مجدي محروس يكتب   ديسمبر لا يعرف الحب


 

ديسمبر لا يعرف الحب
قصة قصيرة / مجدي محروس
من مكاني فوقَ ذلك المقعدِ المتهالك، رحتُ أرقبُ رصيفَ المحطةِ وقد اكتظَّ بالمسافرين، وانطلقتْ عيناي ككاميرا بطيئةٍ تطوفُ بوجوه المحيطين، فهذا شابٌ – لا يملكُ من الحروف الهجائية سوى تسعة عشر حرفاً فقط – راح يسبُّ رفيقه بألفاظٍ نابية بصوت عالٍ مما رسم البسمةَ على وجوه كلِّ مَنْ سمعوا سبابه، وتلك امرأةٌ تهمسُ في أذن جارتِها بشيء ما احمرَّ له وجهُ الأخيرةِ خجلاً، وكوعها يغوص في جنبها برفق، وهذا يدخنُ سيجارةً وعيناه تراقبان سحبَ الدخانِ في شرودٍ وكأنَّه في عالمٍ آخرَ، وهذا شابٌ عابثٌ يغازلُ فتاةً تمرُّ من أمامه، وهي تتصنعُ الحياءَ، وبريقُ السعادةِ بعينيها يفضحُها، وهذا هَرِمٌ متصابٍ، عيناه معلقتان بردفي تلك المرأةِ التي يتموَّجُ جسدُها داخلَ العباءة كحيةٍ رقطاءَ، وما أن تشتدَّ السخونةُ بينَ فخذيه حتى يبلعَ ريقه في صعوبةٍ، وهو يطرحُ الجريدةَ التي بيده ليخفي عروقه النافرة، والتي سَرعانَ ما تستعيدُ هدوءَها حين تتوه ضالتُه بينَ الجموعِ المتزاحمةِ ليجدد رحلته في البحثِ عن امرأةٍ أخرى ..
أصواتُ الباعةِ الجائلين تعلو وتعلو، وكأنَّ صاحبَ الصوتِ الأعلى هو الأكثرُ رزقا ..
يصك آذاننا نفيرٌ قوي معلنا عن قدوم القطارِ، الذي أقبل يتهادى بين رصيفي المحطة كطاووسٍ ضخمٍ، غمره إحساسٌ بالتيه والغرور حين رأى الجميعَ وقد تركوا مواضعهم واقفين في تحفزٍ، وكأنَّهم يُقدمون له التحيةَ، وقبلَ أن تستقرَ عجلاتُ الطاووسِ فوقَ قضبانه كنتُ قد فزتُ بمقعدٍ مجاورٍ للباب، وتلك أهمية أن يمتلكَ المرءُ جسداً نحيفاً وقصيراً إلى حدٍ ما، يجعله يتسللُ بينَ الحشودِ فلا يشعرُ به أحد ..
القطارُ يتحركُ ببطءٍ كشيخٍ بلغ من العمر أرذله، يتكئ على عصا غليظة في شارعٍ ملئ بالحصى
و .. كانت تلك الصرخة ..
فتاةٌ تحاولُ الركوبَ، وكادت تهوي تحت عجلاته ..
تحركتْ يدي بحركةٍ لا إراديةٍ، وقبضتُ على كفِّ الفتاةِ، وجذبتُها لداخل القطار ..
وفي تلك اللحظة انفكت عقدةُ لسانِ رجلٍ على مشارفِ الخمسينات، وراح يبكي، وهو يضم الفتاة لصدره مردداً :
– ” ابنتي وفاء .. أنت بخير “.
ولكن الفتاة نظرت إلىَّ ..
إلى منقذها ..
ثم انخرطتْ في بكاءٍ حار، وحاول الجميعُ تهدئتها إلا أنا ..
لم أدرِ ماذا أقولُ لها .. هل أواسيها ؟ أم أهنئ نفسي؟ وقد التقطت أصابعي ملاكاً يندرُ أنْ تجدَ مثله هذه الأيام ..
ملاكٌ بكلِّ ما تحويه الكلمة من معان، الوجه الأبيض الجميل، العينان الواسعتان، الشفتان الرقيقتان، الفم الدقيق ..
استيقظتُ من شرودي على بكاءِ الأبِ وهو يضمُّها لصدره، فمددتُ يدي والتقطتُ أطرافَ أناملِها الباردةِ وأجلستُها مكاني، وراح والدها يشكرني وأنا أردُّ عليه بهمهمات لا معني لها، وعيناي معلقة بذلك الكائن الملائكي الرقيق ..
توردت وجنتاها كثمرةٍ ناضجةٍ، وقد أحسَّت بنظراتي إليها ..
طافت عيناي بملامحها الرقيقة، وتنهدتُ في راحةٍ كغواصٍ وجدَ ضالته بعدَ عناءٍ طويل، وهمستْ أعماقي بصوتٍ لم يتعدَ حلقي:
– هل التقينا من قبلُ ؟
أجابتني عيناها بابتسامةٍ عابثةٍ ماكرةٍ، وكأنَّها سمعت سؤالي ..
ربَّاه !! ما لهذا القطار اللعين لا تكادُ عجلاتُه تلامس القضبان ؟
من بين شفتيها هتفت بأبيها كسيمفونية رقيقة وهي تنهض، وعيناها لا تفارقان وجهي الذي اعتراه الشحوبُ :
ـ لقد وصلنا .
شقَّتْ طريقها أمامَ أبيها، وقد انخلع قلبي مع كلِّ حرفٍ نطقتْ به، وكدت أتشبثُ بها مطالباً إياها بالانتظار ..
ولكن أنَّى لي ذلك ونفيرُ الطاووس جعلهما يسارعان بالنزولِ وسطَ الجموعِ المتدافعة، فهوى جسدي مكانها خلفَ النافذةِ، غيرَ عابئٍ بالعيون المتسائلة المحيطة بي، وعيناي معلقتان بها وهي تتجه مع والدها نحوَ إحدى العربات ذات الجياد، وما أن استقرا فوقَ العربةِ حتى أطلقَ الجوادُ صهيلاً قوياً، وهو يرفعُ قائميه الأماميين في سعادةٍ، فكان وقعُ حوافره على الأرضِ كمطرقةٍ من الصلبِ تدقُّ قلبي ..
القطار يتحرك في بطءٍ، والعربة تبتعد ..
ومن جانبِ العربةِ أطلتِ الفتاةُ برأسِها ..
التقتْ عينانا في نظرةٍ أخيرة، وبحركةٍ خفيَّةٍ من أصابعها لوَّحتْ لي ..
ولكن ..
ربَّاه !!
لقد فقدتْ عيناها ابتسامتها !!
تمت بحمد الله
مجدي محروس

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.