سما يوسف زعانين تكتب لاعبو خيالات الظل


 

لاعبو خيالات الظل
بجوار تمثال صلاح الدين الأيوبي المسلول سيفه غربًا نحو فلسطين، كانا جالسين، شدّت على يدّ الصبي بقوةٍ؛ محاولةً الإبقاء على تشبثها بمستقبلٍ يترنّح بواسطة أعاصير تدفعه للسقوط.


وسط حقول شقائق النعمان الحمراء كانت تقف، مرتدية فستانًا بلون الحقل، حاملة مظلة فتحتها لتحجب الرؤية عن ما هو أمامها، سألها بصوتٍ هادئ:
“لمَ تفتحين المظلة؟ فشمس حزيران ليست حارقة هنا، أنظري فالدحنون يانع ومزهر.”
أجابت: “المظلة لا لتحميني من الشمس بل لتحميني من رؤيتك.”
“هكذا إذن .. ولكن لماذا؟ ألهذه الدرجة بتُّ مكروهًا بالنسبة لكِ؟”
“تقصد بتَّ محبوبًا لدرجة أننّي لا أستطيع النظر في عينيك الآن، فكيف تريدني أن أنظر لملامح ربما لا أراها بعد هذه اللحظة؟”
أمسك يدها وقال:” لا تخافي يا حسناء .. ألا تثقي بي؟”
“أثق بك ولكن .. لا أثق بعودتك”
“ثقي بي وبجيوشنا، سأعود”
“ألا تري هذه الزهور الجميلة؟ .. لقد نبتت راويةً قصة رفض النعمان بن المنذر تسليم نساء العرب سبايا وخوضه معركة من أجل ذلك، أتظنين أنّ العرب يرضون بالذل؟!”
“أحقًا ستعود؟”
“نعم سأعود .. ثقي بذلك”
تركها ومضى رافعًا رأسه ببطولة أسدٍ واثق من حكم الغاب ..
مضت الأيام .. ولم يعد .. كانت دائمة الانتظار له قُرب موقف الحافلات متفحصةً وجوه الجنود المنتكسة المهزومة، محاولةً الوصول لأي خبر .. حتى جاء الخبر من صديقٍ عزيز بأنّه لا مجال لعودته بعد الآن.
تتالت عليها الأيام وسط حزنٍ عميق، خسارة الحبيب، وخسارة البلاد.
كانت كل يوم تُحادث رضيعها عن قصص البطولات والانتصارات القريبة، عن العزة، تحادثه بأخبار المذياع الخشبي تعلو مرددةً: “لا للسلام، لا للمفاوضات، لا للاعتراف إلى أن يعود الحق لأصحابه ”
وبعد أن ذبُلت حقول شقائق النعمان، بدا كل شيء يذبل أكثر وأكثر.
تناثرت الأحداث مع السنين بكل سخرية فوق الرؤوس، كلّ حدثٍ أصعب من سابقه، وكلّ اتفاقٍ هزيل نفي للحقوق.
كانت في كلّ حزيران تقف وسط الحقول مستذكرة قصة النعمان، ساخرة من تناقض الأحوال، فالبلدان أصبحت سبايا للصديق قبل العدو، بل أصبحت سبايا زعمائها الآن!
شيئًا فشيئًا بدأ بساط شقائق النعمان الأحمر بالتقلّص، وبدأ الدم الذي يغلي في العروق بالبرود..
باتت تُنصت لعالَمٍ لا يقدِّم لها سوى الخذلان، فخَفَت صوتها الذي اعتاد أن يعلو بأساطير البطولة، وصل لمرحلة الصمت المخيف، لكنّها بمجرد أن احتضنت حفيدها شعرت بإحساسٍ شديدٍ يعتريها بأنّ المستقبل سيبرق أملًا، فعادت تخبر قصص البطولات رغم الآلام، وتدّعي الانتصارات رغم الهزائم.
كبُر حفيدها وأصبح صبي مشتد العود، يحمل نظرات بطولية تربى عليها، وبجوار تمثال صلاح الدين الأيوبي الذي يتوسط الكرك، حادثته عن بطولات جدِّه وأصدقائه وكيف خرجوا تاركين كلّ شيءٍ خلفهم نُصرةً لبلدانهم، وحينها قررت أن تقرأ رسالةً أوصلها لها ذلك الصديق العزيز من زوجها، أبقتها مغلفة طوال تلك السنين، أسيرة ًلخوفٍ في قلبها لم تعلم سره.
أخرجت الرسالة من جيبها وفتحتها للمرة الأولى بعد سنواتٍ طويلة علّها تجد ما يسرها، قرأت بصمت:
“عزيزتي حسناء..
بدايةً، أُرسل سلامي لكِ وللبلاد، لشجرة الزيتون وحقول الدحنون، للأهل والأحباب…
أرجو أن تسامحيني فأنا لن أعود كما وعدتكِ، أتمنى بعد أن تقرئي التالي أن تحتفظي بصورة البطل التي لازمتكِ ولا تمحيها من عينيكِ وعيني ابننا..
سامحيني فأنا لستُ قويًا لدرجة أن أعود لواقع مهزوم، فالخيار الأمثل كان لي هو بتصويب السلاح على رأسي حتى لا أرى آثار هذه الهزيمة على أجيالٍ كثيرةٍ قادمة، فأنا لا أستطيع أن أعيش وسط عروبةٍ مستقبليةٍ خائنة، كلّي أمل أن تكوني قد فهمتِ ما أقصد.
أتمنى لك السعادة والهناء
مع محبتي
يوسف”
ساد الصمت عليها لفترة طويلة، طويلة بعدد دقائق الزمن الذي تتالى متسارعًا بعد تلك الهزيمة الساحقة..
سأل الصبي بإلحاحٍ فضولي كاسرًا سجن صمتها البائس: “جدتي ماذا كتب جدي في الرسالة؟”
نظرت إليه بأسى وشدّت على يده وقالت:
“أين ذهبت تلك اللاءات يا أسدي لا قيمةَ لها الآن .. فنقيضها ما حدث مثبتًا أنّها خاوية بلا وزن … والحق مازال يُختلس.”
حَنَت ظهرها قليلًا، وجعلت وجهها مقابلًا لوجهه ثم قالت بصوتٍ يصدح بأنين الأمل المحتضر:
“أحقًا تريد أن تعرف ماذا قال جدك؟”
“نعم”
قال: “أخبري حفيدي بهذا السر .. إن كبُر وأصبح قائدًا عربيًا، فلا يكن كلاعبي خيالات الظل .. لا يعرض سوى وهمًا”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.