أحمد غنيم الله يرحمك يا (عَدَوي)


 

قريتي تطلُ على ترعة صغيرة، نسميها نحن البحر، هي تلك الترعة التي ترونها هناك.
في إحدى ليالي خريف عام ۲۰۱۱ كان عمري حينها أربعة وثلاثين عاماً، كنتُ أسير بجانب الترعة ومعي ثلاثة من أصدقائي، وفجأة لاحت أمامنا سيارة نقل تسير بسرعة كبيرة، ثم ابطأت قليلاً وشاهدت جِوالاً يسقط من السيارة في جسر الترعة، ولم يلاحظ أيٌ من أصدقائي ما لاحظت أنا.
أنهينا السير بعدما أكتفينا من الثرثرة واللهو، وعاد كل واحدٍ إلى داره، لكني أردتُ وبشدة معرفة ما بداخل هذا الجِوال.
أهي جثة أحدهم؟!
ربما جداً، وهذا هو الأرجح!
نزلت من بيتي القريب من الترعةالترعة، وتسابقتْ خطواتي يدفعها الفضول حتى وصلت للترعة مرة أخرى، بالتحديد المكان الذي أُلقى به الجِوال، وكانت الساعة حينها تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل.
نزلت بهدوء لجسر الترعة، وشاهدتُ الجِوال الذي اقتربت منه ببطء وحذر، ومن ثَمَّ ركلته ركلةً خفيفة بباطن قدمي، فشعرت بمرونته..
يا الله! إنه بالفعل قتيل.
«من قتله؟!.. من المؤكد أن القاتل هو من كان بالسيارة، وواضحٌ تماماً أنه ألقي به متعمداً، مُبعداً إياه عن موقع جريمته؛ ليشتت الشرطة، وينجو بفعلته»
كانت تلك الأفكار تجول بذهني وأنا أبتعد عن الجسر وضربات قلبي تزداد وفرائصي ترتعد خوفاً، وفجأة بدون ترددٍ أو تفكيرٍ مُسبَق وجدت نفسي أعود للجسر مرةً أخرى ..
الأدرنالين مازال يُفرز، معركة ضربات قلبي تشتد وطبولها تدق بساحة أذني، وبغير وعيٍ اقتربت من الجِوال محاولاً سحبه لأعلى. كل هذا والطريق هادئٌ تماماً، لا تنسَ أننا في منطقة ريفية، ولا يخيفني الآن إلا أن تخرج (النداهة) لتنادي باسمي، وتسحبني حيث الهلاك، ربما أوضع في جِوالٍ أنا أيضاً.
المهم سحبت الجِوالَ لأعلى وقمتُ بفتحه، وكانت المفاجأة أني لم أجد قتيلاً، بل وجدتُ أكياساً من المخدرات. أسرعتُ وأغلقتُ الجِوال كما كان وأعدته لموضعه، وحاولت جاهداً اخفاءه عن عيون المارة، وقد نجحت في ذلك بمساعدة فروع الأشجار المتناثرة على ضفتي الترعة.
ظللت يوماً ويومين وثلاثة أراقبُ الجِوال عن بُعد؛ عسى أن تعود تلك العصابة لياخذوه مجدداً .. ربما يكون قد سقط منهم سهواً، أو ربما يأتي تاجر المخدرات الذي ابتاعه ليستلمه، من المُحتمل أن يكون ذلك المكان هو مكان التسليم، والحق أنه أفضل مكان لإبرام مثل تلك الصفقات الخبيثة.
العجيب أنه لم يأتِ أحدٌ ليأخذه، فجالت في خاطري فكرة أنهم قد فقدوه وهم عنه غافلون؛ قررت حينها أن آخذه لنفسي .. إنه كنز ثمين جداً. وبالفعل في ليلة اليوم الرابع وفي نفس الموعد
(الواحدة بعد منتصف الليل) ذهبت ناحية الترعة وتدليت الجسرَ، فبلغت الجوالَ الذي سارعت باختطافه والعودة به لمنزلي في حذر.
بتُ ليلتي تلك مضطرباً أفكر بقلقٍ فيما سوف أفعله بهذا الكنز الخطير، وجاء الحل البديهي
لعقلي.
استيقظت في صباح اليوم التالي، وأخذت عينة من المخدرات، ثم اتجهت لأحد الأسواق السوداء بإحدى المناطق العشوائية التي تشتهر بالصفقات غير الأخلاقية.
تجولت في تلك المنطقة وأنا أشعر بالدفيء الشديد والثقة المُفرطة؛ بسبب المخدرات التي بجيبي، وبينما أنا تائهٌ إذ ببلطجي غائبٌ عن الوعي يطرق على كتفي من الخلف فأدرت وجهي ناحيته ليخبرني والنعاسُ في كلامه إن كنت أريد حشیش، بانجو، تامول، ترامادول، أي مخدرات أريدها سيحضرها لي في الحال!
قلت له: «نعم أريد كمية كبيرة من تلك البضاعة»
فقال لي: «كم تريد بالضبط؟»
قلت له: «ما عندك أشتريه بالكامل»
نظر لي بتأملٍ لثوان عدة، ثم أصطحبني بعدها لأقابل التاجر كبيرهم، وهذا ما أردته.
دخلنا على التاجر ذي الهيبة العظيمة والوقار الجلل والكلسون المُمزق عند الركبة .. لا ليس فقيراً بالطبع إنها موضة عشوائية حديثة، ومن كمال أناقته جوربه المقطوع عند إبهام قدمه، وكان كرشه يتدلى ليعيق بصره عن رؤية الشيشة التي كان يحرق تبغها بنهم. و بمجرد دخولنا ألقي عليه البلطجي الغائب عن الوعى السلام وأخبره باني زبون لا أُعوض ..
نهر التاجر هذا البلطجي «الصايع» وطرده خارج الوكر خاصته، بينما دعاني أنا للجلوس.
جلستُ مُتردداً، وكنت على وشكِ الحديث حتى حلف بالطلاق ثلاثاً بألا أفتح فمي بحرفٍ حتى يحضر لي إفطاراً! في الحقيقة كنتُ خائفاً جداً، وزادت رهبتي عندما رأيتُ السلاحَ الذي كان بجواره.
علا صوته فجأةً منادياً (صفاء) التي أخبرني بأنها «الجماعة». تأخرت «الجماعة» ما يقرب من عشرين ثانية عن تلبية نداء «المعلم» لتنال سباً ولعناً شاب له شعر رأسي .. كان الله بعون
(صفاء)!
أحضرت (صفاء) الإفطار الذي التهمه التاجر بالكامل بينما نلت أنا منه مقدار مضغة أو مضغتين فقط. أنهينا الطعامَ وصنع لنا كوبين من الشاي على موقد قد اعدته لنا (صفاء). ثم وبعد ثلاث ساعاتٍ من الخوف والأكل والشرب أخبرني بأنه سينام! وإن أردت الحديث فعلي القدوم في وقتٍ آخر. بلا أي مقدمات وأنا أترنحُ ما بين الخوف والغضب وجدتُ نفسي بعفوية أخبره بأني أمتلك جِوالاً من المخدرات. تفاجأ التاجر من قولي، و أرخي جسده في موضعه ثم اعتدل وشمَّر الكلسون وتربّع، وأخرج هاتفاً من جيبٍ داخلي بالقرب من دهاليز كرشه وأعطاني إياه وأمرني بأن أخُرج له رقم الحاج (محمد أبو عوف).
بحثتُ عن الاسم ووجدته سريعاً، ثم أعدت له الهاتف ليقم بالاتصال به، ويخبره بأمري، ثم أنهى الاتصال ونظر لي متسائلاً إن كان معي عينة من تلك المخدرات أم لا!
على الفور أخرجت له عينة المخدرات التي كانت معي، فالتقطها وجعل يتفحصها جيداً، ثم قال لي:
«كم تملُك من تلك المخدرات تقريبا؟»
قلت له: «مقدار جِوال. ربما ستون أو سبعون كيلوجراما» فقال لي: «حسناً، سنأخذه منك بخمسمائة ألف جنيه» وافقت على الفور واتفقنا أن مكان التسليم سيكون عند الترعة القريبة من بيتي فأنا لا أستطيع التحرك بعيداً بمثل هذه الأشياء اللعينة، بينما هم لديهم طرقهم الشيطانية الخاصة.
ودعتُ التاجر وأنا اتنفس الصعداء، بعدما وصفت له طريق الترعة بالتحديد، واتفقنا على اللقيا مساء اليوم.
عدت لبيتي وانتظرت حلول المساء، وجاءت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وهو الموعد المتفق عليه ..
خرجت بالجِوال، وانتظرتُ قدوم التاجر، ولم تكد تمر دقيقتان حتى وقفت سيارة أمامي مباشرةً، نزل منها رجلان أحدهما التاجر والثاني أظنه الحاج (محمد أبو عوف).
كان الأمر سهلاً جداً وبسيطاً جداً .. أعطيتُهم الجِوال وأعطوني شنطة بها خمسمائة ألف جنيه، ثم عرضا علي بأن أعمل معهما فوافقت مُرحبا .. ما أبسط تجارة المخدرات التي انهمكت بها.
ظللتُ عاماً كاملاً اتاجر معهم، وعلمت فيما بعد أن ثمن الجِوال كان يساوي عشرة أضعافه حينها .. على كُلٍ زاد نفوذي خلال هذا العام وأصبحتُ ذا هيبةٍ ووقار، لكني لم ألبس كلسوناً قط. وفي يوم من الأيام وجدتُ رقماً غريباً يتصلُ بي فأجبته ليخبرني بأنه تاجر من بورسعيد، يريدُ إبرام صفقة مخدرات كبيرة معي، فوافقت مُرحباً، وأسرعت للذهاب إلى بورسعيد؛ كي أقابله
قصدتُ العنوان حسب وصفه فوجدت نفسي بداخل منطقة هادئة جداً وشارع نائمٌ تماماً .. دخلت العمارة .. وصلت الشقة المنشودة .. طرقت الباب .. فُتِحَ لي .. دخلت ووجدت التاجر جالساً على الأرض، فرحب بي وتحدثنا قليلا عن تجارة المخدرات .. ثم اتفقنا على الصفقة واعطاني عربوناً، كنت وأنا جالس معه اتكلف اللهجة اليمنية حتى أعطي لكلامي هيبة غربته؛ ليشعر بأني تاجر مخدرات لا مثيل له على الإطلاق، وكان الأمر كذلك مناسباً لعبائتي وعمامتي. أخذت العربون منه وهممت بالرحيل مودعاً إياه، وإذ بجميع أبواب غرف الشقة تُفتَح، ويخرج منها رجالٌ مسلحون بالزي العسكري، ففهمت على الفور بأنهم رجال الشرطة، وكان التاجر اللعين هذا لسوء حظي نائباً لرئيس مكافحة المخدرات .. استسلمتُ لهم بالطبع، وتم تقييد يداي بأساورٍ من معدن بارد.
خرجنا من العمارة للمنطقة التي كانت هادئة منذ قليل، والآن هي تعج بعربات الأمن المصفحة وعشراتٌ من أفراد الأمن والضباط عند كل عربة.
كل هذا من أجلي؟! يا الله ! .. كم أنا شخص هامٌ وخطر!
و بالطبع تم احتجازي بقسم الشرطة عدة أيام حتى زارني التاجر ذو الكلسون، الذي أخبرني بأن بضاعتنا قد سُرقت من المخازن وهي بضاعة تقدر بالملايين، المصائب لا تأتي فرادى. ولم يكن معي مال حينها سوى خمسمائة ألف جنيه كنت أحفظهم بمكان بعيد عن المخزن. أخبرني التاجر أيضاً بأنه يجب أن أستعين بمحامٍ جيد ورشح لي محامية من مدينة الإسكندرية وأخبرني بأنها جيدة جداً وماهرة برغم صغر سنها.
أنا لم أقتنع بفكرة المحامي على الاطلاق. القضية مبتوت في أمرها قد قُبض على متلبساً وبواسطة رئيس مكافحة المخدرات نفسه، لكني على كُلٍ وافقته واستعنت بالله ثم بالمحامية صغيرة السن.
جاء يوم المحاكمة وحضر وكيلُ النيابةِ، وكذلك نائب رئيس المكافحة الذي قبض علي، ومساعدوه، وبدأوا يسردون ما حدث، وأخرجوا التسجيل الصوتي للقائنا في الشقة أثناء إبرام الصفقة الزائفة.
كان الجميع ضدي وكانت النيابة تبالغ في وصف جريمتي الشنعاء، وكذلك نائب رئيس المكافحة مُطالبين بإعدامي، ولو كنت مكان القاضي حينها لحكمت بالإعدام مباشرةً دون تردد.
جاء دور الدفاع فأشفقت على المحامية صغيرة السن .. ماذا ستفعل وسط هؤلاء الحيتان؟ أخبرتها ألا تتحدث، وأنا قد رضيتُ بالحكم، فتجاهلتني ووقفت أمام القاضي تخبره بأن نائب رئیس المكافحة هذا كاذب ومُدعي، وتلك القضية مُلفقة بحجة أن لهجة الرجل الذي بالتسجيل الصوتي يمنية، وأنا لهجتي مصرية .. لهجة فلاحين أصيلة، كما ساعدنا في الأمر التاجر ذو الكلسون -حفظه الله وغفر له- حين شهد حالفاً بالطلاق أني كنت معه في مزرعته بالفيوم في ذلك اليوم وصدَّق علي حديثه الشاب البلطجي «الصايع» الذي قادني إليه وإلي هذا الطريق اللعين .. العام المُنصرم إن تذكرت!
خفض القاضي نظارته وظل يرمقني ثوانٍ، وكنت أتكلف الهدوء والمسكنة. ولعلمك أنا ممثلٌ بارعٌ جداً .. كنتُ أريد أن أبكي أيضأ لزيادة الحبكة الدرامية، لكن القاضي لم يعطني أي فرصة، وإذا به يوقع على الأوراق التي أمامه، ثم وبصوتٍ قوي حكم ببراءتي من تلك التهمة.
یا الله ! .. كم أنت عظيم!
خرجتُ من المحكمة أنا ومحاميتي الجسورة ومعنا التاجر الكذَّاب، وهذا البلطجي «الصايع» الذي علمتُ فيما بعد بأنه شقيق «الجماعة».
بمجرد خروجنا من باب القاعة أخرج التاجر سكيناً من جيبه القريب من دهاليز كرشه وهدد الشاب البلطجي بالذبح إن لم يتركنا ويرحل، على الفور هرول الشاب مبتعداً .. طبعاً ما فعله التاجر هو من بديهيات الغباء، ولا اعلم سر كُره التاجر لهذا «الصايع» خال العيال .. من الواضح أنه يكره تلك العائلة بكامل أفرادها.
بعد ذلك أخبرتني المحامية بأنها تود أتعاباً بقيمة خمسمائة ألف جنيه، فأخذتها لمكان المال وأعطيتهم إياها.
عدتُ لقريتي صفر اليدين كما خرجت منذ عام ماض، وبمجرد وصولي القرية إذ بـ(عبدالفتاح) صديقي يقابلني بالأحضان! ويسألني عن أحولي! وأين كنت؟ وماذا كنت أفعل؟ وكذلك لم يعطني أي مساحةٍ للإجابة .. ربما كان لديه الكثير ليخبرني إياه!
المهم أخذني (عبدالفتاح) لبيته وأحضر لي طعاماً فاستغللتُ انشغاله بالأكل لأسأله عن أصدقائنا .. لم أرهم منذ عام! أخبرني أنهم بخير إلا صديقنا (عَدَوي) توفاه الله!
-«يا رجل!.. كيف هذا؟!»
فقال لي: «لقد وجدوه مقتولاً .. وجدوا جثته عائمة تحملها مياه الترعة»
ثم ترك الطعام وأكمل قائلا: «بيني وبينك (عَدَوي) كان يعمل مع تُجار مخدرات واتهموه بسرقة جِوال من المخدرات كانوا قد أرسلوه إليه، وكان لا بد أن يقوم بتسليمه وأخبرني قبل موته بأنه بحث عن الجِوال كثيراً في المكان الذي تركوه به، لكنه لم يجده»
همهمتُ قائلاً: «كان لا بد أن ينبش بفروع الأشجار ويزيلها»
نظر لي (عبد الفتاح) بتعجبٍ قائلا: «أتُحدث نفسك أيها المجنون؟!»
فقهقهت بصوتٍ عال وقلت: «الله يرحمك يا (عَدَوي)!» ثم أكملت قهقهةً وتركتُ بيتَ (عبدالفتاح) مُتجها لبيتي. الدموع تغرق وجهي، والضحكات تهز صدري. لا أعلم ما هذا الشعور! لكن ما أعلمه هو أني قد شعرت به حينها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.