عادل غالي يكتب شبح العنوسة


 

شبح العنوسة

بقلم

عادل غالي

تقول لي إحدي الفتيات ، لقد حاولت الهروب من شبح العنوسة الذي ظل يطاردني
بعد أن تجازوت سن الثلاثين بقليل ، وذلك بعدما شاهدت نظرات المجمتع القاسية
بأعيني ، بالإضافة لنظرات عائلتي القاتلة التي كانت تهشمني من الداخل ، نظراتهم
التي جعلتني أعتقد بأنني إنسانة منبوذة ليس لها حق في الوجود ، وذلك لأن فرصتي
في الزواج أصبحت شبه معدومة من وجهة نظرهم.
حدثتها متسائلاً :
كيف هربتي من هذا الشبح الذي داهمك سنوات طويلة من وجهة نظرهذا المجتمع
العقيم؟
أجابتني قائلة:
عندما دق على بابي أول رجل أراد الإرتباط بي وافقت علي الفور دون تردد وذلك
لكي أخلص من هذا الشبح المدمر الذي أسكنته عائلتي داخلي بعدما أتممت الخامسة
بعد العشرون.
حدثتها ثانية متسائلاً:
هل هذا الرجل الذي أراد إنتشالك من تلك البؤرة ليتزوجك جديرُ بكٍ أم أنه مجرد
لقب سيمحيه بعقد شرعي مكتوب؟
أجابتني بعيون مدمعة وبقلب واهن :
– مجرد عقد شرعي مكتوب يمحي تلك الكلمة التي أبغضها بشدة، الكلمة التي
أصبحت جزء لا يتجرأ مني.
فأكملت حديثها بعدما تنفست الصعداء وقالت:
– أنه رجل يكبرني بسنوات عديدة ، لقد بلغ الثامنة والستون منذ عدة أشهر ولديه
الكثيرمن الأولاد والبنات وجميعهم تزوجوا.
بعد تلك الجملة صمتُ لدقائق معدودة ثم تحدثت مستنكراً:
– هربتي من تلك النارالخامدة لكي تذهبي لتلك الأهوال المريرة التي في إنتظارك ..
بالفعل لا أصدق.
أجابتني مبررة:
– إنني عانس …. هذه الكلمة سمعتها مراراً وتكراراً من فم كل شخص يعرفني
لدرجة أنني حفظتها جيداً وأصبحت عالقة في أذهاني ، من أجل تلك الكلمة وافقت
علي الإنتحار ، لأن ليس لدي بديل أخر لكي أتلاشي به تلك النظرات الفاحصة ،
القاتلة التي أرهبت فؤادي.
بعد حديثها هذا تفوهت متسائلاً:
– هل تعلمي لو أنكٍ أتمتتي تلك الزيجة ستصبحين له مجرد خادمة وليست زوجة
كما تعتقدين؟
أجابتي في ضعف :
– أعلم جيداً ، ولكن مثلما قولت لك ليس لدي خيار أخر غير ذلك لكي أمحي تلك
الكلمة التي عانيت منها أنا وباقي الفتيات اللواتي في مثل موضعي.
حاولت أن أصرخ في وجهها غاضباً ولكني تمالكت من نفسي جيداً ، تلك الفتاة
أقدمت علي الإنتحار الفعلي بسبب تلك الأراء العقيمة والأفكار المتطرفة التي
رسخها المجمتع والعائلة في كيانها الفاني ، أفهموها بأن زواجها مرتبط برقم في
السجلات والدفاتر الحكومية ولابد من إجتياز تلك المرحلة قبل مرور تلك الأعوام
التي تزيد شيئاً فشيئاً ، أفهموها بأن البنت خلقت للزواج فقط ولم يقولوا لها بأن
الزواج نصيب ورزق مكتوب مثله مثل أشياء كثيرة يمنحها الله للإنسان، مثله مثل
الصحة والأموال فمنا من يمتلك الصحة والعافية ومنا من يعاني في المستشفيات ،
ومنا من يمتلك الأموال الطائلة ومنا من يعاني من الفقر الشديد والحاجة.

لمتي ستظل تلك النظرات قائمة لتلك الفتيات ؟ لمتي ستظلوا تصوبهن بتلك السهام
المارقة لمجرد أنهم لم يتزوجن بعد؟ لمتي ستظلوا تكررون أفعال الجاهلية الأولي
وهي وأدهم أحياء دون شفقة ولا رحمة منكم؟
أحب أن أنوه في أخر كلامي بأنه لا يوجد لقب أسمه شبح العنوسة ولكنه لقب
خلقتموه داخلكم وجعلتوه يتفشي ويتكاثر حتي أصبح وباءاً لعيناً تعاني منه فتيات
مجتمعنا.

شبح العنوسة

عادل غالي

 

1 Comment

  1. أخي عادل استاذنا العزيز
    تحفة المقال ليت كل الناس يدركون أنهم يبنون سجون بهذه الكلمات تثير فتن في كل مكان وغل وحقد أثار نفسية صعبة
    ليتنا نعود لحق الله ولا نمتهن أنفسنا
    شرفت بالقراءة لك

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.