نجلاء لطفي تكتب   البضاعة المُباعة لا تُرد


 

البضاعة المُباعة لا تُرد

:صرخ في كعادته عند خروجه للعمل
ست فاشلة ومهملة مش كفایه مش مستحملك بعد ماعجزتي كمان مقصرة في واجباتك أنا زهقت منك- وهاتجوز علیكي واحدة ست بجد
كلمات أسمعها كل یوم لمدة عشرین سنه متواصلة ، في البدایة كانت ترعبني وتجعلني أفعل أي شيء لأنال رضاه المستحیل ، وبعد فترة صارت تلك الكلمات توجعني وتبكیني بكاء مُر ، أما الأن فلم تعد تؤثرفي لأنه لم
.یعد یعني لي شیئا
وقفت أمام المرآة لأرى علامات الشباب التي رحلت عن وجهي وجسدي وحلت محلها التجاعید وبعض الشعیرات البیضاء وبعض الترهلات التي أصابت جسدي نتیجة إنجاب ثلاثة أطفال في سنوات متقاربة وفقا لرغبته،و بعدما أفنیت عمري في خدمته هو وأولاده ولم أسمع منه أبدا كلمة شكر ولم یمنحني یوما إبتسامة رضا، إنما كانت تنهمر كلمات اللوم والتقریع والإهانة من فمه كالسیل بلا انقطاع. ضاع الشباب هدرا مع رجل بلا مشاعر ولا قلب، ولا یُقدر أي شئ ویهددني دائما بالزواج بأخرى، وذلك سبب لي الكثیر من الخوف
.والإضطراب وعدم الإحساس بالأمان، كما سبب لي العدید من الأمراض
أعددت لنفسي فنجانا من القهوة وجلست أحتسیه بهدوء بعد خروج الأبناء للدراسة وخروجه لعمله وفكرت لماذا أشعر بالخوف من زواجه من غیري؟ قد یكون الزواج من أخرى مهددا لعرش المرأة إن كان زوجها
وسیما أما هذا المترهل صاحب الكرش الممتد أمامه نحو متر ونصف، والتكشیرة التي تخوف مدنا بأكملها ، ولسانه الذي یُقطر سُماً فإن زواجه من أخرى هو النعیم كله، قد أخشى علیه إن كان صاحب ثروة وقد أن یبددها على فتاة أخرى ویتركني أنا وأولادي بلا سند ، لكن المأسوف على شبابه لا یمتلك سوى راتبه كموظف حكومة ودخله من سیارة یؤجرها لإحدى شركات السیارات وهو یكفینا بالكاد لولا راتبي وراتب الولدین اللذان یعملان .بجوار دراستهما الجامعیة
حقا فلیتزوج من أخرى فذاك الزواج في مثل هذا العمركله ممیزات فهو یعني أنه سیقضي معها ثلاثة أیام أتمتع فیهم بحریتي فأذهب لوالدتي وأقضي معها الیوم كله بدلا من ساعة أجري بعدها حتى لا أتلقى سیلا من الإهانات، كما أستطیع زیارة أقاربي الذین منعني من زیارتهم نهائیا منذ زواجنا، بل ویعني الخروج مع الصدیقات وممارسة الهوایات العدیدة التي نسیتها في خضم لهاثي لإرضاء جلالته فأهملت هوایة الرسم
والتطریز ونسیت القراءة تماما خاصة أنه كان یسخر مني كلما وجدني أقرأ كتابا، إن زواجه من أخرى یعني تمتعي بقدر من الحریة التي حرمني منها سنوات حتى صرت كالمساجین مدى الحیاة .زواجه من أخرى یعني أن المهام ستتوزع بیننا وكذلك اللوم والشجار وتلك التكشیرة ستشاركني فیها أخرى، كما أنها ستتولى تذكیره بمواعید أدویة الضغط والسكر وستقوم بصنع طعام معین یناسب صحته وستتلقى اللوم على ذلك الطعام السئ
.الذي لا یحبه بل یرید الأطعمة الدسمه والحلوى لیملأ كرشه
قررت أن أشجعه على تلك الفكرة وأغذیها في نفسه لأتمتع بتلك الحریة، بدأت الخطة بشكوتي الدائمة من الأمراض التي أقعدتني بسبب كبرسني وأني أشعر بثقل السنوات على نفسي وأنه یستحق صبیة صغیرة لیتمتع بشبابه معها وتلبي له كل رغباته، في البدایة لم یصدق كلامي لكن عندما كررته سعد به وأبدیت له إستعدادي أن أختار له زوجة مناسبة فصمت. وبعد أسبوعین أخبرني أنه وجد العروس المنشودة زمیلة له في بدایة الثلاثینات مطلقة ولها طفل یعیش مع طلیقها وزوجته، سیستأجر لها شقة قریبة من عمله حتى لا یجرح :مشاعري فقلت له
ماعندیش مانع أنا یهمني سعادتك لكن عندي شرط واحد، إنك تعدل بیننا-
طبعا إنتي عارفة إني باخاف ربنا-
عارفة طبعا-
في الأیام التالیة زالت التكشیرة وارتسمت مكانها الإبتسامة وصار یهتم بشكله وبملابسه وكأن ذلك الإهتمام مُحرم على الزوجات لكنه مباح للغرباء فقط، أصبح لطیفا معي یُراعي مشاعري ویعطف علي حتى یتأكد من إتمام الزواج بلا مشاكل. تم الزواج ولا أنكر أني في البدایة شعرت ببعض الغیرة والضیق لكني سرعان ما تغلبت علیهما بعد أن تذوقت طعم الحریة فلم یعد یمنعني عن أحد لأنه لم یعد یغار علي لأني في نظره امرأة عجوز، بینما هو الذي یكبرني بسبع سنوات وتجاوز الخمسین مازال في ریعان شبابه. لم أعد أبالي به بل
تمتعت بكل الأشیاء التي حرمني منها لسنوات عدیدة وشغلت وقتي بأشیاء أحبها غیر المطبخ وترتیب البیت
والعمل. بعد إنتهاء شهر العسل عاد إلي متبرما من تلك الصغیرة الرعناء التي لا تستجیب لأوامره بل وكثیرا ماترد علیه ولا تخضع له، فخفت أن یطلقها ویعود لممارسة دیكتاتوریته علي فكنت أهون علیه وألطف :مابینهما حتى یعود فتصفو نفسه تجاهها فیبتسم ویقول لي
یاه أد كده قلبك طیب ولسه بیحبني وخایفه على سعادتي؟-
طبعا ماهي سعادتك هي سعادتي-
كم كنت كاذبة فأنا لم أعد أبالي به أبدا إنما صرت أخشى على قدر الحریه المتاح لي أن یضیع مني. استمر زواجه بالأخرى عاما ثم علم بعدها أنها حامل فغضب وهاج وماج وترك لها البیت وجاء للإقامة عندي فكانت تلك الطامة الكبرى فقد سلبني كل الحریة التي حصلت علیها وخشیت أن یفكر في طلاقها ویجثم على أنفاسي :من جدید فحاولت إیجاد مبرر لها فقلت له
هي برضه من حقها یكون لها أولاد خاصة إن إبنها مع جوزها وإنت عندك أولاد لكن هي محرومة وكمان- عایزه تطمن إنك مش هتسیبها وإن جوازكم مجرد نزوة
بس أنا متفق معاها من البدایة إننا مش هنخلف أنا عدیت الخمسین هاربیه إمتى؟-
یعني لسه شباب وربنا یدیك العمر ، طیب تقدر تقول إیه الحل؟ هتسقطها وتقتل روح وربنا یحاسبك وإنت اللي- بتخاف ربنا؟ هي غلبانة ومحتاجه عیل یملا حیاتها ویربطك بیها
شایفه كده؟-
طبعا إرجع كده وصلي على النبي ماتدخلش الشیطان بینكم-
حاضر یا أم قلب طیب-
أین كانت تلك الكلمات الحانیة وتلك الإبتسامة عندما كنت في أمس الحاجة إلیهما وكنت أتسولهما منك؟ هل شعرت الأن فقط بطیبة قلبي؟ هل أصبح رأیي محل اعتبارك؟ ألم أعد تلك التافهة التي لا تُجید التفكیر؟؟ هل
هبط حبي على قلبك فجأة؟ المشاعر عندما تأتي متأخرة تفقد قیمتها ومعناها. عاد زوجي لزوجته الثانیة وشغلت وقت فراغي بعد عملي الحكومي في تطریز فساتین السهرة والسواریه للصدیقات في مقابل مادي بسیط ، ثم اقترحت صدیقة علي أن أعمل معها في الأتیلیه الخاص بها فوافقت وأخذت أجازة بدون مرتب من عملي وعملت معها بكل جهدي حتى حققنا دخلا لا بأس به فقررت توسیع عملها وفتح أتیلیه أخر فدخلت معها
.كشریكة واستهلك العمل كل وقتي وأصبح یدر علي دخلا لا بأس به
في تلك الأثناء وضعت زوجة زوجي طفلها الأول فانشغلت به عن زوجي الذي عاد إلي منتظرا أن یجدني تحت قدمیه ألبي رغباته ففوجىء بشخصیة أخرى مستقلة ومشغولة عنه بعملها الخاص، إهتممت بمظهري وبرشاقتي فبدوت أصغر سنا أما هو فزادت همومه فبدا أكبر سنا وزاده المرض كبرا. كنت أعد له الإفطار وأتركه قبل نزولي أما الغداء فعلیه أن یقوم بتسخینه لأني لا أعود إلا متأخرة ولم یعد قادرا على الإعتراض لأني تولیت الإنفاق على البیت تماما لأن راتبه بالكاد یكفي بیته الأخر ومطالب الطفل الصغیر. بعد أن كان مدللا من زوجتین صار ضائعا بینهما لایجد من تهتم به ، وعندما فرغ صبره ثار علي ذات لیلة عندما عدت :متأخرة من عملي وتناول هو ساندویتشات فول وطعمیه كغداء له واتخذ قراره العنتري وقال
من النهارده مافیش شغل وهترجعي تاني زي زمان-
متأخر أوي قرارك ده ، زمان كنت تحت رجلیك وماكانش عاجبك ودورت على غیري ودلوقتي لما لقیت- نفسي عایزني أرجع للقهر تاني؟ المارد لما بیخرج من القمقم مابیرجعش تاني،حتى لو رجعت لشغلي الحكومي هتقدر تفتح بیتین بمرتبك؟ وماتنساش إن أولادك خلاص هیتخرجوا واللي عایز یسافر واللي عایز یتجوز هتجیب ده كله منین؟
:احمر وجهه وانفجر كالبركان قائلا
بتعایریني بالفلوس اللي بتصرفیها؟ واﷲ ما أنا قاعد لك-
:ذهب لزوجته الأخرى وأفرغ طاقة غضبه فیها هي الأخرى فاتصلت بي باكیة وقالت
أنا تعبت مش قادرة قایدة صوابعي العشرة شمع ومش عاجبه، باشتغل وأراعي طفل صغیر غیر شغل البیت- وكل یوم خناقات ومشاكل أنا خلاص جبت أخري، كنتي مستحملاه إزاي؟
ماتنسیش إنتي اللي إخترتي راجل كبیر ومتجوز ومریض ضغط وسكر، عجبك لطفه وظرفه في الشغل لكن- حقیقة أي راجل في بیته غیر حقیقته مع الناس حاولت أفهمك ده افتكرتیها غیره مني، ماتخربیش على نفسكوعلى إبنك وتطلقي لتاني مره إنتي عارفه إن الناس مش هترحمك استحملي وعیشي وافتكري إني قلت لك قبل الجواز البضاعة المُباعة لا تُرد فاكره ردیتي وقلتي إیه؟
فاكره قلت هاشیله على راسي-
یبقى شیلي وإنتي ساكته وإدعي في صلاتك ولا أقولك جوزیه بالتالته عشان یخف عننا إحنا الإتنین.تمت-

نجلاء لطفي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.