إبراهيم جمال( الشهير بمحمد خالد) يكتب قصيدة صماء


 

اخر ما حرفته أنا، كانت قصيدة صماء.
قصيدة ظهر فيها السيد وهو يحمل ترابه الاول بيديه ليعيد تشكيل نفسه من جديد.
قال لي الشيطان ذات يوم بلسان الناصح الفطن:” ان الشيطان يخضع لغواية ابن ادم وليس العكس.” حينها كنت أطمع في ان يشرح لي مغزاه جيدا، اما اليوم فأنا ادرك تماما أن الشيطان أضعف بكثير من غوايتنا نحن البشر.
بالأمس تفلسفت كثيرا وسألتني وانا في نشوة من التفكير لماذا خلقنا من طين لازب، ليس من التراب وحده او الماء وحده؟!. ولما تذكرت حديث الشيطان الأول لي أدركت الاجابة فقلتها بانتشاء محدثا نفسي:” الماء وحده يطفئ النار أليس كذلك؟ والتراب أيضا وحده يفعل هذا؟ فاذا ما اختلطا سويا وصار الطين عجينا طريا وألقيناه على النار تصلب واشتد قوامه، فكأنما أراد الله أن يكتسب خليط الماء والطين هذا قوة النار وغضبها. ولعل هذا هو ادراك الشيطان انه لا قوة له في مواجهة البشر.”
اشار لي سيدي ان اكتب قصيدتي. فخططت أحرفها بهدوء الصوفي العابد، وخشوع التقي الساجد، وانحراف الشيطان الشارد. فجاء النظم مترددا والسجع رتيب. ولكن السيد تافه جدا ولا يحوز من البلاغة الا بقدر ما حازه منقار عصفور اغترف نقطة من بحر اللغة. لذا فهو يخضع أمام قصيدتي جاثيا على ركبتيه ظنا منه أن اختلالها هذا كمال فيها وعبقرية فذة.
كتبت بالأمس اليها من جديد، اخبرتها انني أدمنت الخيانة تماما لأدرك الجزء الذي اسرفته في عشقها الطاهر ونلت فيه من الأذى والتيه ما نلت. ولما أنها لا تقرأ ما أكتبه عادة، وترميه بطول ذراعها أسفل البيت فوق أزهار البنفسج هناك في حديقتها، فتعمدت الا ارسل اليها ما خطته يدي. ولأنها أنثى رغم قسوتها على، ارسلت تسألني أين قصيدتها التي اعتادت على ان ارسلها اليها في مثل هذا الوقت؟ فاجبتها بالصمت وأبديت لها ظهرى، لتقرأ ما حفرته فوقه من خيانات كل يوم.
كل يوم القى فيه سيدة اشاركها خطوات الطريق لبعض الوقت اشعر انني عدت حرا من أسرها، وما ان ترحل سيدة اليوم الا واجدني اختار الرجوع ثانية الى سجني الابدى.
قال لي الشيطان انها تتمتع بهذا، فأجبته:” اذن فانا لها كما ارادت، وتركته وغفوت”.
واما عن قصيدتي هذا المساء فكان السيد فيها يعيد تشكيلي من جديد لأصبح له كما يريد، فيخلقني قاصا بليغا، ومفوها، وفيلسوفا، وعاشقا، وخائنا ايضا.
يريد مني السيد أن اكتب له كل يوم قصة وقصيدة تشبعان فراغه الليلي وتشعلان مأساتي من جديد.
اكتب الان قصيدة اخرى، لا ادرك كيف بدات عندي، ولا الى اين ستنتهي، ما ادركه فقط ان الشيطان الذي يلهمني الاحرف قد ضجر من صمتي فرحل.
قال لي قبل ساعة من رحيله:” أوسوس اليك باحرفي طيلة قرن من الوقت، ولم تكتب الى الان قصيدة واحدة؟ انك لمختل ضعيف.”
رحل شيطاني عني فنظرت الى صورتها المعلقة الي جوار النافذة على حائط قديم قد هزمته السنون فبلغ به الكبر مبلغه وقلت لها:” هذه قصيدتي هذا المساء”. والقيتها كما اعتدت الى اشجار البنفسج أسفل نافذتي، ولم اكن اعي ان ثمة عصفور يحملها على جناحيه كل مساء لتقرأ وحدها دون
علمي ما وددت ان اكتبه.

#لاشئاخر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.