مجدي محروس يكتب في منتصف الليل


” في منتصف الليل ”
قصة بقلمي / مجدي محروس
كاد يُكذِّبُ عينيه الدامعتين، وهما تطالعان ذلك الخبرَ عبرَ مواقعِ التواصل الاجتماعي، فراحَ يمسحُ بكمِ قميصِه ما تبقى من آثار دموعِه، وهو يعيدُ قراءةَ الخبرِ مرةً ثانية وثالثة، هرعتْ بعدها أصابعُه لتدقَّ أزرارَ هاتفه، وردَّدَ عبرَه بصوتٍ متقطعٍ، وقد عاوده الأملُ من جديد:
– زوجتي مصابة، وقد عزلتْ نفسَها بحجرتها لليومِ الخامسِ على التوالي بعد أن ..
اضطرَّ لقطع عبارتِه؛ ليستمعَ لصوت محدثه الهادئِ الذي تسللَ لأذنيه كموسيقى ناعمة، هتف بعدَها في سعادةٍ، وقد عاودت دموعُه في الانهمارِ فرحاً:
– ليس لي سوى ابنٌ وحيدٌ في السابعةِ عشر من عمره، ولكن لمَ الانتظار لمنتصفِ الليل ؟ ولماذا لا تأتون الآنَ؟
مرةً أخرى تسللت لأذنيه تلك الموسيقى الناعمة، فتهللت أساريرُه، وهو يهتفُ قائلاً:
– حسناً.. حسناً أعانكم اللهُ، سوف أرسلُ لكم العنوانَ في رسالةٍ الآن، وسأنتظركم في منتصفِ الليل .
ألقى بهاتفه، وترك جسدَه يهوي أرضاً، واتخذ من جدارِ الردهةِ متكأً لظهره المكدود، وقد دفنَ رأسَه بينَ ذراعيه متخذاً وضعية القرفصاء، وحاولَ عبثاً أن يبتلعَ ريقه الجاف، وقلبُه داخلَ قفصِه الصدري يتلوى حائراً بين اليأسِ والرجاء كبندول ساعةِ الحائطِ التي تعلو رأسَه، في بطءٍ رفع عينيه المقرَّحتين نحوَ بابٍ مغلقٍ لحجرةٍ تواجهه، وأرهفَ سمعَه فالتقطت أذناه أنيناً خافتاً من داخل الحجرةِ المغلقة، انفطرَ له قلبُه و ..
– أرجوك يا كامل عُدْ لفراشِكَ؛ لتستريحَ قليلاً .
كتم أنفاسَه حينَ تسلل صوتُها لأذنيه عبرَ البابِ المغلق، وتداخل جسدُه النحيلُ في بعضِه، ودمعتان ساخنتان تسيلان على خدِّه المليء بالتجاعيد، دون أن تتفوه شفتاه بحرفٍ، فأتاه صوتُها مرةً أخرى :
– لا تصمتْ يا شريكَ العمرِ وتكلم؛ فأنا أحسُّ بنبضاتِ قلبك المتسارعة، وأشعرُ بلفحِ أنفاسكَ الحارة، و..
– وكيف أعودُ لفراشي بدونك يا شريكةَ العمر؟!
– مضى الآن خمسةُ أيامٍ وأنتَ ..
– لن أعودَ لفراشي وحجرتي بدونكِ ولو مضت خمسةُ قرون، ثم إنني نسيتُ أن أخبركِ فقد اتصلتُ بمشفى آخر، وسيرسلون عربةَ إسعافٍ مُجهزة في منتصفِ الليل، وغدا يمنُّ اللهُ علينا بشفائكِ، وتعودين إلينا.
صمتت زوجته القابعة خلفَ البابِ في يأسٍ، وتناهى إلى مسامعه صوتُ بكائها، فأراح رأسَه على الجدار، وعيناه تتحركان ككاميرا بطيئة بأرجاءِ شقتِه التي بدتْ كئيبةً منذُ مرضِ زوجته وشريكة عمره، فمدَّدَ قدميه أمامَه في إرهاقٍ واضحٍ، وراح يلتقطُ أنفاسَه في صعوبةٍ، وقد بدا له الجوُّ خانقا،ً رغمَ تيار الهواءِ الباردِ الذي اندفع من نافذةِ الردهة، وراح يعبثُ بالستائر .. شعورٌ طاغٍ بالعجز سيطر عليه، وكاد يصيبه بالشلل؛ لا يمكنُ أن يتخيلَ حياته بدون زوجته، لم يعد يدري ماذا يفعلُ وهو يراها تضيع أمامَ عينيه منذُ أصابها ذلك الوباءُ اللعين، تنهَّدَ في مرارةٍ، وهو يتذكرُ يومَ تأكيدِ إصابتها، وتضاعفتِ المرارةُ بحلقه مراتٍ ومرات، وهو يتذكرُ كلماتِ الأطباء لهما بأن يتركا رقم الهاتف، ويعودا أدراجهما للمنزل؛ فالمستشفى مكتظٌ عن آخره بالمرضى، ولا مكانَ لها و ..
– أبي .. لقد أعددتُ الطعامَ لأمي .
جاهد ناهضاً، وهو يلملمُ قدميه المكدودتين، وعيناه على ابنه الوحيد ذي السبعة عشر ربيعاً،
وقد اتشح وجههُ الغضُّ بأماراتِ حزنٍ دفين، ضاعف عمرَه سنواتٍ وسنوات، تحسَّس الأبُ وجنتي ابنه في حنانٍ، وهو يتناول منه الطعام، ويتقدَّم نحوَ الغرفةِ المغلقة، ويقدمه لزوجته من أسفل الباب، قائلاً وهو يجاهدُ ليخرجَ صوتُه متماسكاً:
– تناولي الطعام واستعدي يا حبيبتي؛ فالليلُ أوشك أن ينتصفَ .
وما أن مرت دقائق خمس بعد أن تعانق عقربا الساعة في تمام منتصف الليل، حتى التقطت أذنا الابنِ طرقاتٍ هادئة على باب الشقةِ، فألقى نظرةً سريعةً على أبيه، وهرعَ يفتحُ الباب في حين اختنقت عينا الأبِ بالدموعِ، وهما معلقتان بالبابِ المغلق ..
رغم الكمامةِ التي تُخفي نصفَ وجهه بدت ملامحُه وسيمةً هادئةً، وانطلق صوتُه قائلاً في أسى، وهو يناول الأبَ ورقةً وقلماً:
– من فضلك يا والدي، املأ هذه الاستمارة، وتحرَ الدقةَ في كلِّ البيانات.
بأصابع مرتعشة شرعَ الأبُ يملأ الاستمارة، والابنُ يشيرُ نحوَ حجرةِ الأم للرجلين اللذين دخلا خلف الوسيمِ في زيهما الرسمي تسبقهما النقَّالة، وقد أخفيا معظمَ وجهيهما خلفَ كمامتين ..
هتف الوسيمُ، وهو يستعدُّ لمغادرةِ المكانِ خلفَ رجليه اللذين حملا الزوجة :
– ننتظركَ غداً بالعنوان المُدوَّن بالاستمارةِ؛ لسداد بعضِ المصروفاتِ الرمزية .
هتف الأبُ في هلعٍ، وهو ينظرُ لابنه الشابِ الصغيرِ الذي انفجر بالبكاء :
– ألن نأتي معها؟
هتف الوسيمُ في هدوءٍ، وهو يُربِّتُ على كتفِ الأبِ في أسى :
– كيف ذلك يا والدي؟ المرضُ معدٍ كما تعلم و..
قطع الوسيم عبارته، وصمتَ للحظاتٍ تغلَّبَ فيها على الدموعِ التي ترقرقتْ بعينيه، واستطرد قائلاً بأسى مضاعف، وعيناه على الشابِ الصغير:
– ولكن من الممكن أن نسمحَ لهذا الشابِ الصغيرِ بأنْ يرافقَها في تلك الليلةِ فقط؛ فكبارُ السنِ أكثرُ عُرضةً للعدوى كما تعلم.
ربَّتَ الأبُ على كتفِ الوسيمِ في امتنانٍ، في حين كان الابنُ يمسحُ دموعَه في سعادةٍ، والوسيمُ يقولُ له :
– وزيادةً في الحذرِ سوف نحقنُه – حينَ يركبُ العربةَ – بعقارٍ يقوي من مناعته .
واصلتِ العربةُ سيرَها وسطَ الظلام، وقد أطاحَ الرجلان بجسدِ الأم خارجها في تلك المنطقةِ الصحراوية، في حين تطلعَ الوسيمُ من كابينةِ القيادةِ – عبرَ فتحةٍ صغيرةٍ تصله بالصندوقِ الخلفي – لجسدِ الشابِ الفاقدِ الوعي، وهتفَ في جشعٍ، وقد تخلَّتْ ملامحُه تماماً عن وسامتِه:
– تُرى .. كم سيدفعون لنا ثمناً لجسدِ ذلك الشابِ الصغير ؟
تمت بحمد الله
Magdy Mahrouse

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.