طلعت الدردير يكتب وقفات على أعتاب التقدم


 

وقفات على أعتاب التقدم

إن الفرق بيننا وبين الأمم المتقدمة يتمثل في الرؤية واستشراف المستقبل، وذلك أن الغرب والشرق المتقدمين لديهما رؤية واضحة لا غبار عليها، تتمثل في ضرورة وجدية السعي الفاعل لتأصيل كرامة الإنسان وتحقيق رفاهيته على جميع الأصعدة، وهي التوجهات التنموية التي تعرف في عصرنا الحالي بالتنمية المستدامة، وهي توجهات تنموية ليست حبراً على ورق، ولكنها تُفعل بكل طاقاتهم ولا يدخرون في سبيل ذلك أي جهد أو مال أو غالٍ أو نفيس.
بينما على النقيض من ذلك، ففي بلاد حضارة العصور الوسطى ومن سطروا مجداً وعلماً علم الدنيا بأسرها، نجد الأوراق والرزم قد أنّت من فرط ما دُون فيها من استراتيجيات تنموية وخطط مستقبلية، لا لشيء وإنما لمضاهاة البشرية في الوضع الكمي بعيداً عن الكيفية وتحقيق المراد والأهداف من وراء تلك الاستراتيجيات على أرض الواقع.
فما زال الإنسان فيها مبتذلاً لا يعدو كونه عددًا في عداد السكان يُحصى في كل سنة ما دام حياً ويوضع ضمن قائمة الأموات وعددهم إن فارق الدنيا وياليتهم يتركوه في عالمه الآخر مرتاحًا، ولكن قصدوا من بعده الذرية قصفاً وخسفاً حتى ضج الأموات وأنّ الأحياء.
الفرق شاسع والتطبيق لا يُقارن والمخرجات لا يمكن مقارنتها بين الجانبين، فالمتقدمون يدركون سر التقدم، وقد وضعوا شفرة التقدم في ميدان عام فلم نستطع حتى الآن حلها، على الرغم من وضوحها وضوح الشمس في ظهر يوم صيفي صافٍ، أو يمكن القول بأن الشرق المتخلف عن ركب الحضارة أبى إلا أن يغمض عينيه عن سر التقدم ولم يرد حتى المحاولة لفك الطلاسم وانتداب الخبراء والعلماء، وما أكثرهم بلا جدوى، لفك الشفرة ومحاولة اللحاق بما يمكن أن يحفظ ماء وجوهنا في البقية الباقية من عمر الإنسانية .
لقد وُضعت الركائز التنموية بعناية وحرص ليكون الإنسان هو الهدف والغاية والوسيلة في ذات الوقت ،فلا تنمية إلا بالإنسان وعقله المطور ،ولا تطور إلا من أجل الإنسان ذاته وتحقيق رفاهيته، ولا يمكن التنصل من هذا كله ووضع الأهداف التنموية قيد الإنقاذ البيئي أو التنمية الاقتصادية وفقط، حيث يتعلق ذلك كله بشكل مباشر بحقوق الإنسان وسلامته ورفاهيته وديمومة الحياة التي تتعلق بوجود الإنسان على الأرض، فبدون الإنسان لا حياة ولا مجتمعات ولا خطط ولا رؤى ولا استراتيجيات .
إن فلسفة التقدم لها روادها المهرة، كما أن لفلسفة التخلف من يتبناها بفخر واعتزاز على جهل منه، وفلسفة التقدم نابعة من الحرية والتحرر من كل القيود المعطلة لإعمال العقل البشري، والتخلص من الحدود الزمنية والمكانية التي تعيق تقدمه، ونبذ أية قيود قد تعطل مسارات التقدم ما عدا التشريعات الدينية والقوانين المنظمة، وهي ليست قيوداً كما يظنها البعض، ولكنها نسق أخلاقي وقانوني ينظم العلاقات البشرية فيما بين الله والعباد، وبين العباد بعضهم البعض، وحتى على مستوى علاقة الفرد بنفسه، فالحرية المقصودة هنا هي الحرية الموصلة إلى نبذ كل معوق والتغلب على كل تحدي قد يسلب من البشرية حقها الطبيعي في التقدم والتمسك بأسبابه ودواعيه.
أما على صعيد فلسفة التأخر فهي فلسفة قاد روادها رؤى فلسفية اعتمدت على تقديس الاشخاص والتعصب الأعمى لشعارات رنانة لا طائل من ورائها، فلسفة التخلف هي فلسفة التلقين وليس النقاش، فلسفة قائمة على التنوع البيولوجي والتفاصيل الملحقة على أساس هذا التنوع والاختلاف، وسلب الحقوق بناءً على القوة والاستطاعة وضعف الطرف الآخر، فلسفة قائمة على تمجيد الماضي والوقوف على الأطلال، فلسفة قوامها “كنا”، وهي فلسفة هدامة لا تعتمد على قرار ثابت ولا أصول داعمة لتكامل واكتمال البنيان وتحقيق الأهداف المرجوة، فلسفة كأنها زبد البحر اللاشيء واللانافع واللامجدي رغم وفرته ولمعانه الذي يأسر القلوب والأسماع والأبصار، ولكنه أسرٌ وقتي يرتبط بالتشدق اللفظي والشو الإعلامي والحضور السياسي والحزبي والمسار المؤسساتي الذي يُمارس بلا رؤية ولا هوية ولا هدف.
إن ما نحتاج إليه هو الرؤية وتحديد الهدف، ومن ثم العمل على تحقيق الهدف لا أكثر ولا أقل، مع ضرورة الربط بين الهدف وتنفيذه بسلسلة قوية تضمن سلامة الارتباط وجدية التحقيق والرؤية الصائبة من ذوي الاختصاص والمنفذين لتلك الرؤى .
وليكن الإنسان هو الهدف، ولتكن كرامة الإنسان والرفاه الاجتماعية هي الهدف، وليكن الخير هو الهدف، ولتكن الإنسانية هي المحرك لتحقيق تلك الأهداف، فبدون النظرة الشمولية لتأصيل معاني الإنسانية لن نستطيع استكمال أية مسارات، ولن نستطيع التغلب على التحديات، وذلك لأن من فقد الهدف تفرقت سبله، ومن تفرقت سبله تشتت أمره وتبددت أحلامه وغُيب واقعه.

 

طلعت الدردير
باحث دكتوراه- الجامعة الدولية للعلوم الإنسانية- كندا

 

 

3 Comments

  1. احسنتم والله ومشاء الله على الكلمات التى تعبر وتحمل معانى كثرة ونشكرك ونتمنى المزيد و لك من الله مزيد من التوفيق والنجاح

    إعجاب

  2. ما شاء الله تبارك الله
    كما عهدناك
    لقد كتبت فأصبت وأحكمت
    ووضعت الكلام في مكانه الذي ينبغي أن يوضع فيه.
    سر على بركة الله
    زادك الله علما وحكمة.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.