سما يوسف زعانين تكتب نطاف اللاحياة


 

نِطاف اللاحياة
كنتُ أعتلي القمة المثلجة، ومع أنّني قاتمة السواد إلا أنّي بدوتُ لذيذة ومُغرية، فأغلب الناس تعشقني، وكم تمنيتُ أن يعشقني هو كباقي الناس قبل أن يتركني ملقاةً على الأرض أكافح كي لا أندثر وأتلاشى!
لكنّي أدركتُ فيما بعد أنّ تخليه عنّي وتركه لي كان فيه حكمةً إلهيةً تفوق مستوى الوعي والإدراك، وبأنّني أصبحتُ فيما بعد مصدر الحياة لروحٍ كادت ترتفع إلى عَنان السماء.


في وسطِ حيٍ شعبي بيوته صغيرة متقاربة، تختلط فيه ملامح الفرح والسرور مع بساطة القلوب، ويمتزج فيه الرضا مع سِندان الآلام المحتقن من هول الضربات، وتتطاير فيه الأحلام بهبات العجز والخذلان فتمر على أهله كقطع السحاب..
كان الجو صيفي بامتياز، وعندما امتلكني بدوتُ طازجة، حلوة جدًا ومنعشة بشراهة، لدرجة تخفيف وطأة نهارٍ صيفيٍ حار.
أمّا هو فقد كان شاب وسيم الهيئة، ضعيف البنية، شاحب الوجه، وقد وقف في منتصف الحي تحت شجرةِ نخيل اعتمرت المكان منذ عشرات السنين، كان يرمقني بعينيه البنيتين كلّ حينٍ وحين فأشعر أنّني بتُّ مرغوبة، ولكنّه ما يلبث أن يزيح رغبته عنّي متجهًا بها إلى من هنّ أسفل مني ولم يحظين بشرف اعتلاء القمّة فأشعر بالضيق والجنون، ثم أسأل نفسي:
“لماذا يتجنبني مع أنّي الأجمل والأكثر تزويغًا للعيون، ومع أني صاحبة المكانة المرموقة هنا؟!”
كان يلعق ما في يده بهدوءٍ وبرغبةٍ ميتة، ربما فقط أراد الحصول على القليل من الأمل في تغيير مِزاجه العَكِر، ولكنّه سرعان ما فقَدَ هذا الأمل بعد أن مرّ خلال طريق عودته إلى المنزل على صاحب البقالة التي يعمل فيها، ألقى عليه التحية ثم طالبه بأجرته الأسبوعية، فجاء جواب صاحب العمل لاذعًا كلدغة العقرب:
“لا راتب لك يا محمد، فقد تمّ خصمه من مجموع الديون التي تراكمت عليك.”
وما إن وصل بيته يائسًا، بائسًا، عميقَ الهمّ، تئن الأرض من تحته مع أنين خطواته المتثاقلة، قابلته أمه بابتسامةٍ حائرة، سائلة عن الدواء الخاص بوالده، ولكنّه تسمّر في مكانه كحجرٍ جلمد، وكنتُ أنا قد بدأتُ أقترب من القاع بسبب ذوبان الأرض المثلجة من حولي.
خرج والده مُسرعًا لاستقباله فرحًا بعودته، وما إن فتح شفتيه لمحادثته، حتى سقط محمد على الأرض دفعةً واحدة كصخرةٍ حطّها فيضان السيول من علو، وسقطتُ أنا معه.
صرخت الأم .. فخرج الأخ مسرعًا عارجًا بعكازاتٍ تساعده على الحركة، وما كاد يصل مكان الحدث حتى تهاوى الأب على الحصيرة بهدوءِ وخفةِ زهرةٍ انفصلت عن غصنها، فزاد صراخ الأم حدّة.
ووسط الصراخ والبكاء المتكرر، وتعرّق وجه الأب مع سرعة نفسه، وحيرة الأخ، كنتُ أقاوم حرَّ الأرض الإسمنتية التي تُخرج اللهب في هذا الوقت من العام كي أحمي نفسي من الذوبان.
ثمّ أخيرًا .. تحرّكت شفاه الأخ المرتجفة الذي أسقط عكازاته من هول الصدمة وجلس صارخًا:
“السكر .. أطعميه تلك الحبة الكبيرة من الشكولاتة التي سقطت من قطعة المثلجات”
فنهضت الأم مسرعةً بظهرها المنحني كظمئٍ عثر على سرير ماء، التقفتني من الأرض وكأنّني المُزن البعيدة المنتظرة لإحياء الجفاف، ووضعتني في فم زوجها الذي رفعتُ السكر عنده وارتفعتُ أنا بقيمتي وسط خوارق ما وراء الطبيعة، أما محمد .. الشاب الوسيم صاحب العينين البنيتين فقد نَهِل نسيانًا من نِطاف اللاحياة التي اعتاد أن يعيشها هو وأمثاله.

الكاتبة: سما يوسف زعانين

6 Comments

  1. رائعة، اثارتني طريقة السرد اللامباشر و أثارني أكثر المضمون الوازن المنقوش خلف كل حرف. أبدعت سما

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.