د.طلعت الدردير يكتب ذهاب بلا عودة


 

ذهابٌ بلا عودة
ربما لم يحن وقت الرحيل، ولكن علينا التأهب فالركب لا ينتظر أحدًا، إنها سفرة نهائية لا يمكن أن ندرك غيرها، ولا يمكن حتى تأجيلها. إن تذاكر سفرنا فيها ليست كتذاكر سفرنا في الدنيا، فلا تُؤجل، ولا تُسترجع قيمتها، ولا حتى يمكننا الاعتذار عن السفر، وهي ذهاب بلا عودة، والسفر فيها حتمي ومحطة السفر عند الرحيل غير معلومة، يأتي وقت سفرك غفلة وأنت عنه مشغول لا تدري، فينادي عليك المنادي وليس لديك خيار إلا القبول بعرض السفر والشروع العاجل في إنهاء الإجراءات بلا وداعٍ للأهل والأحبة، ولا حتى بترك ما توصي به لغيرك ولنفسك، زادك فيه ما أعددت سابقًا، فلا طلب ولا رجاء فيه لزاد لم تعده، ومحطة الوصول كذلك عبارة عن محطتين لا ثالث لهما، المحطة الأولى تستقبل أهل النعيم من السعداء الذين وجبت لهم الجنان، وتهيأت لهم الحور العين، يفدون منعمين مستبشرين من الجهة اليمنى للركب بهدوء وسكينة وسعادة ما بعدها سعادة، فقد تمت رحلتهم على أحسن وجه، ورغم مشقة السفر في بعض محطاته إلا أنهم تحملوا وصبروا فنالوا ما تمنوا، أما محطة الوصول الأخرى فهي على يسار الركب، وبئس المنزل وتعس وافدوه، ويا ويلهم، ليتهم ما ولدوا ولا خط لهم القلم أعمالاً سُوِدت منها الوجوه، وتعست بها مصائرهم، عاشوا رحلتهم بكل تفاصيلها بما فيها من لهو ومتع وانتهاك لقوانين السفر والرحيل، ولم يدركوا أنهم كلما اقترفوا إثمًا مال بهم إثمهم تجاه التعاسة الأبدية والشقاء الذي لا ينتهي.
إنها الرحلة الأخيرة والوداع الذي لا تُؤمل بعده عودة، فياليت شعري أترانا لن نعود؟! كيف لنا ترك الديار والأحبة وما أفنينا فيه عمرنا كله، أرانا لم نعد نملك فيه شيئاً، بل لم نعد نحن فيه شيئاً، غادرنا الأحبة فأسدلوا علينا ستائر النسيان، وأصبحنا مجردَ صورٍ في الأركان يغطي التراب ملامحنا، ولا يلتفت الأحبة لهذه الصور الجاسمة فوق الحوائط التي أنّت منها كحمل ثقيل، ولم يعد لنا في ذاكرة أحبتنا نصيب؛ وذلك من فرط ما شغلوا به وشُغلنا به قبلهم.
وصيتي قبل الرحيل: جهزوا المتاع النافع والزاد المعين فالرحلة طويلة والسفر شاق ولا مناص منه، ولا تنشغلوا في سفركم إلا بما ينفعكم، فالوقت يمر لا محالة، ومن شُغِل بغير ما ينفعه صار الندم رفيق دربه على الدوام، ثم عليكم أن تكونوا دائماً مستعدين لتلبية نداء السفر إذا ما جاء دوركم وتعرضتم لما أشفقتم منه قبل ذلك وخفتموه، بل تغاضيتم عن ذكره وكأنه محال. وفي الختام، أتمنى من الله أن تكون وجهتنا جميعاً محطة الوصول السعيدة في جنان الله ومعيته، وأن نسعد جميعًا في رحلتنا حتى الوصول الآمن إن شاء الله.
الله الله في أوقاتكم، والله الله في أعماركم وأعمالكم، فما يمضي لن يعود، ومن يترك يُترك، ولا جدوى مما لا يُؤمل منه خير ولا نفع ولا له قيمة كأنه قليلُ زبدٍ يطفو فوق ماء البحر الهائج .

طلعت الدردير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.