“براءة أولاف ” بقلم الكاتب/ عبد التواب حسن


براءة أولاف
في عام ألفين وتسعة عشر وفى كلية تمريض جامعة القاهرة، شاب يافع الطول،فى التاسعة عشرة من عمره، تواصل مع فتاة بخصوص محاضرة لا يفهمها، لانعقاد امتحان فيها صباح اليوم التالى

أرسل لها رسالة عبر الهاتف يقول : السلام عليكم، إذا تكرمت، أود لو تشرحين لى محاضرة ما فى مادة التشريح

= وعليكم السلام، لا بأس، أي محاضرة تريد؟!

_ محاضرة عظام الحوض

= لست أمانع، لكن لا سبيل للشرح فى تسجيل صوتى، فأنا لا أجيد ذلك، سأكون فى مكتبة الكلية من السابعة صباحا، أقبِلْ مبكرًا، وسأشرحها لك…

_ لست معتادا للقدوم مبكرا، وصراحة أخجل من تلبية دعوتك

= حاول أن تأتى مبكرا فحسب، ولا تخجل من شيء

_ سأفعل إن شاء الله، آسف على الإزعاج

= لا عليك يا دكتور

…………………………………………………………

فى صباح اليوم التالى، قام صاحبنا من نومه، ارتدى ملابسه على الفور، واستقل سيارة أجرة، قاصدا القصر العينى،ثم أرسل رسالة لها : ها أنذا قد وصلت، أين أنت؟!

= أنا فى المكتبة، وأنت؟!

_ فى المكتبة أيضا!!

=كيف أعرفك؟!

_ أرتدى بلوفر أخضر،سماتى مستدير الوجه قليلا،حليق الشعر، تنبت لحية خفيفة أسفل ذقنى، أظن أنى أجلس أمامك، هل أشير لك بيدى؟!

= لا لا لا تفعل!! لقد رأيتك!! ما هذا؟! هل هذا أنت؟!

_ماذا؟!.لِمَ هذا الاندهاش؟!

= لا تعبأ بالأمر، اتركنى بضع دقائق، تشرح صديقتى لى شيئا وسآتى إليك…

هو يهمس فى نفسه : يا ترى أي فتاة فيهما تكون؟! تقريبا هذه، لا بل الأخرى، سأعرف الآن على أية حال….

أرسل إليها رسالة نصية قائلا : هل ستأتى أم آتى إليك؟! الامتحان يقترب!!

= اجلس مكانك، أنا قادمة

إذ بفتاة تنهض من كرسيها، ترتدى مِعطفًا أبيضا، مهقاء الوجه، متوسطة الطول، تسحب كرسيا لتجلس مقابل صاحبنا، ممسكة بكتابها قائلة :أي المحاضرات تقف معك؟!

يجيب بتلعثم : هذه المحاضرة

انتهت الفتاة من شرح المحاضرة، وكأنها معيدة جامعية، استفاد صاحبنا أيما استفادة، شكرها، وانصرف لامتحانه راشدا، ومِن هنا بدأ عهد صاحبنا بالجلوس فى المكتبة، وكان مسارا جديدا فى حياته، حيث انتهى من الامتحان، هبط درج السُّلّم قاصدا المكتبة، وكذا كان يفعل بعد كل محاضرة، تمده هى بالمذكرات والأوراق؛ ليذاكر…..

مرَّ الأسبوع تلو الأسبوع، حتى صارا أصدقاء، وكان للتواصل نصيب بينهما، فزالت الألقاب والكلفة شيئا فشيئا ، ولم يعد للشكر مكان بينهما، لم يخجل صاحبنا من ذكر سيرتها أمام والدته إطلاقا، حيث كانت والدته تشترك مع صديقته فى حبهما الشديد للرسوم المتحركة، حتى أن والدته كانت تعلَمَهُ حين يرضى، وحين يغضب، حيث كان دلالة رضاه عودته للبيت وقت المغيب؛ لقضائه أديم النهار معها، فى المذاكرة لا غير، كن حسن الظن عزيزى القارئ ، أما عند تشاجره معها تراه في بيته ظهرا..

مرضت الفتاة؛ لضعف مناعتها، وأصاب صاحبنا الحزن على حالها، ولم يتركها وظل ينصحها بالعلاج، والاهتمام بحالها، يتواصل مع صديقتها المقربة؛ للاطمئنان عليها، تناولها للدواء، ونومها، وينصحها بألا تألو جهدا فى سبيل رعايتها….

وعادت أيام المذاكرة والمكتبة مرة أخرى، وكان يجلس جوارها؛لتشرح له دوما، وأحيانا، وهى تشير بأيديها، تتلامس اليدان عفويا؛ فتسحب يداها فى خجل قد كلَّلَ جبينها، وأطلق صديقنا عليها اسما لم يُسمِّه لأحد سواها،وكان يعجبها هذا الاسم جدا، وتقول لا ينادينى به غيرك، وكان يتحين الفرصة بعد الأخرى؛ ويسطِّر اسمها على كتابها، وكانت للكتابة حظ كبير فى تواصلهما….

والجدير بالذكر هنا، حين دعاها للغداء معه ذات مرة؛ وألحَّ كثيرا عليها، لكنها أبَت ومضت، فإذ به يصنع كعادته قبل دخول المطعم، يتفقد نقوده، فلم يجد إلا خمس جنيهات، فقَد فقدَ صاحبنا ماله، كاد أن يُصدَم، ماذا لو أجابت دعوته؟! كيف سيكون حاله؟! حتما سيكون لهما من تنظيف الأطباق والأرضية نصيب……

لطالما قالت له أنت طفل حين يتشبث برأيه، ويَعْلَق بالأشياء كما يعْلَق الأطفال، لكنها كانت تريده رجلا بحق، كان لا يتقبل كلمة كهذه أو نقدا من أي مخلوق كان، لكنه كان يقبلها منها على مضض، ثم تعودُ هى ، وتذبُّ عنه حين ينعت نفسه بالحزن والكئابة، وتقول له بأن شخصية مرحة تكمن داخله ، لكنه لا يدرى عنها شيئا….

لطالما كان صاحبنا يتحدث عن الحب باستخفاف، فتعاتبه هى
قائلة : الحب ليس لُعبَة، الحُب عطاء وحياة، من يحبك لن يتركك حتى لو كنت شوكا بين يديه، فى البال ذكرى ترفض النسيان، لا يذكر أحدٌ أحدًا فى دعائه إلا وقد صدق فى حبه…….

وفى ليلة مطيرة، البرد قارس، والهواء يداعب الوجه، أرسلت له قائلة : لقد دعوت لك فى المطر!!

_شكرا عزيزتى، بماذا دعوت؟!

= لَا شأن لك بهذا!!

_ كما تشاءين، وأنا أيضا سأدعو لك

=ما هذا؟! لو لم أخبرك بدعائى لك، لم تكن لِتدْعُ لى إذن!

_ أعتذر فقد نسيتك!!

= ما هذا؟! تقولها فى وجهى!!

_ أمزح معك، لم أنساك أبدا لأتذكرك

=سلِمْتَ لى

_ولِى سَلِمْتِ!!

_ تعلمين أود لو أتسوق لشراء بعض الملابس لى، لكنى متحير، لا أدرى مع من أتسوق!!

= لست أمانع لو أتسوق معك؛ لأساعدك فى انتقاء ثيابك

_ حفظك الله لِى، على أية حال، سأتروى فى الأمر أولا، ثم أخبرك

=خيرٌ إن شاء الله

_ مالِى أطوفُ الدارَ مهلًا إنما…………

= إنما ماذا؟!

_ اشتاق قلبى لِلِّقا وتبسَّمَ

= قريبا إن شاء الله، طلبت منك سابقا أن نلتقى ، وحزنت لذلك

_لم أحزن كنت أتوق لرؤيتك؛ لكن أنت تعلمين السبب الذى منعنى من المجيء

= أعلمه جيدا، لا داعى لذكره؛ حتى لا يعلمه القراء!!

_سأفعل ما أردتِ، لكن لا بُدَّ من نسج الخيوط مجددا!!

=عن أي خيوط تتحدث؟!

_خيوط قصيدة أعياها السهر، وأنهكتها الليالى والذكريات!!

= ستُنسَج الخيوط طوعًا طالما أنا من يتحكم بها

_ ثقة لا تُبارَى!!

=هل رأيت ثقةً كثقتى؟!

_لم أرَ الثقة إلا فيك خصوصًا حين تضعين أصبعك على خدك، تبدين وَرْقاء!!

= ماذا تعنى؟!

_يعنى ذِئبَة!

= نعم؟؟!!

_ حمامة، كلا المعنيين صحيح

=ولِمَ أخبرتنى بأنى ذِئبة أولا؟

_لأنك ذِئبة بالفعل، أُبدِلَت همزتها هاء

=أنت لا تطاق!!

_ لذلك أحببتينى!!

=اجلس سأنصرف وأدعك وحدك

_وأنا لن أدَعَ فتاة سرقت منِّى قلبى!! لا بد من استرداده

= كما تشاء!! فَلْتتحمَّل نتيجة اختيارك الخطأ!!

_سيكون أحب خطأ ارتكبته فى حياتى

= وأنت ستكون أعظم نخلة تظلَّلْتُ بها

_بل أنت أعظم نخلة بعد حذف نقطة خائها!!

=هذه عقَبَتِى أنى صادقت كاتبا، لا أسلم من قيود حروفه

_ إذا أحَبَّ القلبُ قلبًا، لم يرَ العيبَ عيبًا

= سأكون خيرَ رفيقة لك، لن أخذلك يوما فى اختيارك لى شريكة

_ وأنا أيضا لن أخذلك يوما فى اختيارك لى نخلة لا يجدب طلحها!!

= سأفقد صوابى بعد هذا الحديث!!

  • داهمَتْهم مشرفة المكتبة على حين غرة منهم قائلة :بسم الله ما شاء الله، هل تذاكرون أم تتحدثون؟! التزموا الصمت فى المكتبة!!

=أنا لا أتحدث، هو من كان يذاكر بصوت مرتفع،
ينبغى أن أنصرف الآن!! ؛ لأنى تأخرت، إلى اللقاء. …..

مشرفة المكتبة : أخفِض صوتك، أنت فى مكتبة يا أستاذ!!
لا تُزْعِجْ زملاءك….

_سأفعل لكن هي … …………

مشرفة المكتبة: انتهى الأمر، لا تكرر هذا ثانية

_أنا أسف لحضرتك

يا لدهائها!! والله ذِئبَة بالفعل،

سترين صنيعى بك حين نلتقى يا نحلة!!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.