محمد فيض خالد يكتب زمان يا طرب


 

” زمان يا طرب”
في قريتنا وقُرَانا المتوغلة بينَ الحُقولِ الخُضرِ، عَاشَ أبناء الطِّينِ والشَّقاء حياتهم الخاصة ، بأفراحها وأتراحها ، أطبقت عليهم الجُسور الطِوال أجنحتها ، واحتضنتهم التِّرع والمصارف بمياهها الصافية ، ورفرفت عليهم شجيرات الجِميز ، وحَنّت لَهُم ورفقت أشجار النَّخيلِ العِتاق، وابتلعَ بيوتهم المُبللّة بعرقِ الجّبين، بُساطًا رماديًا وآخر سندسيا يهدهدها ؛ شفقةً بِها وحماية مِن أعينِ الغُرَباءِ.
كُلّ هذه المظاهر أكسبت ابن الأرض ، ووريث الكَدّ صفات جعلتهُ أسيرًا يدورُ في فُلكِ الطبيعةِ الدّوار ، يرى في آياتها الحِسان ، وما أبدعت يَدّ الخالق جَلّ شأنه كُلّ ما يُحِب ماثلا فيها .
فالقمر المُنير والبدرُ السَّاطِعُ والهلال الذي يشقُ ظُلمة الحقول وجه الحبيبة، وصفحة السماء بزرقتها الصّافية الفاتنةُ عيونها النُّجل، وجداولَ الماء الرقراقة حينَ تنسابُ بينَ شُقوقِ الأرضِ تغمرها، فتُحييها بعد موتٍ، تُشبه نظراتها العذبة التي تُعيِدُ الأملَ للنّفوسِ القانطة بعد أن تلاعب اليأس بها.
وصوتُ البلابل وشقشقة العصافير، حين تَضرِبُ وجه الفضاء الرّحب ، كهمساتِ الشّفاة الرّقيقة تَهمِسُ بالحبِ في أذنِ المَحبوب ، وتُفضي بأسرارِ القلوب ومكنون الصّدورِ.
تعلقَ أهلنا في تلك الحِقَب الخالية بالغناءِ، فاتقنوا فنونه وأجَادوا ألوانه ، وخبروا مسالكه، فوظّفوه ارضاء لمِزاجهم، فما يصلح للفرحِ لا يصلح للحُزنِ، وما يُقالُ للحبيب لا يُقالُ للعدوِ، وكلام الحاضر يختلف عن الماضي ، وهمسات الليل ونجواه، ليست كأصواتِ النّهارِ في شيءٍ.
في قريتنا عَرَفَ الناس المّوال والنغم ، ووثقوا به واطمئنوا إليهِ ؛ فاتخذوه صَاحِبا وفيا ، يكتمُ أسرارهم ، ويُواسي جراحهم ، ويُؤلِِّف بين القُلُوبِ المتنافرة، رسولًا لا تُردّ شفاعته ، ورسالة لا يحملها بريد .
زمان كان الموالُ لغة يتقنها أبناء الحقول ، وشِفرة تمُرّر بسهولةٍ، فلا يحتاج لفهمهِ قواميس ولا معاجم ، بَرَعَ ابناء الناحية في هذا اللون ، وذَاعَ صيت كثيرين منهم، وبلغت شُهرتهم الآفاق، حتى طُلِبوا بالاسمِ واُحِضِروا كنجوم تزدان بهم ليالي السّمر ، وساحات السّهر في الدُّروبِ والأجرانِ.
رأيتُ ذاتَ مرةٍ أحدهم يطَلبُ حاجةً من صاحبٍ له ، فاشترطَ عليهِ أن يُسمِعهُ موالًا عن غَدرِ الزّمان ومكر الأصحاب ، وآخر راهنَ جليسه على علبةٍ من المعسلِ لو استرجعَ كلمات موالٍ قديم .
في قريتنا كُنتُ انتظر بلهفةٍ قُدوم الشتيوة، وهي جِلسة طرب وموال يُدعى إليها مشاهير القول وملوك الموال من القرى المجاورة ، يُعَدُّ الشارع ويُهيّأ ، فيُكنَس ويُرَشُّ بالماءِ من بعدِ العصريةِ ، ويُفرَش بالحصيرِ ، ويجتمع السّميعة من بعدِ صلاةِ العشاءِ، وقد ازدانت جُدران البيوت بأنوارِ( الكلوباتِ ) الزاهية ، تَدورُ عليهم غابات الجُوز ، وعلب السجائر ، وبراريد الشّاي الأسود المطبوخ تُعَبِق رائحته فتُخَدِر النّافوخ .
يكون القول ساعتها بالطّلبِ، ينثر الرّجل منهم قطعة النّقد من فئةِ الخمسة صاغ في حِجرِ الفنان ، فيشرع في تركيبِ كلماتِ موال ، مُتغنيا بشجاعتهِ ، متغزلًا في أصله الطّيب وكرم محدته، بكلامٍ موزونٍ مرتب ، يسهل على الحضورِ حفظه واسترجاعه ، عندها يضِجُّ المكان بالتهليلِ والتصفيق .
كان همي الأكبر وقتئذٍ ، الاقتراب أكثر من مكانِ الفنان المحبوب ، وَلعَلّ هذا ما حَمّلني مالا طاقةَ لي بهِ، فلا اُحرَم وأنا المُقتَحِم شيئا من الزجّرِ والتوبيخ ، وفي أحيانٍ الجَرَّ والدفع ، فهذا الموضع خَصصه صاحب الليلة لضيوفهِ الأغراب ، الذين كانت أياديهم سخية عليهِ ، فقد تحملوا تكاليفَ حفله ولوازمه بالكامل ، ناهيكَ عن نفحةٍ مخفية تُوضَع في يدهِ بعدَ انقضاء السّامر .
حتى نساء قريتنا جذبهن كلام الموال ، وأثر فيهن بل ولامسَ في مراتٍ خفايا قلوبهن الغضة ، وصادفَ هوىً في نفسِ أولئك اللاتي اعتلين أسطحَ الدور القريبة من السّامرِ، وبعضهن كانت أكثر جرأة، عندما فضّلت أن تلتصقَ بالحوائطِ خِلسةً ، كتمت أنفاسها بينَ طوايا الظلام على مَقربةٍ من مجالسِ الرِّجَال .
كنتُ في مراتٍ ما يستهويني فضولي ، فانسلّ من بين الرجالِ ، مُنّدَسا كالفأرِ بين أقدام النسوة ، فاتسمّع عن قُربٍ التأثُر البادي في الوجوهِ أثناء الارتجال ، في مراتٍ كثيرة رأيتُ إحداهن وهي تبكي ملئ العينِ، ومراتٍ تخرج الزفرات الحارة والتنهدات من الصدورِ المكلومة التي تتلوى منفعلة ، وأخريات اسمع بعض العجائز يستندن على الجدار ، وهُن يرددن الكلمات سريعا لحفظها .
شاهدت أحدهم ينسحبُ منفعلًا من حلقةِ الموال ، مغموما مخزونًا ، يتوارى من أعينِ القومِ، الذين تابعوه بين شامتٍ وأسيف ، لقد سَمِعَ ما لا يجب سماعه ، فبدى وكأنّه المقصود .
قديمًا ظهرت في قُرانا البعيدة طائفة من شبابها اليافع عُرِفوا بالسّميعةِ، هوايتهم أنهم كانوا يجوبون القرى المجاورة ، يتَعقّبون ليالي السّمر ويرافقون نجوم الموال الجميل ، كما تتعقب الصُّقور طرائدها.
كَبُرَ هؤلاء الآن وشاخوا، لكن ذاكرتهم لا تزال حاضرة بِكر لم تُمسّ، تُرَدِد ما حفظته ، وتسترجعه حين تَجدّ الحوادث .
لكن الآن يا صديقي لم يعد للطَّربِ الأصيل مكان ، اختفى كما اختفى كُلّ جميلٍ تربينا عليه ، دَاهَمَ الزمان بلا رحمةٍ القرية فغيّر حياتها رأسًا على عقبٍ ، مررتُ ذات يومٍ بمجموعةٍ من عَجائزِ قريتنا جلسوا تحت جِدارٍ في نهارِ شتاءٍ بارد ينتظروا دفء خيوط شمسها المتسلل من بين السّحابِ، يرددوا أهازيجا من ماضيهم الجميل، طافَ بخاطري ماضيّ تمنيّت عودته ولو لدقائق ، ولكنني نظرتُ على مَقرُبةٍ منهم ، وقد تَحَلّق صبيةٌ صغار تناثرت شعورهم ، وضاقت عليهم ملابسهم بما رحبت ، يتمايلون في خَلاعةٍ، وقد غابوا مستسلمين لأنغامٍ تُثير الغَثيان ، انطلقت من هاتفِ أحدهم ، ضربتُ كفا بكفِ اتعجّبُ لدورانِ الزمن ، وقلتُ في نفسي :” والله زمان يا فن “.
………………………
محمد فيض خالد
مصر / المنيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.