د.طلعت الدردير يكتب الأزمة من منظور آخر


 

الأزمة من منظور آخر

ازيكم..!
كل طبقات المجتمع، في دول العالم، فقيرها وغنيها، صحيحها وسقيمها، قويها وضعيفها، المشهور منهم والمنسي محتجبًا عن الأنظار، كلهم في حاجة الله، ولا يزايد أحد ويرفع من شأن من هم في مثل حالنا وينقص من قدر غيرهم، فكلنا والله إلى الله أحوج ما يكون في جميع الأحوال وفي كل الظروف، ننتظر جميعًا أن يسخر الله لنا الطبيب العالم المخترع أو جندي من جنوده الذين يعلمهم هو وحده سبحانه لينقذ البشرية ويسدل ستار هذه المسرحية المرعبة التي ما زالت تدور أحداثها على مسارح الدول بلا استثناء وقد نالت وما زالت تنال من مقدراتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على حد سواء.
لعلها عبرة وتذكرة ليعتبر منها العقلاء ويتبناها صاحب كل لب لتكون منهاج دنيا ودين، ليعتبر منها وليتذكرها في كل وقت وحين، وإني لأظن في الله خيرًا بقرب الانتهاء ووجود الحل إن شاء الله، وأرى أنها ما ضاقت إلا وفرجت، وما عسرت إلا ويسرت.
يارب يارحيم، يا صاحب القدرة وصاحب العفو والرحمة، عزلنا ومُنعنا ولزمنا منازلنا ورفضتنا دولًا وأُغلِقت في وجوهنا الحدود بدعوى الوقاية خير من العلاج، والرسالة هي أن التوبة كذلك خير من العناد، وخير كذلك من الاستمرار على معصية من بيده ملكوت السموات والأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
في هذا الزمن، وعلى نفس النهج الإنساني منذ بدء الخليقة، لا بد من الأزمات والكوارث ليعتبر المعتبرون وينسلخ كل منّا عن طاقية الاخفاء التي يرتديها، ويظهر بطبيعته وفطرته عبدًا ذليلًا تائبًا منيبًا إلى الله، الآن وفقط كلنا ملائكة تمشي على الأرض، نتعاون نتحاب نتقارب نتشاور ندعم نشجب نوصي نهيب…، كثيرة هي المحسنات البديعية والقيم الإنسانية والأخلاقية التي تظهر في وقت الشدائد.
كورونا، لا شكرًا ولا مرحبًا بك بالطبع، فأنت بغيض ولا أحبك، ولكن فضلك على البشرية يتمثل في كشف اللثام عن زيف مشاعرها ونفاقها وفرقتها ومصالحها المتضاربة وقوانين الغاب التي يحكم بها بعضنا بعضًا.
نفرُ من قدر الله إلى قدر الله، نعيش نتأهب ونستعد، نأمل في نجاةٍ في الدنيا ولا ندرك أن النجاة الفعلية هي الخروج منها على طاعة وتقوى لله، ولا فرق في الموت إن كان سببه كورونا أو غير ذلك، فالموت موت والموت فراق، والموت انقطاع عن الدنيا، ولا أرى، على سبيل المثال، مرضى السرطان، عافانا وإياكم الله، إلا أشد من مرضى كورونا بؤسًا، وربما وجدت الإنسانية في القريب العاجل مصلًا أو لقاحًا يُشفى به المرضى من كورونا الدخيل الغامض، ولكن سؤالي الذي أختم به: ما علاج المسجونين ظلمًا وبهتانًا؟ وما علاج الأيتام والمساكين والفقراء والمحتاجين؟ وما علاج جياع الشوارع والمتعففين؟ وما علاج المنبوذين والمظلومين والمهجّرين قسرًا؟ بل ما علاج المسنين وساكني دور المسنين وعندهم ما عندهم من الأملاك والأموال، ولكن كل ذنبهم أنْ رمت بهم أيادي العاقين من أبنائهم في هذه الدور للتمتع الزائف الزائل بالأملاك والأموال؟ بل أتساءل كذلك: ما علاجنا نحن وما زلنا نتمسك بالحياة مغيبين عن حقيقتها مفتونين بزخرفها الجيري الصبغة الهش الصنعة؟
نعيش وما زلنا نأمل في الأجمل، ورغم مآسي التجربة إلا أننا يحذونا الأمل، ويحيط بنا الغد المشرق لينشر ظلاله ونوره الساطع في مخيلات عقولنا ومشاعرنا لتتجاوب مع طبيعتنا البشرية التي من سماتها النسيان وإسدال الستائر مسرعين حتى قبل مشهد النهاية.
إن من الحكمة أن نتعلم من ماضينا وحاضرنا لرسم خطى المستقبل، ولعل التجاوب مع الأزمة الحالية وتداعياتها يفرض علينا أمورًا عدة: أولها هو التزام منازلنا وعدم الخروج منها إلا للضرورة القصوى مع أخذ الحذر والحيطة والتقيد بالإجراءات الاحترازية قدر الإمكان لتجنب العدوى، وثاني هذه الأمور هو عدم الاستهانة بالقادم؛ لأنه في علم الغيب ولا ندري ماذا يحمل لنا فيما يتعلق بمضاعفات الجائحة وانتشارها؛ ولذلك علينا بالأخذ بأساليب الوقاية وعدم التعجل في فك الحظر وتطبيع عادات الحياة كما لو كانت قبل كورونا، وكذلك وقبل كل شيء علينا بالتوبة والرجوع إلى الله والعمل على التقرب منه سبحانه، ولعلها فرصة قدرها الله لنا لنعود من جديد ونرجع متمسكين بالمنهج الرباني على الدرب والمسار المستقيم، ومن هذه الأمور كذلك أن نقف خلف قياداتنا وقفة رجل واحد حتى نعبر الأزمة، كل القيادات أقصد، وكل من بيده أطواق النجاة ممن جعلهم الله سببًا لفك لغز هذا الوباء قدر المستطاع، والتعامل معه وفق معطياته، وأخص بالذكر هنا الأطباء والجهاز المعاون لهم، فعليهم العبء الأكبر ولهم منا كل الدعم والمساندة لعل الله يسوق على أيديهم الشفاء والنجاة والمواجهة الفاعلة المنجية بإذن الله .
إخواني وأخواتي سلمكم الله، إنها معركة لا بد من خوضها والغانم الرابح فيها ومنها هو من يلتزم أصولها ويتسلح بأسلحتها الوقائية ويسير وفق خططها الموضوعة تحرسه العناية الإلهية، فلا تملوا ولا تيأسوا وكونوا يدًا واحدة؛ لأن عدوكم واحد نصب أعينكم فلا تجعلوا له الغلبة عليكم بهزيمتكم النفسية وتشتت وجهتكم في مقاومته، سلمكم الله وحفظكم من كل سوء يارب.

سلامات…!

طلعت الدردير
باحث دكتوراه-الجامعة الدولية للعلوم الإنسانية-كندا

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.