سارة فؤاد تكتب تقبل الآخر


 

 

نحن نبذل جهد خرافى لنتقبل الآخرين، ويتقبلوننا، نحاول إرضائهم على حساب إهلاك أرواحنا ،بطريقة مبتذلة مبالغ فيها نتلون لنليق على ألوانهم، لنريح أعينهم عندما يجدوا ألوانا تتناسب مع معتقداتهم ،نعاند أنفسنا ونروضها لنرضى رؤساء وكبار وصغار القوم ،لنظهر بالشكل الذى يريد الآخرين أن يراه.

نخاف من حديث البعض، وترعبنا همسات البعض ،وتفتك بنا أراء الآخرين ،نخاف من اللاشئ ،ونوهم  أنفسنا بأقاويل المحيطين بنا ،ونحرص على عدم تخطى حدود الألقاب التى لابد لها أن تتهالك يوما ،ويخفيها التراب وينسيها الزمن.

نحن المرضى النفسيين الخائفين من الإعتراف حتى أمام أنفسنا بالمرض، بالرغم من أن الإعتراف هو فى حد ذاته العلاج لنا، حتى  أنفسنا لا نريحها نتعبها معنا ،ونضغط على أفضل جزء فيها، لنعبث به ونحيله إلى الأسوء، وفى النهاية نلوم الآخرين على تلويثنا ،ونتهمهم بالنفاق والكذب، وكل السوء خلق لغيرنا ،ونحن المثاليين اللطفاء، محبى الطبيعة، نحن الجمال الذى خلق ليختصنا فقط، بين كل مخلوقات الكون .

وفى الحقيقة نحن الواهمون المعذبون لذاتنا ،نحن الملفقون كل التهم للغير، و إنصاف أنفسنا ،نحن المهلكون لأرواحنا، وتقطيعها  إربا ولا نبحث عن تجميعها  أبدا، بل نكتفى بنظرات الشفقة المحملة بالعتاب لأقدارنا، التى نراها  إجبارا ،وجائت لتكئبنا .

ولأننا الضعفاء فى الحقيقة الأقوياء ظاهريا، نتحمل ليرانا الجميع سعداء، ليتأكدوا من حبنا وعفويتنا وطيبتنا، ليمدحوا فى أخلاقنا العالية ،ويلصقوا كل صفات الجمال والحسن فينا .

رغم  أننا لو نظرنا لحياتنا نظرة شاملة، سنجد أن لكل شئ نهاية ،ولكل حسن قبح داخله، لكل قوى ضعف ينقصه ،ولكل ضعيف قوة تواسيه، نجد ان هناك قمرا يحتضن ظلمته، وهناك شمسا تحرق الملتصقين فيها ،وهناك زهرا تذبل نضارته، وشجرا تتساقط اوراقه.

فليس هناك جمالا مطلقا و أخلاقا ثابتة، هذه هى سنة الحياة،ولو اننا لدينا المثاليون أصحاب المبادئ المتناهية، لما امتلأ مجتمعنا بالظلم والذنوب والصفات السيئة ،حتى فى كل صفة جميلة يولد معها القبح.

ونحن خلقنا لنحمل كل الصفات الجيد والسئ منها ،ولكل شخص يحمل درجة من كل صفة سواء أظهرها أو أخفاها، ولا يعنى قولى أن كل شخص نراه على خلق يحمل الكثير من السوء داخله، ولكن يعنى انه يحمل السوء ولكن بدرجة قليلة،  أو أنه يجاهد نفسه ليحمى هذا السوء من الخروج فيصدمنا، ولكن يوما ما لابد أن يستخدمه مع كل الأشخاص المستحقون له، وفى الوقت الذى يراه مناسبا لاظهاره ،حتى لا يجلد روحه ويميت الجمال فيها، لتخزينه كل معالم السوء الذى فيه، وزيادته من الأحمال التى يتلقاها من السيئين حوله.

فلنعيش فى سلام داخليا وخارجيا ،وسلامنا الداخلى سيفرض علينا سلاما خارجيا يريحنا ،حتى وإن  أتعب غيرنا، فيكفى أننا نعيش الأنانية مع من يستحقها ،ونعيش التضحية مع الأكفاء لها ،مع من يشابهنا ويجدنا الملاذ له وسط زحام مدعي التشابه، وواهمى المثالية .
سارة فؤاد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.