مي هشام تكتب بكنج باودر


كالعاده قادتني قدماي الى السرير دون وعي مني بسبب إرهاق العمل الذي لا يخلو من ( مدام عفاف في الدور الثالث) في ثوبها الغربي، و مشاق الحياة الآخرى التي فرضت علينا بعد حلول هذه الغمة من ارتداء كمامة إجباري إلى تطهير كل ما حولك و محاولات بشتى الطرق لإنقاذ نفسك من بطش الفيروس اللعين.


أمسكت بهاتفي و بدأت أتصفح أحد مواقع التواصل الإجتماعي دون أن ألقي بالا لما يظهر أمامي، حتى استوقفني منشور يبدو في ظاهره مضحك ولكن باطنه أليم:

((لقد نفذت جميع الكتب المعروضة للبيع في أوروبا بسبب الحجر الصحي، أيها العرب ماذا نفذ عندكم ؟؟))
باتت كل التعليقات ساخره…
– نفذ عندنا الطحين و الرز و الزيت و السكر.
– (ضحكات سخرية) نفذ عندنا البيكنج بودر و الطحين.
كثير من التعلقيات جميعها تسخر من واقع الوطن العربي وسلوكيات العرب.
أعدت نشره و علقت قائلة: أن تعيش في واقعين يعني أن تعرف أكثر!
أغلقت هاتفي و نظرت إلى السقف متأملة، كم أصبحت هذه المواقع تؤثر في حياتنا و معتقداتنا!
ثم أغلقت عيني و أعلنت استسلامي للنوم.


في صباح اليوم التالي أثناء ذهابي إلي عملي أمسكت هاتفي و بدأت قراءة التعليقات على منشوري، معظمها كان بنفس الوتيرة السابقة إلا تعليق واحد!
– تقصدي  إيه بكلامك يا هدى !؟
قالها زميل سابق لي في العمل في موطني.
أثار إهتمامي سؤاله و بدأت أشرح له الوضع من وجهة نظري.
– في الواقع يا دكتور علاء و قبل أن أسافر كنت اقرأ منشورات كتيره ديما بتشكر في الغرب و تمدح في تقدمهم و تحضرهم.
لا أنكر  إني في البداية و عند وصولي أوروبا انبهرت و انتظرت لأرى الأشياء التي لطالما سمعت عنها ، لكن في الحقيقة لقد خابت معظم آمالي! فلم أجد الإلتزام بالمواعيد بالثانية كما كنا نسمع في وطننا و لم أجد الشوارع تلمع من نظافتها دائما كما يظن البعض. حتي الناس الملتزمه  بالقواعد و القوانين و من عشرتي لهم تأكدت أن كلنا بشر و سلوكنا واحد في معظم الأحيان و أن لولا القانون الحازم في أوروبا لأصبح حالهم مثل العرب أو ربما  أسوأ. و اكتشفت أن أعلامهم لايظهر إلا الجيد و لا يتحلى  بالديموقراطية ولا الشفافية كما يدعو.
ولكن الذي أكد كلامي و وجهة نظري هي الأزمة الأخيرة التي مر بها العالم كله والتي أكدت لي أن الغريزة البشرية تجاه الخوف و المجهول واحدة في كل مكان.
يقول المنشور أن الكتب نفذت في أوروبا، لكنه لم يقل أن الدقيق و السكر و الرز و الزيت و الخميرة هم أيضا نفذو في بعض الأماكن و تهافت الجميع للشراء الهستيري تماما كما في وطني. لم يقل كم خناقة قامت علي ورق التواليت مثلا في معظم المحلات في أوروبا لدرجة أن الدولة أنزلت  الشرطة أحيانا تحمي المناديل.
لو كنت في بلدي عمري ما كنت هصدق أن الكلام ده في أوروبا.


أنهيت تعليقي و أغلقت الهاتف مره آخري و ظللت استمع لأغنيتي المفضلة و آنيستي في الغربة (حلوة يا بلدي).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.