” قتلت زوجي في الحظر ” .. قصة بقلم / ريم البسيوني


قتلت زوجي في الحظر !
قتلت زوجي!
وها أنا ذا أمسك بتلك المقلاة اللعينة التي سيقوم الشرطي فيما بعد بالتحفظ عليها كأداة لجريمتي .
أرى الدماء تسيل من رأسه المهشمة على أرضية المطبخ ، تبا لكل ذلك ، لقد تعبت في تنظيفها هذا الصباح ، وها هو يلوثها الآن بدمائه.
ماذا سأقول للمحقق حينما يسألني لماذا قتلتي زوجك ؟ سأنكر بالطبع ، ولكن بصمات يدي على المقلاة ، الكذب لن يجدي في موقف كهذا ، لا مفر إذن من قول الحقيقة الكاملة ، بإمكاني تخيل ما سيحدث ، سيرمقني المحقق بنظرات حادة ، وسيقول بصوت ساخط :
-هيا إعترفي ، فلن يفيدك الإنكار !
وسأجاوب بكل تلقائية :

  • لن أنكر يا سيدي ، ولكن أريد من عدالتكم الرأفة ، وسأروي تفاصيل ما حدث ،كنت أعيش يوما عاديا أذهب إلى عملي في الصباح ، وأعود لأتجه للمطبخ قبل أن أبدل ملابسي ، أشرع في تحضير الغداء قبل عودة زوجي وأطفالي ، يذهب زوجي إلى غرفته لأخذ قيلولة يستعيد بها نشاطه ، وأقوم أنا بترتيب البيت ومساعدة أطفالي في استذكار دروسهم ، وفي المساء ، يتأنق زوجي استعدادا للخروج مع أصدقائه الذين يتخذون من المقاهي المجاورة مرتعا لهم كل ليلة .
    الأوقات التي تجمعني وزوجي في البيت ما هي إلا سويعات قليلة ، فكل منا مشغول بعمله في الصباح ، أما المساء فكان ذهاب زوجي للمقهى يوميا ، يعد أمرا بديهيا ، لا أذكر أنه تغيب عن ذلك الموعد حتى في أوقات مرضه .
    ثم تبدل حالنا بعد أن حل الوباء على كوكبنا ، أجبرني الحجر الصحي على المكوث في المنزل ، والتزم زوجي أيضا باجراءات العزل ، ولم يبرح البيت إلا لضرورة قصوى ، ولأكون دقيقة ، لم يبرح زوجي مكانه على الأريكة إلا لضرورة قصوى !
    وفي يوم الحادث
    نهض زوجي كالمعتاد في تمام السابعة ، وبمجرد أن قام حتى سمعت صوته يناديني :
  • أنا جائع أريد أن تجهزي لي إفطارا شهيا
    قمت على مضض لأجهز له الفطور ، وقبل أن ينتهي من تناوله ، قال :
  • أريد على الغداء دجاجة مشوية ، وكرات لحم ممزوجة بشرائح البصل ، وأريد حساء الفطر اللذيذ ، كما أنني أشتهي صحنا من شرائح اللازانيا المتراصة فوق طبقة من اللحم المفروم
    فقلت له من بين أسناني :
  • أليس من الأفضل أن تترك لمعدتك فرصة لهضم ما أكلته، لماذا تفكر في وجبة الغداء الآن ؟!
    لم ينفك زوجي العزيز في إبداء رأيه في كل ما أفعل طيلة النهار ، فدخل إلى المطبخ أثناء انشغالي بإعداد الطعام وبدأ في توجيه الانتقادات والأسئلة :
    لماذا تتركين صنبور الماء مفتوحا هكذا ؟
    لماذا تقشرين البصل بهذه الطريقة ؟
    لماذا تضعين علبة الملح على هذا الرف ؟
    هل وضعتي خلطة التوابل الحارة على الحساء ؟
    وبعد أن أبدى جميع ملاحظاته ، خرج من المطبخ أخيرا ، فتنفست الصعداء ، وقبل أن أخرج زفيري سمعت صوته يناديني بقوة :
  • أين أنت ؟ تعالي حالا !
    فتركت ما بيدي ، وذهبت مسرعة بعد أن أصابني القلق لأتفاجئ به يقول :
  • أحضري لي ” ريموت ” التلفاز ! لا أستطيع النهوض !
    نظرت إلى الطاولة التى أمامه بذهول وقلت بغيظ :
  • ها هو أمامك على الطاولة ! لماذا تناديني وأنت تعلم بأنني مشغولة في إعداد الطعام ؟
    فتمطع في كسل ولم يرد .
    بعد العصر تقريبا ،قام ليأخذ جولة في أركان البيت ، كان يفتش ويبحث عن شئ لا أعرفه وكنت أسير خلفه كالآلة الكهربائية
  • ما هذا الغبار الذي يعلو تلك الطاولة ؟
    فأجبته :
  • سأنظفه حالا و …
  • فسألني:
  • أين ذلك ” الراديو ” الذي أخبرتني أنه قد تلف منذ سنتين ؟ سأحاول تصليحه !
    فذهبت لأبحث عن ذلك ” الراديو ” الذي لا أتذكر لونه ولا شكله وأنا اتساءل في نفسي :
  • كيف تذكره زوجي الآن ؟ ! وكيف خطر على باله إصلاحه في هذا الوقت ؟
    وقبل أن أجده ، جاءني صوته من غرفة النوم :
  • ما كل هذه الجوارب المنفردة ؟
    أخفيت سخطي وقلت بهدوء :
  • لا أدري ، سأبحث عنهم في الحال.
    فتح خزانة الملابس وأخذ يبعثر محتوياتها وسألني :
  • ما هذا الإهمال ؟ أين ذلك القميص الأسود الذي كنت أرتديه في عرس أخيك ؟
    رفعت حاجبي في تعجب وقلت :
  • لقد مرت خمس سنوات كاملة على عرس أخي ! ولكن سأجيبك ، لقد توقفت عن ارتداء ذلك القميص عندما اكتشفت أنك لا تستطيع إقفال أزراره بعد أن زاد وزنك وبرزت بطنك ! فتبرعت به وسط مجموعة من الملابس لجمعية خيرية .
    انقضى ذلك النهار بعد عدة مناوشات كنت قد استنفذت فيها كل طاقتي ، وأتى المساء وأنا منهكة ، أتوق لبعض الراحة والاسترخاء في غرفتي . أمسكت بكتابي المفضل لأقرأ بضع صفحات منه وإذا بي أسمع صوته يناديني من الخارج
    فذهبت إليه وأنا ألعن ذلك الحجر الصحي في سري ،
    فقال وهو يدقق النظر في تلك اللعبة الإلكترونية الحمقاء التي لا يمل منها :
  • أريد كأسا من عصير الفراولة الطازج وقطعة كعك مزينة بالشوكولاته.
    ذهبت إلى المطبخ صاغرة ، وقمت بإعداد العصير والكعك ولم أنس تزيينه بقطع الشوكولاته حتى لا يتهمني بالتقصير ، أو يبدأ في سرد ذلك الحديث الممل الذي يردده على مسامعي عن تلك الأيام الخوالي التي كان يتمتع فيها باهتمام أمه الزائد ، وعن ذلك الدلال الذي كان يتنعم فيه قبل زواجه بي .
    تساقط جفناي رغما عني ليعلنا دخول عقلي وجسدي في حالة سبات عميق وشعرت بقدوم زوجي إلى الغرفة محدثا ضجيجه المزعج ، اندس بجانبي في الفراش ، وقال:
  • أين العشاء ؟ لماذا لا تهتمين بي ؟ لقد أصبحت مقصرة في أمور شتى ، وحذرتك كثيرا من أن هذا التصرف ستكون عاقبته وخيمة ، هل تعلمين ماذا كانت تفعل أمي قبل أن أتزوجك ؟ لقد كانت ………..

فلم أدر بنفسي إلا وأنا أمسك تلك المقلاة وأنهال بها على رأسه ، فلا توجهوا التهمة إلى ، بل وجهوها إلى ذلك الوباء الأحمق ، فهو السبب في كل ما حدث ، هو الذي أجبرنا على البقاء في المنزل وجها لوجه ، لنكتشف عيوب كنا قد تناسيناها وتعايشنا معها ، لا أريد أن تلفوا حبل المشنقة على عنقي أرجوكم.

أحسست بهزة عنيفة رجت جسدي ، فأخذت أتلفت حولي بنصف وعي ، فوجدتني في المطبخ وبيدي مقلاة ،
وسمعت صوتا يناديني من الخارج :

  • هيا أسرعي ، أنا جائع !

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.