ميادة منير تكتب في زماننا…يُرنِّقُ الحق!


في زماننا…يُرنِّقُ الحق!

مثيرٌ للشجن أن تری طائرًا يُرنق في يومٍ مَطِرٍ تاركًا جسده مسلوب الإرادة، عديم الحركة، مستكينٌ استكانة الموت، جناحيه يخفقان ويمتلكان الحرية الكاملة للسعي، ولكن أنّا لِهاتِه أن تتحرك وتجوب الأفق باحثة عن مرماها الصحيح من دون قوة تدفعها وتمهد لها الطريق!

الحق قوة. فهو الثابت بلا شك، وهو نقيض الباطل، والدفاع عنه فريضة فرضها الله عز وجل علی الناس أجمعين، والتخلي عنها في بلاد المسلمين تعني أن المجتمع قرر أن يترك إرادته الحرة وتسليمها لمن هو أكثر منه قوةً وسطوةً وجبروتاً، ومن هنا يستوطن الذل، وتتنحی العزة وتتجبر قوی الجهل، وينحرف مسار الحياة فتتسع رقعة الباطل وتتقهقر معاني الحق وتتواتر من الباطل معانيه.

ففي القرون الأولی، كان الإعراض عن تدبر آيات الله، والعزوف عن النظر في آيات الكون يؤدي إلی التكذيب بالحق من دون تدبرٍ أو تأملٍ أو حتی التفكر بالاستدلال والمنطق. والناس في ذلك قد كذبوا ما جهلوا، وعارضوا دونما تبين، فآثروا الكفر علی الإيمان، والمعصية علی الطاعة، وصموا آذانهم بحجة أن هذا الدين الحق لم يكن دين آبائهم كما أخبر المولی عز وجل في سورة يونس:
“بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)”.
وفي زماننا…يعلو الزبد، وليال الشر عاتية، والأعداء يتربصون وعيونهم يقظة، ينتظرون أن تركد ريح المؤمنين وتنزع شمس الحق منهم، وما علموا أن نفوسنا قد هزمت، وخبت وتثاقلت، وأن اليقين قد عبر شطآنٍ غير شواطئنا، وأن الإيمان قد تداعی وانهار وسقط. في زماننا أصبح التقي النابض قلبه بالحق عاجزاً، والكافر معجزاً!

والأمة بحاجة إلی مؤمن يتحمل الجلد، ويمسك بتلابيب نفسه آخذاً إياها علی محمل الجد، والكفاح، والجهد المضني لا في سبيل رفع راية الحق، فرايته غالبة مرفوعة دائماً لأنها تمثل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض وتمكين النصر لأهل الحق وتلك هي سنة الله في أرضه، ولكن بذل الجهد في أنفسهم فيصبرون، ويتحملون، ويجالدون في دواخلهم من القوة والثبات الذي يحني رأس الباطل ويمحق وجوده، ويقطع سريانه، وبذلك تتحقق الغلبة وينقشع سواد الليل، ويزهق الباطل، ويُطمس في بحور الحق.

ولن يغيب عن أذهاننا أن الحق يظل ساكناً كجسم الطائر، ربما يظن البعض أنه قد مات أو استكان أو انزوی، ولكنه وأصحابه في صراعٍ دائمٍ مع الباطل وأهله، يصطلي أهل الحق بناره، ويتمارون فيما بينهم. فالحياة آسنة لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، فهي طبائعهم التي فطروا عليها؛ أن تتعارض مصالحهم وأفكارهم واتجاهاتهم لتنطلق الطاقات وتتزاحم وتتغالب لتنفض عنها الكسل والخمول والضعف، وتظل أبداً يقظة عاملة غالبة، مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة في دفع الظلم والعدوان والجور، فيذهب جفاءً لا أثر له ولا كيان، ولا تماسكاً فيه إن وُجد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.