محمد جراحي يكتب قصر المنتزه


 

 

” كان من الضروري مع تقدم الإنسان في العمر أن يُقدم بعض التنازلات و يُقْدِم علي إحداث تغييرات تبدو طفيفة في ديكورات مبادئه التي مارسها لعقود سابقة حتي يتماشي مع التطورات الجديدة من حوله و يأخذ خطوة للخلف للبدء من جديد. فالتغيير سنة الحياة و الثبات للموتي .”

يجلس السيد “نادر راضي” الصحفي المرموق ذو الصيت الواسع في مجال الصحافة إلي مكتبه الفخم في شقته الفاخرة التي اشتراها في مدينة “مدينتي” الشهيرة بمجتمع الصفوة. ينظر إلي دفتر أوراقه البيضاء الخالية ، ممسكا قلمه ، يفكر. و فيما يبدو أن هناك موضوع ما يريد الكتابة عنه و لكنه يجد علي غير العادة صعوبة في البدء أو في صياغة الرسالة التي يريد بثها للقراء بطريقته الشيقة الذكية التي لا تلفت أنظار الرقابة أو الأمن الوطني ، فقد اعتاد أن ينتقد كل ما يحدث بجرأة مستخدما كلمات سلسة و وديعة، و في نفس الوقت بأفكار لاذعة شديدة الجرأة.
أما هذه المرة، يضع السيد نادر راضي بجوار دفتر كتاباته قصاصة صفراء صغيرة من الورق مكتوب عليها ثلاث كلمات بخط غليظ أسود و تحت تلك الكلمات مجموعة أرقام يبدو أنها رقم تليفون ، و هو مازال يحدق بعينيه الغائرتين في هذه القصاصه تارة و في دفتره الأبيض تارة.
علي هذا الحال منذ يومين ، لا يستطيع السيد نادر أن يجد السكينة ، فلا نوم و لا طعام يدخل جوفه إلا و تعاقبه معدته الحساسة بسياط الغثيان و الألم و التوجع حتي يصاب بالوهن. حتي التدخين هو الآخر لم يعد يغني عنه شيء.
يجلس بالساعات ينظر إلي قصاصة الورق ذات الثلاث كلمات و رقم الهاتف. يمسك القلم علي بداية أول سطر ، يرفع القلم ثانية، يرمي به فوق سطح المكتب ، يسند ظهره إلي كرسيه يضع يده علي وجهه و يضغط بأصابعه علي أنفه و يفرك جبينه بشدة. يخاطب عقله .. كيف أكتب عن هذا الأمر بهذا الشكل. هذه المرة ليست ككل مرة ، لقد وضعوك يا نادر علي المقصلة، تاريخك الماضي أمام حياتك، إما اختيار حياتك و معها مستقبل جديد و إما اختيار ماضيك و أن تُدفَن معه.
ظل علي هذه الهيئة كثيرا ، ثم فجأة تظهر علي وجهه علامات قوة و تصميم ، فيمسك القصاصة و يرفع سماعة هاتفه الأرضي و يضغط علي أول رقم من الأرقام المكتوبة علي القصاصة و لكنه سرعان ما يضع السماعة ثانية و يترك القصاصة بجوار الدفتر كما كانت و يعود لما كان عليه.
كان السيد نادر فيما مضي شابا طموحا يعيش في الإسكندرية يحب الكتابة و لا يري نفسه إلا أن يكون صحفيا. تخرج من كلية الاعلام و ذاق المر و الأمر لكي يمتهن الصحافة . كان لأسلوبه اللاذع و ذكاء موهبته و جرأة مفرداته أثر باهر في شهرته في الوسط الصحفي السكندري، مما دفع بعض المخضرمين في المهنة أن ينصحوه بتغيير أسلوبه اللاذع ذي المفردات الجريئة و الصادمة لمفردات أكثر هدوء و حكمة بدون المساس بالمبدأ و الفكرة. بالفعل طبق السيد نادر النصيحة بشكل مدهش، و بعد عام أو أكثر جاءه اتصال هاتفي من رئيس تحرير جريدة الأهرام أن ينتقل إلي القاهرة و يعمل في هذه المؤسسة ذائعة الصيت و سرعان ما أصبح السيد نادر علي شهرة واسعة و مصداقية عالية بين القراء و الكُتاب.
و مع التركيز الشديد و القلق البالغ و التوتر العصبي الذي أصاب السيد نادر و مع تذكُره لفترة شبابه أخذته سنة من النوم علي كرسي مكتبه الجلدي الدوار . هو استسلم لهذه السنة علّـه عندما يفيق يجد ضالته و كيف يكتب ما يريد كتابته.

كان السيد نادر في شبابه من المتيمين بقصر المنتزه و دائما ما كان يذهب ليلا ، يجلس أمام أسوارها أو يتسلقها غفلة من حارسها و يتسلل الي حديقة القصر المهيبة و ذلك في الفترة التي كان القصر و الحديقة مغلقا فيها أمام الجماهير لأعمال الصيانه و الترميم، أو يأتيه من الشاطئ حيث لا أسوار تعوقه إلا حارس طيب و كأنه بحار ترفضه الشواطئ و وجد منارته الهادية.
كان منظر الحديقة العظيمة يأسر لبه و تفاصيل المبني الضخم تبهره و تثير تساؤلات تجعله كلما ابتعد عن القصر فترة عاد إليه من جديد ليواجه التساؤل الذي لطالما أطل برأسه .. ” ما الحكمة من بناء القصر في هكذا موقع!”
لا يمكن أن يكون هذا القصر قد بني لمجرد الترفيه عن خديوي أو أمير يشعر بالضجر! فالحكام لديهم من المشاكل و المهمات ما يملأ فراغ حياتهم و لا يجعل للضجر عليهم من سبيل و هموم رعاياهم كفيلة بانهاك تفكيرهم كليا.
ظل لسنوات قبل انتقاله للقاهرة يفكر في سبب آخر لبناء القصر الساحر ، فلا يجد غير أنه كان هناك رجلا يملك بلدا و لكنه كان يشعر بالضجر ، فماذا يفعل من يشعر بالضجر غير البحث عن الترفيه و تغيير المزاج ! و إن كان الفرد العادي يقوم بمثل هذه الأشياء؛ فكيف يكون الحال مع من ملك الأرض، كيف تكون محاولة الهروب من الضجر بالنسبة لشخص سأم الحِر علي الأسرة و الحرير علي الجسد و المجوهرات علي تاج كئيب من ذهب ورثه دون جهد أو تعب!
إذن التجديد هو الدافع. تجديد المناخ ، تغيير الواقع الممل، نعم ؛ التجديد لمجرد التجديد. ليس من الضروري أن يكون هناك سبب هام أو فائدة عامة من وراء ما يفعله الإنسان ، خاصة أن كان ملكاً ! هناك من يقوم بأمور مجنونة و أحياناً خطيرة و أحيانا أخري باهظة التكاليف بدون هدف علي الاطلاق إلا أن يدفع الضجر عنه أو يبحث عن ترفيه يجدد عليه دوافعه المعنوية حتي يستطيع أن ينام هانئا لبضع ساعات من ليل غير عابئ بالنهار الجديد القادم.

استيقظ السيد نادر من غفوته تظهر علي وجهه علامات الارتياح ، تكاد البسمة أن تولد فوق شفاه البنفسجية. أمسك بيده اليسري قصاصة الورق الصفراء و بيده اليمني سماعة الهاتف الأرضي الأبيض ، اتصل بالرقم المدون ، استمع لصوت رنات الهاتف ، قال: ألو.. يتحدث إليك نادر راضي الصحفي بجريدة الأهرام. نعم ، انهيت ما أردتم ، بقيت الصياغة فقط. يتم النشر غدا في الصفحة الرئيسية لطبعة الصباح. .. لا لا اتعامل مع هذا الفرع ، نعم، الـ CIB .
ثم وضع سماعة الهاتف و أمسك القصاصة في يد و القلم في يده الاخري، كتب في وسط السطر الاول في دفتر مقالاته الثلاث كلمات المكتوبة بخط اسود غليظ علي القصاصة الصفراء ..

ـ قناة السويس الجديدة ـ

و بين علاماتي التنصيص كعنوان فرعي
” قصر المنتزه “.

#Garrahi

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.