الاسكندرية كما وصفها إي إم فورستر يكتبها إسحاق بندري


 

 

الاسكندرية كما وصفها إي إم فورستر
يكتبها إسحاق بندري
قراءة في كتاب:
Alexandria, A History and A Guide
By: E M Forster
Introduction by: Lawrence Durrell
AUC Press, 2014
في خريف العام 1915 وصل الأديب البريطاني إدوارد مورجان فورستر إلى الاسكندرية كمتطوع في منظمة الصليب الأحمر إبان الحرب العالمية الأولى وقضى معظم وقته في التجول واستكشاف سحر وآثار المدينة. وبقلمه الروائي بعث إلى الحياة المدينة ذات الأسطورة الرومانسية التي شيدها الاسكندر المقدوني والتي شهدت أيضًا النهاية الدرامية لمأساة كليوپاترا ومارك أنطونيوس. هي عاصمة مصر في العصر الإغريقي الروماني ومنارة العالم ممثلةً في فنار فاروس ومكتبتها الجامعة العظيمة. يحيك فورستر نسيجًا متعدد الألوان من الخيوط الممتدة عبر قرابة ثلاثة آلاف عام من التاريخ العامر بصراعات السياسة والفكر واللاهوت, الذاخر بالأدب والعلوم والفنون, ليرسم لنا بقلمه لوحةً عن نفسه وعن المدينة في كتاب لا يضاهيه أي عمل آخر.


في هذه الطبعة الصادرة عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة مقدمة كتبها الأديب البريطاني لورانس داريل مؤلف الرواية الشهيرة “رباعية الاسكندرية” والذي زار المدينة لأول مرة في العام 1941, حاملًا كتاب فورستر كدليلٍ يهديه إلى تاريخ المدينة ومعالمها. يصف لورانس داريل هذا الكتاب بأنه عمل فني صغير لاحتوائه على أحد أجمل الكتابات النثرية لفورستر بلمساته الأدبية التي لا تخرج إلا من أديب قدير. ليشعر القارئ بما اختبره فورستر من مزيج متباين من المشاعر؛ بهجة الحياة في المدينة متعددة الألوان والأعراق كما وصفها في براعة رغم ما كابده من الشعور بالوحدة والاغتراب وربما الوقوع في الحب, ولكن ما أن فارقه هذه الشعور حتى وجد متعته في استكشاف المدينة.


يعقد لورانس داريل مقارنةً فارقةً بين قدومه للاسكندرية في العام 1941 بعد كتابة الكتاب بثلاثة وعشرين عامًا, وثماني أعوام من وفاة الشاعر اليوناني السكندري قسطنطين كڨافيس وكان من أصدقاء فورستر, ويا للعجب يكتشف داريل أن شيئًا لم يتغير منذ إصدار الكتاب, وظل لمدة عامين يتجول عبر المدينة برفقة كتاب فورستر, بل واستخدمه كمرجع لكتاب كان يود كتابته, ويذهب لاعتبار هذا الكتاب بنفس أهمية كتاب المستشرق إدوارد وليام لين عن القاهرة “عادات وتقاليد المصريين المحدثين”
” Customs and Manners of Modern Egyptians”
لتتناقض تلك الصورة مع زيارته في العام 1977 وقد تبدلت الاسكندرية ذات الطابع الكوزموپوليتاني المتعدد الأطياف اللغوية والعقائدية. فقد اختفت كل تلك المظاهر بعد سياسات التأميم ورحيل معظم الأجانب من مصر كلها وليس الاسكندرية فقط. وبحزنٍ بالغ يصف إقامته في أوتيل سيسيل العريق وقد تجرد من فخامته وأناقته المعهودتين, ويروي عن شقة كڨافيس التي تحولت إلى پنسيون أما مقتنياته ومتعلقاته وكتبه بالإضافة لمكتبه الذي سطر عليه أشهر قصائده: البربر, إيثاكا, عندما فارق الرب مارك أنطونيوس, وقصيدته الخالدة عن الاسكندرية “المدينة”, فقد تم تجميع كل ذلك في متحف يحمل اسمه في الطابق العلوي للقنصلية اليونانية. وللأسف يكتشف داريل أن المدينة قد أصبحت مُحْبِطَةً له لدرجة لا تُحتَمَل بعد مرور ثلاثة عقود على زيارته الأولى لها, بعد أن كان طبيعيًا أن تستمع في شوارعها إلى أحاديث بخمس لغات يتكلمها أطياف البشر فيها وقد اختفت هذه الرقائق المتنوعة وتآكل معها ما كان مميزًا في المدينة متنوعة الثقافات, وإن كان في داخله أمل يتجدد في انبعاث مجدها من جديد.

أما كاتبنا فهو الأديب البريطاني إي إم فورستر (1 يناير 1879 ـ 7 يونيو 1970) فهو من أهم الأدباء البريطانيين في القرن العشرين وكان يهتم في كتاباته بإبراز العلاقات الشخصية والعقد النفسية والاجتماعية والعرقية التي تقف عقبة في طريق هذه العلاقات ويركز في رواياته على إتباع الدوافع الكريمة وانتقاد الفروق بين الطبقات المجتمعية والرياء الاجتماعي, كما رُشحَ أكثر من مرة لجائزة نوبل في الأدب. وهو أحد المهتمين بالكتابة عما يُعْرَف بكوميديا الأخلاق Comedies of Manners وأشهر مؤلفاته:
A Passage to India, Howards End, A Room with a View, Where Angels Fear to Tread, Aspects of the Novel.
كان لفورستر هذا الجانب المغامر التَوَّاق للرحلات إذ قام برحلة إلى الهند قبل الحرب العالمية الأولى وربما كان في حسبانه أن يظل هناك بشكل مستمر, ولكن مع اندلاع الحرب وما سببته من إحباط وخيبة أمل, تطوع فورستر في منظمة الصليب الأحمر ووصل إلى الاسكندرية في العام 1915 وكانت مصر تحت الاحتلال البريطاني وقتها. كانت خطته المبدئية قضاء ثلاثة شهور ولكن مع تزايد شغفه بالاسكندرية بما أحدثته فيه من أثر بالغ تبدلت الخطط في المدينة ذات الطابع الكوزموپوليتاني, ومع من عرفهم من دائرة متنوعة من الأوروپيين الذين تقطعت بهم السبل هناك لظروف الحرب, جاءت الثمرة النهائية في كتابه عن الاسكندرية.
ينقسم الكتاب إلى جزأين؛ أولهما عن تاريخ الاسكندرية بشكل موجز, والثاني دليل سياحي عن معالم المدينة. والجانب التاريخي يتركز في معظمه على تاريخ المدينة في العصر الإغريقي اليوناني والعصر المسيحي, ثم يتحدث عن دخول العرب وينتقل إلى العصر الحديث. وربما يدلل ذلك على أن فورستر كان أكثر اهتمامًا بتاريخ المدينة القديم عما عايشه في مطلع القرن العشرين. في هذه الفصول القصيرة التي تقدم للقارئ لمحات موجزة عن تاريخ الاسكندرية عبر تلك العصور وما صاحبها من زخم ثقافي وأدبي وعلمي ولاهوتي وما انطوى عليه كل ذلك من صراعات ومشاحنات. وما يذكره فورستر في متن النص لا يجب أن نتعامل معه كحقائق مجردة ففيها ما يستوجب التحقق من مصداقيته؛ فهو ينظر للمسيحية الشرقية بروح التعالي الغربي, أو ما يذكره عن محمد علي باشا ويصف إصلاحاته أنها كانت سطحية ولا تهدف إلا إلى إبهار الرحَّالة الغربيين, وعلى حد تعبيره أن محمد علي كان يعجبه جوانب القوة والتسليح في الحضارة الغربية وغابت عنه النواحي الراقية الدقيقة منها.
في مقدمة الكتاب يذكر فورستر أن الجزء التاريخي هو استعراض لنشاط المدينة خلال 2250 سنة عبر فصول قصيرة بداية من إنشاء الاسكندرية على يد الاسكندر المقدوني مرورًا بالتاريخ البطلمي نهايةً بمأساة الملكة كليوپاترا التي يتحامل عليها, ثم العصر المسيحي فدخول العرب إلى مصر ويختم بموجز عن العصر الحديث. حلم المدينة الذي بدأ في مخيلة الاسكندر الأكبر وهو في سن الخامسة والعشرين عندما أصدر أوامره لمهندسه دينوكراتيس بتخطيط مدينة يونانية حول نواة راكوتيس إذ كان يريد عاصمة جديدة لمملكته في مصر ليخلد أفضل ما في الحضارة الهلينية وإن لم يمتد به العمر ليشهد المدينة في ذروة اكتمالها. لتصعد من بعده أسرة البطالمة وأهم منجزاتهم تشييد الفنار والمكتبة الجامعة التي حملت اسم الاسكندرية, وكانت مبانيها تشمل قاعات محاضرات ومعامل ومختبرات وحديقة نباتية وحديقة حيوانات.
كانت الفكرة في البداية أن تكون المكتبة نموذجًا لمكتبة أثينا ولكن مكتبة الاسكندرية صارت في نهاية الأمر أكثر ثراءً. كان يتم تمويل نفقاتها من القصر الملكي, وكان أحد الكهنة يتم تعيينه للإشراف على الإنفاق. كانت نموذجًا للجامعات الحديثة وإن لم يكن الفلاسفة والعلماء والأساتذة العاملين بها تحت اضطرار للتدريس إذ كان في إمكانهم الاكتفاء بمواصلة أبحاثهم ودراستهم فقط. أما المكتبة فكانت تحتوي على قرابة خمس مائة ألف كتاب ومخطوطة وكانت وظيفة أمين المكتبة من الوظائف مرموقة الشأن. يرجح فورستر أن اهتمام البطالمة كان يتوجه بالأكثر لدعم النشاط العلمي بالمكتبة أكثر من النشاط الفكري أو الفلسفي, فقد استقدموا للمكتبة فلاسفة من الدرجة الثانية من تلاميذ أرسطو, يُرجِع فورستر السبب إلى أن البطالمة كانوا مناهضين للفلسفة لما لها من أثر في ازدهار حرية الفكر والتعبير الأمر الذي سيكون نتيجته الطبيعية الكثير من التساؤل وشحذ الأذهان. فكان طبيعيًا أن ألا يبدر عن المفكرين أو الشعراء بالمكتبة ما يثير ضيق أرباب نعمتهم, ولم تزدهر مدرسة مكتبة الاسكندرية الفلسفية إلا بعد زوال حكم أسرة البطالمة.
أما السبق الأكبر الذي حدث في تقدم العلوم بفضل دعم البطالمة وتقديمهم كل التسهيلات الممكنة فيذهب فورستر لاعتبار أن الإنجاز العلمي الذي تم في القرن الثالث قبل الميلاد لا يقل في أهميته للإنسانية عن منجزات القرن التاسع عشر. ففي مجالي الرياضيات والجغرافيا تم حساب قطر الأرض على يد العالِم Erastothenes بما لا يبتعد كثيرًا عن الحسابات الحديثة, إذ لاحظ أن الشمس لا تلقي ظلًا في ظهيرة منتصف الصيف بأسوان بعكس الاسكندرية التي يوجد بها الظل. كما ظهرت فيها أيضًا نظرية دوران الشمس حول الأرض على يد كلاوديوس بطليموس وهي النظرية التي تبنتها الأجيال المتعاقبة حتى فَنَّدها جالليليو, ويذكر فورستر أن عالِمًا آخر بالمكتبة اسمه Aristarchus of Samos قال بدوران الأرض حول الشمس ولم يتبنَ أحد نظريته لأسباب نجهلها. ومن أهم الإنجازات أيضًا حساب التقويم الشمسي بدقة وتحديد موعد السنة الكبيسة. وفي الطب كان الطبيب Erasistratus أول من أدرك العلاقة بين الاضطرابات الجنسية وما تسببه من مشاكل نفسية وكاد أن يتوصل لاكتشاف الدورة الدموية بفضل أبحاثه على تشريح الحيوانات وجثث المجرمين.
كما كان للبطالمة الفضل في ابتكار عبادة سيراپيس, إذ لم يكن للمصريين أو اليونانيين فكرة أن دينًا ما على حق والآخر على خطأ, كان كل طرف يعتقد أن آلهة الطرف الآخر هي نفس آلهته ولكن بأسماء وأشكال مختلفة. ولذا اعتبر اليونانيون أن أوزوريس هو المقابل لديونيسيوس, ولذلك عندما قرر بطليموس سوتر ابتكار إلَه جديد لمدينة الاسكندرية قام بخلط العديد من العناصر المصرية واليونانية سويًا؛ وإن كان أوزوريس هو العنصر الرئيس لكونه أكثر الآلهة المصرية شيوعًا فقد مزجه مع العَجْل آپيس إله ممفيس وقَدَّمَ منه سيراپيس الذي خرجت صورته النهائية من أصول مصرية ولكنه اتخذ شكلًا وملمحًا يونانيًا إذ تدثر بثياب يونانية وكانت له لحية الإله زيوس.
ومع دخول المسيحية إلى مصر يذكر فورستر أن السُلْطات الرومانية لم تشغل نفسها بها كثيرًا إلا عندما تعارضت تعاليم المسيحية مع قوانين الامپراطورية التي كانت تعتبر القيصر إلهاً, ويورد نصًا لخطاب موجه إلى الامپراطور هادريان من أحد الولاة وفيه خلط بين المسيحيين وعبدة سيراپيس, فضلًا عن النزاع الذي كان يندلع بين المسيحيين والوثنيين في الاسكندرية ولعل قصة الفيلسوفة هيپاتيا هي المثال الأشهر على ذروة هذا الصراع وإن كان فورستر يشكك فيما نُسِبَ إلى هيپاتيا من إنجاز فكري لم يصل لنا منه معظمه ويعتقد أن في ذلك بعض المبالغة كما يرجح أنها كانت في منتصف العمر عندما قُتِلَتْ.
وبعد اعتناق الامپراطورية الرومانية للمسيحية تزايدت حدة الخلافات الداخلية بين المسيحيين وكثيرًا ما اتخذت هذه الخلافات طابعًا قوميًا في ثياب دينية, كما تزايدت المجادلات اللاهوتية مع ظهور التفكير الغنوصي وهرطقة آريوس وخلافه مع البابا أثناسيوس واضع صيغة قانون الإيمان المسيحي التي استقر عليها مجمع نيقية, ثم الخلاف على طبيعة المسيح وتوصيفها بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة أم طبيعيتين ومشيئتين, مما فصم العالم إلى شرق وغرب بعد مجمع خلقدونية المسكوني بسبب تعقيد الخلاف القائم حتى يومنا هذا بعد أن حفرت الاسكندرية لنفسها اسمًا في تاريخ المسيحية ومجامعها المسكونية وتعليمها الفكري سواء اتفقت معه أو اختلفت.
وليظهر جليًا أن السؤال العاصف للذهن الذي شغل الجميع بدايةً من الإغريق ثم اليهود الناطقين باليونانية من قاموا بترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية نهاية بالمسيحيين وأصحاب نظرية الأفلاطونية الحديثة عن جوهر العلاقة بين الله والإنسان وكيفية توصيفها؛ فهل الله قريب من الإنسان أم بعيد عنه؟ فإن كان قريبًا فكيف يكون أبديًا أزليًا في ذات الوقت, وإن كان بعيدًا فكيف يكون له اهتمام بالإنسان؟ وكيف أثمر كل ذلك عن ظهور مفاهيم الحكمة Sophia أو الكلمة Logos .
الاسكندرية التي وصفها القائد العربي عمرو بن العاص بأنها مدينة بها 4000 قصر, 4000 حمَّام, 400 مسرح, 1200 بائع خضروات, و 40000 يهودي. فأين ذهب كل ذلك المجد وتبدد عند مجيء فورستر للاسكندرية؟ لعله لم يجد ختامًا أفضل من قصيدة صديقه قسطنطين كڨافيس “عندما فارق الرب مارك أنطونيوس” التي قال فيها:
“تَعَلَمْ فن الخسارة
لا تندب حظك الذي ضاع
ولا خطط حياتكَ التي أَخْفَقَت
ولا آمالكَ التي أُحْبِطَتْ
لا تيأس بلا جدوى
ولكن مثل من تهيأ لذلك منذ زمن طويل
وتحلى بالشجاعة
عليكَ أن تودعها
وَدَّعْ الاسكندرية التي ترحل
وحاذر أن تخدع نفسكَ
ولا تقل أبدًا:
لقد كان الأمر كله حلمًا وتوهمات
لا تستسلم أبدًا لتلك الأحلام الفارغة
وقُلْ لها وداعًا
وداعًا للاسكندرية التي تضيع منكَ”
ربما يجد القارئ المصري في كتاب إي إم فورستر عن الاسكندرية ما يتوجب التأكد والتيقن من صحته ولكنه لن يفقد متعة القراءة لهذا السرد النثري الممتع المفعم بروح الدعابة, ووسط ما في صفحات الكتاب من معلومات مركزة عن موضوعات متنوعة ما بين التاريخ والفكر والثقافة واللاهوت, سيكتشف القارئ أنه في حاجة لمزيد من القراءة عن الاسكندرية ذات التاريخ المتعدد الرقائق الثقافية والعرقية والعقائدية بكل تنوعاته ومراحل الصعود والهبوط التي شهدتها المدينة الملهمة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.