يحدث بالخارج من خلال الاصوات التي تسمعها … انصتت قليلا و ادركت انها اصوات لمجموعة من النساء تسمعهم بكاء بعضهم و ثرثرة البعض الاخر. بين أصواتهم استطاعت ان تمييز صوت القرأن بوضوح …….. اصابتها قشعريرة، وشعرت بغصة في قلبها الذي وضعت يدها عليه محاولة منها لطمأنته بعد ان تسارعت دقاته بشكل ملحوظ.
حاولت ان تنهض ببطء لتستقر جالسة على طرف السرير و هي تشعر ببعض الدوار ….. نظرت لأسفل وهي ترفع يديها لتمسك رأسها حتى يسكن الدوار، و تكف رأسها عن الدوران، ما هي الا لحظات بسيطة وشعرت بعدها بتحسن، فرفعت رأسها ببطء لتقع عينها على المكتب امامها، و تجد اللابتوب الخاص بها مفتوح و مضاء …تعجبت من الذي فتحه ودخل على صفحتها الخاصة ….هي تتذكر تماما انها اغلقته بالامس.
حاولت ان تنهض على قدميها ببطء، و لكنها شعرت بوهن شديد وترحنت بشدة حتى كادت ان تسقط ارضا، فجلست ثانية على طرف السرير تحاول ان تستعيد كامل و عيها وتوازنها ….لحظات ثم حاولت النهوض ثانية لكن ببطء و حذر اكثر، ونهضت بالفعل، و سارت ببطء مستندة على كل ما يقابلها حتى وصلت لمكتبها الصغير، و نظرت الى اللابتوب واخذت ترمش بعينيها عدة مرات كإنها لا ترى جيدا.
و انحنت قليلا لتحدق اكثر في الشاشة، ثم اتسعت عينها بتعجب و دهشة عندما اتضحت لها الرؤية، كانت صفحتها على فيس بوك …وكل الكلام ظاهر لها ولكنه مقلوبا كانه انعكاس في مرآة.
كانت في حيرة في ان تخرج لترى ما يحدث بالخارج ام تكتشف ماذا يحدث للاب توب الخاص بها …هو يعتبر عالمها الخاص، حياتها التي تعيشها بعيدا عن المجتمع الخارجي بما فيهم اهلها …. تجلس معه في عزلة بالساعات لا تمل منه ولا تشتاق لاحد غيره غير صديقتها سمر كاتمة اسرارها و ضميرها المتيقظ دائما.
حاولت ان تركز اكثر علها تستطيع قراءة الكلام المكتوب بالعكس …… فركت عينيها بشدة ثم ركزت بكل طاقتها لتحاول قراءة الخبر المنشور على صفحتها بالخط العريض……. قرأت بصوت ضعيف ونبرة واهنة و متلجلجة لصعوبة القراءة ( انتقلت.. ص .. صاحبة …. هذا …باسحـ … هذا الحساب …. الى …. الى رحمة …الله تعالى …. إنا لله وانا اليه راجعون )
تنطق الآية القرأنية بدون تلجلج لكن ببطء مع رنة استغراب و حيرة وعدم فهم ومع كل كلمة تقرأها الفتاة تتغير ملامحها مبدية فزع ورعب و احساس بالسقوط من مكان مرتفع .
التفتت ليلى ناحية الباب، و بدأت تربط بين صوت القرآن و البكاء مع الخبر المنشور … كان عقلها مشوشا. تعلم ان هناك حدث مؤلم ينتظرها، ولكنها كانت تتمنى ان كل هذا يكون من وحي خيالها فقط … سارت ببطء متجهة نحو باب غرفتها، وعلى وجهها ملامح خوف وقلق وارتباك.
فتحت الباب فتحة صغيرة تتطلع منها ماذا يحدث بالخارج.
نظرت برعب و ذهول و انفتح فمها دون وعي منها…. فوضعت يدها عليه، حتى لا يطلق صيحة فزع اصابتها. اغلقت الباب بهدوء ، و استدارت سريعا لتستند بظهرها عليه، ومازالت يدها على فمها المفتوح بدهشة، و يدها الثانية و ضعتها على صدرها، و بدأت انفاسها تتسارع فترتفع يدها وتهبط مع كل نفس تأخذه بصعوبة، وظلت على هذه الحالة للحظات، و عيناها تدور في المكان بحيرة، فهي لا تستطيع ان تستوعب ما الذي يحدث بالخارج.
مرت الحظات بطيئة، و ثقيلة و هي تحاول ان تستعيد هدوءها و تركيزها…..انزلت يديها الى جنبها بقوة محاولة منها ان تتحلى بالشجاعة، فهي في امس الحاجة اليها الان … اخذت نفسا عميقا، والتفتت لتواجه الباب، ووضعت جبينها عليه للحظة، و اخذت نفسا اكثر عمقا، و امسكت مقبض الباب ،و فتحته بثبات مصطنع، و رغم كل ما فعلته لتقوي قلبها ولكنه اخذ يخفق بشدة حتى انها كانت تلاحظ حركته من خلال رداءها الخفيف التي كانت ترتديه و نسيت تماما انها يجب ان تستبدله بأخر اكثر حشمة، و لكنها لم تنتبه ابدا لذلك فعقلها لا يعمل بصورته الطبيعية.
نظرت للنساء التي تملىء المكان ما بين باكية و ناحبة و بين من تثرثر من من تجلس بجوارها، و كانت تحمد الله ان احدا لم يلتفت لها او يلاحظ وجودها، وتوجهت مسرعة لغرفة والدتها، و بدأت تتساقط الدموع من عينيها، و تتشوش الرؤية امامها ،ولا ترى أحدا حولها.
دفعت باب حجرة والدتها الذي كان الباب مواربا قليلا، و دخلت الحجرة بترقب، مشتاقة لرؤية والدتها التي وجدتها ممددة على السرير و ترتدي ملابس سوداء، و بجوارها كانت تجلس هالة اختها، والتي كانت ترتدي السواد ايضا، وتفحص لامها ضغطها، و امها شبه غائبة عن الوعي وتنادي اسمها هي بهمس …. اسرعت اليها بعد ان تنفست الصعداء، و جلست بجوارها تحتضنها و تقول لها انها بجوارها، وحمدت الله ان امها بخير ، وقالت لها وسط دموعها المنهمرة:
ــ ماما حبيبتي انتي كويسة ؟؟؟ انا كنت هموت من الرعب عليكي …مين مات يا ماما ؟؟ …..هه مين مات؟؟ …الناس دي بتعمل ايه برا ؟؟
تنتفض امها وتسري في جسدها رعشة خفيفة، و لكنها لا ترد و لاتزال مغمضة العينين.
ترفع هالة نظرها لاختها هالة و يظهر الرعب ثانية على وجهها وهي تسألها برجاء:
ــ بابا فين يا هالة…هو بابا اللي …..
و تقطع جملتها ..فمن يكون مات اذن والجميع هنا فيما عادا بابا و تضع يدها على فمها فزعا، و لكنها تسمع صوت والده من خلفها يقول:
ـــ امك عاملة ايه يا هالة دلوقتي
تلتفت ليلى بسرعة تجاه والدها الذي يطل برأسه فقط من الباب الموارب و تقف و هي تبتسم وتقول:

  • بابا الحمد لله انت ……
    و لكن ترد عليه هالة مقاطعة اياها و تقول له:
    ــ الحمد لله احسن يا بابا، هي نايمة وضغطها بدأ ينزل الحمد لله
    فقال سريعا قبل ان تقترب منه ليلى او حتى يلتفت لها
    ــ الحمد لله خليكي جنبها، وانا نازل تاني للرجالة تحت.
    و اغلق والدها الباب عليهم ولم يقول لها كلمة واحدة حتى ، ولكنها حمدت الله انه بخير…..و بدأت اعصابها تنهار من جديد و تتساءل …. اذن من مات ؟؟
    و لماذا يتاجهلني الجميع!!!! لماذا تقاطعني هالة و كانها لا تراني ؟؟
    تقف ليلى بين الباب وسرير والدتها، و تنظر الى أختها باستغراب ثم تنظر حيث ذهب والدها، و اغلق الباب ثم تنظر الى امها و يبدو على وجهها الغضب من تجاهلهم لها .
    في نفس اللحظة تسمع طرق خفيف على الباب فتتجه، الى الباب لتفتحه في الوقت الذي تقول فيه هالة بصوت عالي :
    ــ أدخل
    فينفتح الباب قبل ان تصل اليه ليلى وتدخل سمر صديقة عمرها ، و عيناها حمراء و متورمة، و ترتدي الاسود ايضا و لا تنظر اليها… و تتجه فورا لهالة ترتمي في حضنها وتبكي و هي تقول لهالة التى بادلتها البكاء
    ــ البقاء لله. انا مش قادرة اصدق اللى حصل.
    احتضنتها هالة بشدة، و انخرطا في بكاء مرير يدمي القلوب.
    ليلى تنظر اليهم في ذهول وهي تضع يديها على فمها، والدموع تنساب من عينيها بلا انقطاع، ولا تستطيع ان تعي او تدرك ما يحدث حولها، لماذا لا احد يسمعها او يلتفت اليها، انها لا تريد ان تصدق ما خطر ببالها و جعلها تتوقف عن البكاء.
    ابتعدت سمر قليلا عن هالة وهي تقول لها بصوت متحشرج:
    ــ عايزة اشوفها لأخر مرة يا هالة ارجوكي ….. انا مش عارفة هكمل حياتي ازااي من غيرها، دي كانت اختي وصاحبتي و اقرب حد ليا ف الدنيا.
    تمسح هالة على ذراعي سمر بحنان و هما تبكيان ثم تضع يدها خلف ظهرها تدفعها للخروج من الحجرة برفق دون ان تنطق بكلمة واحدة …يمران من امامها دون الالتفات لها و كأنها مجرد هواء لا يراه احد …. اخذت ليلى تراقبهما يعبران باب الحجرة،
    فتبعتهما وهما يخرجان، و سارت خلفهما و هي تنظر للنساء المعزيات يمينا و يسارا و هم يواسون اختها و هي تتجه نحو غرفتها و لا ينظرون اليها نهائيا ولا يعيرونها اي اهتمام
    تدخل سمر وهالة غرفتها و هي تتبعهم، و هي في حالة من الشرود والذهول و الضياع، ولا تريد ان تصدق ما يحدث حولها ويثبت ظنونها، و لكنها تبعت اختها وصديقتها علها تري بصيص نور ينير لها ظلمة جهلها ويبدل ظنونها السيئة ….تراهما يتجهان نحو سريرها وتقف هى بالقرب من باب الحجرة
    ترى سمر تتجه نحو سريرها -الذي نهضت عنه منذ دقائق قليلة- لترى جسدها ممدا عليه …..و كانت هالة تراقب سمر وهي تكشف الغطاء الابيض عن وجه اختها ليلى، و تقبل جبينها ، و هي تبكيها بحرقة ، و ليلى تراقبهما في صمت و ذهول، و قد ادركت الان انها مجرد روح هائمة، و انها هي من فارقت الحياة، و تركتهم خلفها يتجرعون حزن فراقها …التي لم تكن تظن بدا انه سيؤلمهم لهذه الدرجة.
    تمت

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.