محمد جراحي يكتب لون الموت


لون الموت

لف كتفيه بصوف أسود عتيق ثم تكور فوق حصير بال و قد وضعت الأرض علي جبينه خطوط طولها و عرضها و تحت عينيه الواسعتين اللتان لا تنظران لشئ – أي شئ – بالرغم من حدة زواياهما يظهر وجه جلده قاس كاد أن يخلو من الملامح بسبب تداخل التجاعيد و كثرتها.

يوري نار موقده العتيق بعصا شبه غليظة من خشب الجميز المصقول ذات قبضة مزخرشة بنقش علي شكل عقرب أسود و المطلي بدهان ضارب في القدم كأنه قد جيئ به من مقبرة فرعونية. لم يستطع أحد أن يعرف ما اسم هذا اللون إلي الآن ، حتي هو لا يعرف و لكنه إن سُئل قال .. هو لون الموت.
فيصمت كل من سأله إلا حفيده الوحيد
قال له.. جدي.. وكيف عرفت لون الموت. هل مت قبلا!!

هذا الصبي ذو الصوت الصغير المندفع نحو أذن العجوز فكأنه أيقظ بداخله شئ . أخذه من يده و اجلسه علي فخذه الأيمن و ضمه بذراعه نحوه ثم حواه بعباءته السوداء. في هذه اللحظه شعر الحفيد الصغير بهواء غير الهواء يدخل صدره و كون يتبدل به كأنما تقابلت رياح الجنوب القائظة بصخور الاهرامات العتيقه فأبت إلا أن تصمد, فهو عظيم و كبير, و كأن روح فارس مغامر من فرسان العصور القديمة قد سكنته او قوة غول من الغيلان الحمراء قد دبت في اوصاله و مفاصله و عضلاته التي قد بدأت تكسو عظم جسده الصغير فهو ابن التاسعه.. لكن .. و في نفس اللحظه, قال جده متجها بحديثه إلي أولاده الجالسين حول نار الموقد المشتعلة في اخشاب قديمه قد احمرت من شدة الاحتراق و فوقها براد كبير نحاسي لا يبدو باطنه من ظاهره بالرغم من لمعانه كلما اتقدت النار و يغلي به شاي لا يوصف الا بسواد الليل..

“من منكم أبوه؟” وكان له من الاولاد ثمانية رجال كلهم متزوجين ولكن مازالوا بلا ذرية .
قال أكبرهم ، هو ابنك يا أبي.. ولكني من أنجبته
قال : “هو لي.. اتركه . و اذهب لامرأتك.. اذهبوا جميعا .” انقبضت القلوب و قام الاخوة يجرون اقدامهم و يحاولون الا تقع أعينهم علي الارض من الخوف و القبض و الجزع.. وقف الاب وقال
ومتي اعود لاخذه لامه؟ فقد تستوحشه و مدرستة بعد غد فهو في الصف الرابع و متميز في العلم و قد بدأ في حفظ القران الكريم و نحسبه علي الله ان يكون من أهل القرآن.
مد العجوز عصاه الي النار يوريها… وقال وهو ينظر الي الخشب الاحمر المتقد في صمت كأنه علم ما في الأمر فـآثر السكوت.. ” عد و خذه حين تنطفئ هذه النار.”
“ولكن يا أبي تلك النار لم تنطفئ منذ ماتت امي و انت تجلس امامها و تنام امامها.. هي لا تخبو أبدا” قال الوالد منفعلا و قد انتفخت أوداجه وكان يحاول جاهدا ألا تظهر عليه أمارات الضيق خوفا من أن يلحظه العجوز و يكون ما لا يحمده ولا يريده أحد. رآه العجوز فعلا ولكنه لم يأخذ رد فعل و استمر ينظر إلي وجه حفيده محتضنا إياه كأنما وجد ضالته
وهو يقول, “و إن كان ذلك كذلك.. عد حين تنطفئ!”

  • قلت لي ما اسمك؟
  • عابد. كيف لك الا تعرف اسمي؟ انا حفيدك الوحيد لا احفاد غيري! وكنت تسأل عن ابي؟ انت عجوز تنسي كما تقول امي….
  • صه. و اسمع. انت ثرثار. لا تكثر الكلام. قد سألتك عن اسمك فقط. لا تتحدث اكثر من المطلوب و ان استطعت الا تفعل فذاك أفضل.

مرت الأيام بعد الايام و شهور بعد الشهور و كل يوم بدرس و كل درس بحكمة و كل حكمة تترك أثرا داميا في قلب الغلام و جسده. فلقد كان الجد عجوز السن فقط و لكنه حاد البصيره غليظ الكلمات ميت القلب. لا يبالي بمن راح و جاء. لا يشغل باله بمن مات و حيا. و كأن له كون وحده هو محوره , ليله و ظلمائـه , فلا شمس في هذا الكون البائس الموحش.
سقيٰ الجد حفيده مع مرور السنوات كل عصارة حياته و ان شئت فقل سواد قلبه و قساوته. كأن الرجل العجوز يرفض الموت و يقاوم التقدم في العمر ليعيش بجوار حفيده الذي صار شابا مختلفا عن طفولته التي قد كانت دُفنت من اثني عشرة سنة تحت موقد جده الذي لا ينطفئ.

ذات ليلة شاتية جاء ابن العجوز الاكبر يجر ذيل جلبابه ذيل هزيمته.
– أبي.. قد قام – أبويا الحاج – أنور ، بالتعدي علي ارضنا و ضم منها سلخة بطول العشرون فدانا إلي أرضه و شق بيننا جسرا جديدا. و حين قمت بمقاومة احفاده. ضربوني و انا اعزل و قد كبر سني فأنا الان في السابعه و الخمسين. وهم شباب في العشرين و الثلاثين من اعمارهم. وحين ذهبت الي جدهم قال لي.. هل نار أبيك موقدة ام بال عليها كلبه؟
قال العجوز ولم يرفع نظره الي ابنه ولم يكلف نفسه بالاعتدال في ضجعته ليسمع فاجعة ابنه و ارضه..
– أنور من ؟
– أنور هذا صديقك يا ابي. هل تذكره!
– وقد فعل ما تقول…!
– نعم فعل و قال لي اسأل…
– صه. لا تتحدث كثيرا.
– اذن؟
– اذن.. اذهب الي المأمور و قص عليه ما ذكرت لي و ضع امامه اوراق ملكيتك للارض و اجعل لك محاميا.
– ولكن يا ابي هو لم يأخذ من ارضي. هي ارضك انت!!

اعتدل العجوز في جلسته و امسك عصاه و زج بطرفها في خشب الموقد فاشتعلت النار عالية كادت تصل لوجه ابنه الواقف امامه و امام النار.
وقال
– اذن هو صديقي و قد بلغتني بما فعل فاذهب الان فقد اديت ما عليك.

جلس الرجل العجوز و وجهه يواجه وجه حفيده الذي كان لا يكاد يري احدا و لا أحد يراه خلال العشر سنوات الأخيره اللواتي قسي فيها قلبه و فسد و تحجرت ملامحه و صار مثل جده في شبابه البائد.
كان العجوز في ازمنة غابرة شابا ليس بقصير و لا طويل.. تحسبه ضخما طويلا، تهابه من بعيد و تخشاه من قريب لا تري في جميع جسمه اي عظم بارز و لا تشعر في لمسته بطراوة اللحم و الجلد. بل كان لحم جسمه كانه شق من حجر و جلده كأنما جلد جمل. لا يحب أحدا و لا يتواني في كره أحد.
وبالرغم من مسبحته العتيقة المنقوشة حباتها الألف و المصنوعة من الأبانوس و التي قد حجت معه بيت الله منذ قرابة الاربعين عاما و بالرغم من صوته الذي نادرا ما يسمعه احد الا و هو يسبح عليها و يقرأ سورتي الفاتحة و الاخلاص . الا انه لا يبالي ان قتل و ان سرق و ان حرق مادام يدافع عن كونه الذي هو فيه رب.

اخذ يحكي العجوز لحفيده عن شبابه و كيف اشتري العشرين فدانا سهما سهما و كيف صمم عليهم و كيف حفر بيديه الخاويتين ترعة شق لها في الارض مكانا يجري فيه الماء من النيل الي فدادينه و وقف ضد الحكومة و اهل القريه وما استطاع احدا ان يثنيه عن ذلك
ثم قال
– قد سمعت يا بني ما قال ابيك…وانا رجل عجوز.. فماذا انت فاعل!
قال عابد…
– الفعل لا يقال و انما ينفذ. غدا او بعد غد تعود الارض كما كانت.

و علي حين غفلة من اهلها جاء إلي البلده رجال اشداء في ليلة باردة سوداء نامت فيها الاحياء كالأمواتو , ثم جعلوا يضربون الارض بأرجلهم كأنهم يتحدون احدا ان يقاومهم.. فلم يجدوا فيها احدا. ذهبوا الي الارض و اضرموا نارا كأنها شمس اشرقت.. و بدأوا في ازاحة الجسر الذي بناه احفاد انور و اعادوا الارض كما كانت ثم دقوا اعمدة حديديه حول الارض و سلك شائك حول الاعمده و جعلوا لها بابا للدخول و بابا للخروج
ولما اشرقت شمس السماء عليهم و كان احفاد انور الاقوياء قد ظهروا من بعيد فلما رأوا ذلك اخذتهم الحمية و دارت معركة بين هؤلاء و اولئك. اصيب فيها من ابناء انور واحد و اثناء المعركة ذهب احد ابناء أنور الي بيت العجوز ظنا منه انه وحيد في مندرته فيقتله. فوجد عابد جالس مع جده يسقيه ماء.
فلما رآه كأنما اغشي عليه من الموت. أتي به عابد لجده
قال له الرجل العجوز…
– انت ابن انور
– لا انا حفيده
– اذن اذهب و قل لجدك نار العبد لم تطفئ و هو لايعرف كلبا غيرك يبول علي موقده. .. اذهب.

تركه عابد فاذا به يهرول ممسكا طرف جلبابه بفمه متجها الي مندرة أنور في اخر القرية. و قد سال علي جسده كله عرق بارد احس به لما امسكت به قبضة عابد و اطبقت علي كتفه و رقبته . فلم يعهد قبل ذلك يد بهذه الغلظة و القوة كأنها يد من حجر لم تمسها الماء قط.

انتهت المعركة عند الارض بموت اثنين من الرجال الذين قد اجرهم عابد. و اتت الشرطة فقبضوا علي احفاد انور الذين وجدوهم في مكان الحادث. حكم علي احدهم بعشر سنوات مع الشغل.

بعد اسبوع و في ليلة يوم الخميس خرج عابد مودعا جده الذي يوري بعصاه نار موقده. فهو معتاد ان يخرج في هذا الوقت كل اسبوع يلقي بجسده بين احضان الغواني و بنات الليل. ثم يعود مع الفجر ليوقظ جده ان كان قد نام امام موقده او يوبخه جده ان كان منتظرا.
عاد عابد حينها ليجد جده مائل علي الارض مقتولا و في فمه و ضعت قطعة خشب محترق من موقده .
أزال عابد من فم العجوز ما اضره و أغلق عينيه و مسح وجهه و ألبسه عمامته التي كانت قد تدحرجت علي بعد خطوات ثم وضع يده تحت رأس جده و رفعها إليه وو ضعها علي فخذه ثم حاول أن يعتدل كأنهما يجلسان معا كأول مره و اكن هذه المره تتبدل الأماكن , فمن يسند من ؟
مد عابد يده إلي عباءة جده الصوفيه الخشنه التي قد وقعت علي الارض ثم فردها و لفها حولهما تماما كما حدث من خمسة عشر عاما و انتظر نزول اعمامه و ابيه من حجراتهم لصلاة الجمعة ليروا ما حدث

فزع الكل من هول المنظر و عابد جالس لا حراك.. حتي اتي اعمامه و ابيه وحملوا جثة ابيهم من مندرته الي حجرة نومه ليغسل و يذهب به الي المقابر.
– ألن تأتي يا عابد لتدفن جدك.!
– لا…
قالها وهو ممسكا عصا جده يوري بها نار موقده و قد تدثر بعباءته السوداء

بعد شهر من الحادثة…. سمع اهل القرية ان احفاد انور قد وجدوا جدهم مقتولا في مندرته و مقطوعة اذنيه و قد سُكب عليه بول كلب. يا لها من ميتة بشعه.

و حين قص عليه أعمامه ما حدث , قام عابد وقال سأذهب لتعزية أهله فقد كان صديق جدي!!

بعد عدة أيام جاء له أبوه و رآه ممسكا بعصا جده التي لا اسم للونها
فقال له ابوه مازحا.. أي عابد، هل علمت لها لون؟
قال له: نعم هي لون الموت.

قال يا ولدي ألم يئـن لك ان تجتمع بنا و امك!
قال عابد و هل نفذ شرط جدي
قال يا بني ان جدك قد مات منذ شهرين
قال : و لكن ناره لم تزل موقده

7 Comments

  1. قلبك ما زال كما هو يمتليء بكل ما تراه وتسمعه ولا تنسي منه شيء…..قصه اقل وصف انها رائعه.

    إعجاب

  2. اخيرا يا جراح خرجت من الشرنقه. كده انا متأكده انك بتحضر للملحمه اللي حلمت بيها و انت صغير.
    اكيد افتكرتني دلوقت.😊
    مبروك البدايه اللي انا نسميها موضوع تعبير بالنسبه للي تقدر تعمله.
    الكلام حلو و مليان احساس محتاج يتقري بشويش مع اني عند رأيي انه تسخين بس زي الصقر اللي أول مره يخرج من الشجره عشان يطير.💛

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.