محمد جراحي قصيرة بعنوان – رسائل من خلف الزجاج –


 

قصه قصيرة بعنوان
– رسائل من خلف الزجاج –
القصه عبارة عن مجموعه من الرسائل من صديق لصديقه. يكتب له من داخل غرفته في مستشفي العزل المخصصه للمصابين بفيروس كوفيد 19 – كورونا.
مدخل :
رسائل من خلف الزجاج
اكتبها لك
قد لا يسعفها الوقت لتصل.
لكنّها خرجت بما فيها
مغلفة بانفاسي
و بعض من روحي البائسه
لا شيء فيها
سوي كلمات
أحكي لك فيها
عني
و عنك
كأني أراك لأول مرة
و كأنك تعرفني من جديد
هل تذكر
كم ضحكنا معاً و كم بكينا
اهلكنا الدهر و شبنا معاً
لكن الان .. انظر ..
تراني بلا لمس
و ألمسك بلا كف
و كل ما بيننا
جدار من زجاج…
سأكتب لك اذن
كل يوم رسالة
رسالة بلا ورق
ساكتب فوق الزجاج
إقرأها
قبل ان تشرق الشمس
و تتبخر
إقرأها قبل ان تشرق الشمس
و لا اراك

الرساله الاولي
اليوم : الأحد التاسع عشر من ابريل
المكان : مستشفي العزل المركزي للمنطقة الشرقية
صديقي العزيز جـ . د . /
كيف الحال ؟
دائما ما كنت أبدأ رسائلي بالسؤال عن صحتك مصحوبا بتمنياتي لك بدوام الصحة و العافية. الآن , و أنا أكتب لك رسالتي الأولي لي من غرفة العزل , أرجو فعلا أن تكون بصحة جيدة و بكل العافية. أقولها و أنا أعني كل حرف فيها و أشعر بأهمية هذه الأمنية و أقدر معناها كما لم أقدره من قبل. فكيف حالك يا صديقي !
لعلك تتساءل لماذا أراسلك ورقيا؟ لا أدري , ربما لان بعض اصدقائي المرضي هنا وجدوني اكثر انطاوئية منهم و لا اجد نفسي في الحديث مع احد فنصحوني بالكتابه و أهدوني دفترا و قلما. أو أعتقد أنني وجدت في ذلك فرصة للعودة إلي ما كنا عليه و نحن طلاب فتية , لا إلي ما صرنا إليه كرجال راشدين.
أكتب لك رسالة يومية – ان استطعت ذلك – عن ما يحدث لي هنا في فترة العزل التي قالوا أنها أربعة عشر يوما علي أقصي تقدير و قد لا تمتد إلا لأربعة أيام ان كانت العينة التحليلية قد تحولت للحالة السلبية نظرا لكوني قوي البنية و في سن الشباب و لا أعاني من أي مرض قبل التعرض لعدوي الفيروس تلك.
و لكن يا صديقي قد مر علي في المشفي إلي الآن عشرة أيام كاملة و ثلاث ساعات و أربعين دقيقة في اللحظة التي أكتب لك فيها و يبدو أن هناك مزيد من الأيام الأربعة تلك. فكلما مرت أربعة أيام زادوها أربعة أخري. فذكرني هذا بنا – في فترة الثورة – منذ تسع سنين , عندما تعرفت عليك للمرة الاولي و نحن طلبة جامعيين في قبر قسم الشرطة – كما كنت تحب تسميته – يوم الثامن و العشرين من يناير , هل تذكر! عندما ذهبوا بنا الي النيابة و ظل ذلك النائب – عذرا لم أعد اتذكر اسمه الان بسبب الدواء- يجدد لنا الحبس أربعة أيام بعد أربعة أيام..هل تذكر!
فلما حدث ذلك قررت أن أكتب لك رسالة كل أربعة أيام , لعل الأيام تهون بك كما هانت بك من قبل , حين كنا ثوارا نبحث عن الحق و الخير و الجمال .
المكان هنا نظيف جدا و ليس كما اعتدنا في مثل هذا النوع من المستشفيات العامة الخاصة بالحجر الصحي. و مع أولي خطواتي و أنا أترجل من سيارة الاسعاف التي قادتني من بيتي إلي هنا كما تعلم و ما كدت أفتح عيناي و أغلقهما حتي تتوازن الرؤية بين خروجي من صندوق السيارة إلي بهو المستشفي المشمس جدا بالرغم من كمية الاشجار التي تظلل المدخل , حتي وجدت اشخاصا ملثمين و مدرعين لا يظهر منهم شئ إلا عيون براقة من خلف درع زجاجي يقي الوجه بالكامل. كانوا علي استعداد للانقضاض علي في أي لحظة كفريسة سهلة وقفت سهوا وسط دائرة مغلقة من إناث أسود جائعات, أو كرهينة حرب فقد شدة سلاحة العسكرية و خوذته الحربية و تهتك حذاؤه علي رمل كالقيظ و لم يعد يقوي علي الوقوف ثابتا لثوان. لا أكذب عليك فهكذا رأيتهم لأول وهلة بالرغم من يقيني بأنهم غير ذلك. قبل أن تتبدل هذه الصورة لشئ آخر علي النقيض تماما.
فقد قام أحدهم بالاشارة لي أن أقف ثابتا رافعا ذراعي الأيمن لليمين موازيا لعظام الكتف و ذراعي الايسر تجاه اليسار مثل ذلك , مباعدا بين رجلي اليمني و اليسري أيضا, تماما كما كان يحدث لنا عندما يلقي اي شرطي القبض علينا في ميدان التحرير ! و قام برش رزاز من مادة سائلة علي كل اعضائي و ملابسي التي اردتيها بينما انا مغمض العينين . ثم قام آخر بالاشارة لي أن أتقدم و أخلع نعلي و أضع قدماي في خفين خفيفن عند باب الدخول ثم أمرني بإشارة أخري أن أجلس في مقعد متحرك حتي يتسني له نقلي إلي حجرتي – حجرة العزل الخاصة بي – و كما اعتدنا , بدأت بالسؤال في قلق بالغ عن حقيبتي التي كانت معي في سيارة الاسعاف, فيها ملابس جديدة و أموال تكفي لكي أتعامل بها مع – الخفراء و العساكر من خلف ابواب الزنزانه – أقصد حجرة العزل فحجرة العزل لن تكون أفضل حالا من حجرة الحجز ! اعتدنا ان كل شئ يتم بهذه الصورة . و بالحقيبة أيضا هاتفي الجوال و التابلت الخاص بي حيث وضعت في بطاقة ذاكرته كمية لا بأس من من الكتب الالكترونية و المراجع العلمية و بعض الاغاني التي احب سماعها . هل مازلت تتذكر منها شئ! فقد غنيت لك بصوتي الكريه هذا ما يقرب من الالف اغنية و نحن نتنقل في سنوات الثورة بين قبور التعذيب أوكما يسمونها غرف حجز الثوار في أقسام الشرطة أو قل تحت أقسام الشرطة ! المهم …,
ما كدت أسأل عن حقيبتي حتي وجدت أحدهم يخرجها من سيارة الاسعاف بحذر شديد و يذهب بها و هو ينظر لي بعطف قائلا , لا تقلق سنأخذها لغرفة التعقيم و ستجدها في حجرتك بمجرد أن تنهي الاجراءات الطبية الخاصة بك. و لا تخف سوف لن تفقد من محتواها شئ بل ربما وضعنا لك ما ينقصك – كشاحن الجوال مثلا – فابتسمت له و شعرت بالخجل و قلت لهم أنتم تتحدثون اذن ! فضحكوا جميعا , ظنوا أني خفيف الظل , فابتسمت لهم مرة ثانية.
اختفي ثلاثة منهم في اتجاهات مختلفة معهم متعلقاتي و أوراقي الشخصية و بدأ أحدهم بدفع الكرسي المتحرك حتي دخل به إلي المصعد الواسع عن يمين البهو و ضغط علي الرقم اثنين في لوحة أرقام المصعد.
حركت رقبتي للخلف بزاوية تسعين درجة و لأعلي حتي أصبح و جهي و أنا جالس علي الكرسي مواجها لوجهه المدرع بالزجاج فوق كمامات بيضاء و نظرت له نظرة تساؤل و رجاء قائلا : و ماذا الآن ! أظهر ابتسامته علي عينيه فهي كل ما يظهر من وجهه حرفيا , قائلا : الآن أبحرت سفينتك يا سيدي , أرجو أن تجد مرساك سريعا !
يكفي هذا لليوم فقد دق جرس المتابعة الطبية و علي أن أتجهز للعرض علي التمريض كما تعلم , لأخذ العينات و المسحات و تناول الدواء. سوف لن أطيل عليك أكثر و كما قلت لك أول الرسالة , سأرسل لك رسالة كل أربعة أيام.
أشكرك علي اتصالك بي و أقدر إن لم تفعل بانتظام نظرا لظروف العمل و أرجو أن تكون بصحة جيدة.
المخلص لك :
أ . ب
الرسالة الثانية
اليوم : الثالث و العشرين من ابريل
عزيزي جـ . د /
بعد التحية و أمنياتي لك بالصحة و العافية و الحفظ من الله. كنت قد انتهيت في رسالتي الاولي عندما أدخلني أحد الممرضين في الفريق الطبي إلي المصعد و انتقلنا إلي الطابق الثاني , استغرق الامر ثوان قليلة في المصعد لكنها مرت علي دقات قلبي يا صديقي بثقل جبال الارض و عدد رمالها, هل تتصور !
فتح باب المصعد علي ممر ممتد و طويل جدا أكثر من المعتاد و لكي تتخيل فإنه يكاد يكون أطول من ممر القصر العيني الفرنساوي و علي جانبيه أبواب موصدة يبعد كل باب منها عن الاخر مسافة ثلاثة أمتار كاملة, الابواب لونها أبيض يعلو كل باب منها في منتصفه قطعه نحاسية سداسية الشكل محفور في أوسطها رقم الغرفة, ظل الممرض يسير بي دافعا الكرسي المتحرك حتي وصل للغرفة رقم عشرين. توقف أما الباب, دفعه بمرفقه حتي أصبح الباب مفتوحا بالكامل ثم دفعني مرة أخري لداخل الحجرة قائلا : ها أنت قد وصلت لمقرك المؤقت في مستشفي العزل و كما تري غرفتك رقمها عشرين في الطابق الثاني العلوي و علي يمين غرفتك توجد الغرفة رقم ثمانية عشر و علي يسارها الغرفة رقم اثنين و عشرين و أمامك مباشرة الغرفة رقم واحد و عشرين و كما تعلم و أعتقد ذلك طبعا أن الطابق كله مخصص للنزلاء من الرجال , ستعتاد حفظ الارقام فهي أسهل للجميع من الاسماء و الالقاب , لا تقلق.
ثم أردف قائلا : الان تستطيع الوقوف علي قدميك, هذا باب الحمام الخاص بك, ستجد في الداخل سترتك الزرقاء و قفازات وكمامات و بعض عبوات الجل المطهر و زجاجات رشاشة من الكحول . اتركك الان و لمدة نصف الساعة علي أن تكون قد تخلصت من جميع ملابسك هذه و ارتديت السترة الخاصة بالفحص و القفازات ثم تضع الكمامة.
وقفت علي قدماي , دافعا الكرسي المتحرك للخلف. شعرت ساعتها كأنني طفل يقف لاول مرة , و ما كادت أوتاري تتماسك حتي بدأت أول خطوة لي في حجرة الحجر الصحي كمريض, بدأت أنظر يمينا و يسارا , سقفا و أرضا , أنظر في كل الاتجاهات , قد تتعجب و لكني تذكرت حينها عندما كنا في الحجز أول ساعة لنا للمرة الأولي و كنت تبكي بحرقة و يبدو علي وجهك الخوف, بينما كنت أنا أبحث في الحوائط عن أي فتحات صغيرة أو أي شقوق ينفذ منها الهواء أو شعاع من ضوء و كنت أخفض رأسي إلي أرضية الزنزانة أضرب بكفي و بأصابعي أرضية المكان أبحث عن بلاطة ربما تكون مكسورة أو قد خلعت من مكانها آنفا لكي أدفع بها عني و عنك ما قد ينتظرنا من المحجوزين معنا في الزنزانة من أهل الاجرام و اللصوص, أتذكر حينها يا صديقي نظرتك لي و أنت تبكي و تقول ماذا تفعل ؟ هل جننت !
أقول لك يا صديقي , اليوم في غرفة العزل , أنا الذي كنت أبكي و ارتعد خوفا , لم أعد بتلك الشجاعة بعد !
الغرفة يا صديقي نظيفة و مرتبة تدخلها الشمس بشكل دائم من خلال جدار زجاجي كامل يرتفع عن ارضية الحجرة قدر متر واحد و يبلغ عرضه أكثر من مترين و طوله من فوق الجدار الطوبي متر و نصف المتر قبل أن يلتقي بسقف الغرفة مباشرة لا يفصل بينهما سوي عشرة سنتيمترات علي اقصي تقدير.
حاولت أن أجد طريقة لفتح الزجاج لكن علي ما يبدو أنه مثبت بالحائط لا ينفذ منه الهواء , تماما كحوائط السجن و لكنه سجن من زجاج . يريك الشمس خارجه و لا تشعر بها , و تشعر بالهواء خارجه يعانق الشجر و لا تلمسه.
هناك عن يمين الجدار الزجاحي المطل علي حديقة المستشفي , سرير يبدو مريحا أكثر مما اعتدنا و له مرتبة اسفنجية مغطاة بملاءة من القماش الخفيف و فوقهم مرتبة هوائية قد تمتلئ هواء أو ثلجا ان لزم الأمر. و وسادة صغيرة تبدو كديكور ليس اكثر . و بجوار السرير يوجد كومود صغير من الالوميتال و في الحائط يوجد فتحة واحده فقط لوضع شاحن الهاتف او التابلت. هناك أيضا صورة معلقة علي الجدار لا تبدو متناسقة مع الغرفة التي خلت من أي لون تقريبا غير لون الحوائط المعتاد في المنشآت الطبية في بلادنا.
توجهت للحمام لكي أتخلص من ملابسي كما طلب مني و عندما دخلت الحمام وجدت حقيبة متعلقاتي موضوعه في كيس شفاف أبيض من البلاستيك يغلفها كلها و عليها ملصق من بلاستر طبي مكتوب عليها بخط بالغ السوء ” المريض عشرين, نتمني لك شفاء عاجلا ”
الان يا صديقي تخلصت من ملابسي و اضعا إياها في صندوق القمامة و بداخل كيس من البلاستيك الازرق ثم كيس آخر من بلاستيك ثقيل اسود اللون , ثم عقدت كل ذلك عقدتين و وضعت فوق الكيس قطعة كبيرة نسبيا من البلاستر الطبي الخاص بالجراحات و كتبت عليها الرقم ” عشرين “. نفذت التعليمات تماما كما وجدتها مكتوبة علي ورقة و ملصقه علي زجاج المرآة. و بعد انتهائي من ارتداء سترتي الزرقاء و القفاز الطبي و الكمامة الطبية كمريض لأاول مرة و بعد تعقيم نفسي بالكحول و الجل الطبي , جلست علي طرف السرير من نهايته أنظر عبر الجدار الزجاجي للسماء معطيا ظهري لباب الغرفة و بعد قليل تنبهت لباب الحجرة يفتح و صوت الممرض يقول ” رقم عشرين , هيا الي الفحص و التحليل.”
أترك الان يا صديقي و بعد أربعة أيام رسالة أخري بالتفاصيل.
دمت بوافر الصحة
المخلص لك,
أ . ب

الرسالة الثالثة
اليوم : السابع و العشرين من ابريل
عزيزي جـ . د /
كيف حالك اليوم ؟
انتهيت في مساء يوم الثالث و العشرين من ابريل الساعة السادسه و عشر دقائق من الفحص الاول لي داخل العزل – ذلك خلافا للفحصين السابقين لدخول العزل – حيث قام الممرض بالحديث معي شارحا ما الذي سوف يقوم به وما هو مطلوب مني اثناء ذلك. أصدقك القول يا صديقي , أنا لم أكن استمع له أو بالأحري لم أكن استوعب كل ما يقال , بل كنت في انتظار أول اتصال جسدي مؤلم حتي أبدأ في الاستيعاب و التفاعل مع ما يحدث حولي . تركني الممرض و الطبيب لفترة قصيرة ثم عادا و معهما ادوات طبية لاخذ العينات اللازمه من الانف و الجزء الخلفي من الحلق, فهما المكانان اللذان يتكاثر فيهما الفيروس , لذا فإن المسحات تلتقط الخلايا التي قد يكون فيها الفيروس ثم يقومون بوضع المسحات في محلول يحرر الخلايا. هكذا وضحا لي !!
تعجب الطبيب و الممرض من ثباتي اثناء اخذهما للعينات المطلوبة, فقد تذمر كل من قام باعطاء المسحات من المرضي من مشقة الامر و من غلظة طاقم التمريض أثناء القيام بها.
اقول لك يا صديقي , ان الامر فعلا مؤلم جدا مهما كنت مراع للمشاعر كطبيب أو ممرض, و شعرت أن هناك دماء تسيل من داخل أنفي و تسقط في حلقي من الداخل و أن هناك تنين هائج مجروح ينفث ناره ليحرق بها عيناي من الداخل و لا أخفي عليك سرا , كدت أتوسل إليهم أن يرحموني و يتركوني و شأني , لا أريد هذا الدواء الذي ما يكاد يستقر في معدتي و عروقي إلا و يلهبني بسياط من نار و حمم بركانية تجعلني أنام طريح الفراش كالموتي في صندوق الدفن يعانون سكرات الموت و يعاينون نزول الملائكه القابضة للارواح. لكني تمالكت نفسي و تذكرت ما مر بنا في دفاعنا عن ثورتنا ضد من اختطفوها , و كم سري في هذا البدن من تيارات كهربائية تكفي لاضاءة قرية صغيرة و كم تحمل هذا الجلد من سياط مزقته إربا حتي كاد لا يري من كثرة بقع الدماء عليه, فتوقفت عن التفكير فيما يفعله بي الممرض و بمجرد الانتهاء من اخذ العينات تجاذبت اطراف حديث مع الممرض لاني فضلت العودة سائرا بدلا من الكرسي المتحرك, حيث اخبرني أنه يتم نقل العينات الي المختبر في الطابق الارضي حيث يتم اختبارها بعد ذلك علي دفعات باستخدام تقنية تفاعل البلمرة المتسلسل أو PCR , و تمر العينات بعمليات استخراج المادة الوراثية قبل وضعها في آلة PCR علي دفعات . كان يحدثني بذلك ليبهرني بمدي إلمامه بالمعلومات اللازمه لعمله و كنت ابتسم و لا استمع لما يقوله هذا , بل كنت أود ان يتحدث معي عن شئ اخر , مثلا عن اسمه و من أي محافظة جاء و هل هو متزوج أم لا و هكذا !
و بعد العودة الي غرفتي جلست إلي هاتفي الجوال اتفقد الرسائل و الاتصالات الفائته . بعث لي أبي و أمي رسائل لا تحصي من الدمع و الألم مخبأة خلف عبارات التشجيع و كلمات الطمأنينة التي تظهر علي شاشة الجوال , أتعلم يا صديقي .. كم أهلكتني تلك الرسائل أكثر مما يفعل الدواء , أكثر مما يفعل الفيروس , بل أكثر مما يفعل طاقم التمريض في وقت تبديل النوبات الخاصة بهم . فهم علي كل ما يقدموه من مجهود هائل في الاهتمام و الرعاية الطبية لي و لغيري من المصابين , من قياس للحراة و ضغط الدم و سرعة ضربات القلب , و علي الرغم من تفانيهم و تعريض أنفسهم لخطر العدوي كل لحظة اثناء نوباتهم , إلا أنهم يفتقدوا إلي اللمسة الانسانية – يا ليتهم كانوا صما بكما – أثناء تبديل النوبات أسمع عبارات كفيلة بأن تقتل فيلا بالغا صحيحا , نعم أعلم أننا مجرد أرقام , فمنذ دخلت هنا و اصبح اسمي ” عشرين ” و لكن هذا العشرون يشعر و يفكر و يتكلم و للاسف يسمع , يسمع كل شئ يقال , و حتي ان كنت انا السبب في اصابتي فلست مصابا بالجرب حتي يقول ممرض الصباح لممرض الليل حاذر أن تلمس منه شيئا, أي شئ , تعامل معه من بعيد و بالاشارة و الايماءة , لا تحدثه حتي لا يرد عليك و يخرج من فمه رزاز لعابه فيصيبك , بالرغم من اني لا اخلع كمامتي الا للنوم او الاستحمام , و بالرغم من اني لم يحدث في الايام الفائتة أن رأيت ممرض أو ممرضة يسيرون بدون كامل هيئتهم و بدروعهم الواقية و لا يظهر منهم اي شئ للهواء.
لا أطيل عليك في ذلك الجانب و لكن اتمني مع كونهم متفانين أن يكونوا مراعين لمشاعر المصابين.
ظهرت نتيجة التحليل الخاص بي في نهاية اليوم التالي في الساعة الثامنة مساء مع تغيير النوبات لفريق التمريض , سمعت طرقا علي باب الحجرة ثم دخل ممرض يقول السلام عليكم يا رقم عشرين أريد أن أخبرك أننا أحببنا وجودك معنا و روحك المعنوية الصلبة و جلدك و قوتك التي تظهرهما لنا عندما نأخذ منك المسحات للتحليل . أخبرك أن نتيجة التحليل للاسف مازالت ايجابية لهذه المرة أيضا و لذلك سوف نسعد بوجودك معنا لاربعة أيام أخريات أرجو أن تكون صلبا كما عهدناك . نل قسطا من النوم الان حتي تقوي علي علاج الغد.
و هكذا يا صديقي خرج الممرض من الحجرة و أغلق الباب من خلفه و مازال بصري شاخص خلفه كمن زهقت روحه و ظل بصره معلقا بها يراقبها و هي تصعد للهاوية !

صديقك /
أ . ب

الرسالة الرابعة
الوقت : 1 مايــو
عزيزي جـ . د /
مرت أربعة أيام للمرة الثالثة منذ بدأت مراسلتك . بعد يومين من النتيجة الايجابية الاولي و بعد أخذ المسحة الثانية ظهرت النتيجة ايجابية مرة ثانية و بالامس تم أخذ المسحة الثالثة و ظهرت أيضا نتيجتها منذ ثلاث ساعات فقط بأنها أيضا إيجابية. و كالعادة أخبرني الممرض أنني سأستمر معهم لمدة أربعة أيام أخري و هو يعتقد أنها المرة الاخيرة فمعظم المصابين لا يصلون لهذه المدة في مستشفي العزل إلا و قد تم شفاؤهم.
بدأت يا صديقي أعتاد القئ و الخمول , لم أعد أخاف حين أري السعال المصحوب بالدماء و لم أعد أكترث كثيرا عندما تتخدر أطرافي و يضيق صدري و أخر علي الارض محدثا دويا هائلا لاصطدام رأسي بأرضية الحجرة ..
كادوا اليوم أن يضعوني علي جهاز التنفس الصناعي لعدة ساعات , عانيت فيها من غلظة الطاقم الطبي الذي كان يجهزني للتنفس الصناعي و كأنني أعاني سكرات الموت و لا أمل في شفائي و كأنهم يتعجلون ملائكة الموت الموكلين بقبض الارواح أن تسرع إليهم قبل أن يدخل الممرض الأنبوب البلاستيكي إلي قصبتي الهوائية و يخسر بذلك جزء من الامدادات الطبية الشحيحة الموجودة في المستشفي . لا يعلمون يا صديقي كم تبلغ قوة أنفاسي و كم تتحمل رئتي..
هل تذكر عندما كنا في ميدان التحرير نطالب الجيش و الشرطة بإخلاء ميدان رابعة العدوية بدون إراقة الدماء , و بدون استخدام العنف , فإن كان هناك منهم من يريد المواجهة فالأغلبية الساحقة لا يعرفون معني المواجهة و لا شعور الاصابة بالسلاح , بل انهم لم يروا سلاحا علي الطبيعة من قبل . هل تذكر ما حدث ! بالرغم من أننا كنا ضد حكم الاخوان و اعتلائهم السلطة إلا أننا كنا نطالب بعدم الارتداد إلي الماضي فننتكس كما ينتكس المتعافي من الادمان .. و كنا أيضا نطالب بالانسانية . هل تذكر هتافنا ! نعم – يموت الانسان و تحيا الانسانية – ثم بدأت قنابل الدخان المسيلة للدموع في الانفجار من حولنا و بعد ثوان وجدتك ملقي علي الارض جسدا هامدا, فخلعت قميضي القطني و صببت عليه زجاجة مياه كانت في يدي ووضعته علي أنفك و فمك ثم حملتك علي عاتقي و أسرعت بك إلي المستشفي القريبة من الميدان و ما كدت أصل حتي أغمي علي أنا أيضا , و لما أفقت قال لنا الطبيب لم أري في حياتي رئتين في قوة رئتيك تتحمل فعل ما فعلت !
الان يا صديقي لا أدري هل ستظل رئتاي علي عهدهما أم تتعتزل الحياة خائبة الأمل !
بعد ست ساعات استقرت حالتي مره اخري و قرر الطبيب رفعي من علي جهاز التنفس الصناعي كرقم قياسي و كمرة أولي في تاريخ حالات الفنت و عودتي الي حجرتي, و كان يردد ” كتب له عمر جديد ” غدا نأخذ له مسحة رابعة .
اليوم عندما حان موعد الادوية و قياس الحرارة و ضغط الدم لاحظت أن وزني قد قل كثيرا , فقررت النظر للمرآة. رأيت شبحا ينظر إلي , فقد أصبح لون جلدي مائلا للزرقة و ظهرت بقع من طفح جلدي علي أماكن متفرقة من وجهي و جسدي, يقولون أن ذلك من مضاعفات دواء معين من بين عدد الادوية التي اتناولها يوميا صباح مساء. و انهم سوف يوقفون اعطائي اياه بعد ان يأمر الطبيب المعالج . أصبحت أشعر باللامبالاة و عدم الاكتراث بما يقال حولي, فـاليوم و قبل أن أكتب لك هذه الرسالة قمت بإلغاء حسابي الشخصي علي صفحة الفيسبوك فلم أعد أقوي علي النظر إلي الرسائل و قراءة التعليقات و رؤية الصور و مقاطع الفيديو , فأنا أشعر ببقع صفراء و بيضاء أمام عيني كلما نظرت إلي شئ لمدة قصيرة, و كذلك لم أعد أقوي علي الضغط بأناملي علي لوحة المفاتيح لكتابة شئ أو تسجيل اعجاب بشئ .. فأظافري تؤلمني جدا..
إلي الرسالة القادمة إذن
صديقك /
أ . ب

الرسالة الخامسة
اليوم : 5 مايو
عزيزي جـ . د /
” يستطيع الفرد الواحد أن يواجه جيشا بمفرده , فيهزمه أو يهلك دونه. و لا تستطيع كل جيوش الارض أن تهزم شئ لا تراه. ”
خلال الأيام الثالثة الماضية , أجريت مسحتين و النتيجة كما هي إيجابية , مازال الفيروس يقوي و يزداد قوة و مازال جسدي يحاربه بالحمي و القئ و الاسهال و النوم و الخمول . أطلب منك في هذه الاثناء حين تصلك هذه الرسالة أن تذهب إلي بيتي و تقابل أمي و أبي .. فقد فرغت بطارية هاتفي الجوال و قررت ألا أضعه علي الشاحن , حتي أنني وضعته في حقيبة بلاستيكية معقمة و سلمته للأمانات في المستشفي . لا أخفيك سرا قد أصبحت لا أقوي علي اصطناع القوة في الحديث مع والدي علي الهاتف , فخلال اليومين السابقين ضعف صوتي و أصبحت لا أتكلم إلا همسا .. هل تصدق هذا !
ذلك الصوت الذي لطالما ارتفع في وجه الظلم و جهر بالحق عاليا , ذلك الصوت الذي زأر في وجه وزير الصحة السابق عندما قال أن الاطباء أصبحوا عبئا ثقيلا علي الدولة و أنهم يجب عليهم العمل بضمير كما يفعلون في عياداتهم الخاصة و لا يجب علي الدولة تعيين دفعات جديدة منهم. – أي عيادات خاصه تلك – ما نسبة من يملك عيادات خاصة منا ؟ فقررت و أنت معي أن نعلن أنفسنا معتصمين في مبني الوزارة و أمام باب مكتب الوزير حتي يخرج مقدما اعتذاره علي الملأ . و لما تكبر و رفض مقابلتنا وقفت أمام مكتبه أزأر زئير أسد غاضب مناديا بالحق و بالرغم من اضرابنا عن الطعام – وحتي عندما اخترت أنت الانصراف – كان صوتي مازال عاليا يجهر بالمطالب . ذلك الصوت الان يا صديقي أصبح عجوزا لا يقوي علي المطالبة حتي بجرعة الماء . و لذلك قررت الهروب من محادثة أمي و أبي فأرجو منك إن سمح وقتك بعد انتهاء دوامك في المستشفي أن تذهب إليهم و تخبرهم أن البروتوكول الجديد في العزل عدم استخدام الهواتف لمزيد من الحيطة و الحذر لانها قد تكون حاملة للفيروس و انك علمت بهذا الامر حين اردت الاتصال بي.
الان يا صديقي لم يعد أمامي سوي الانتظار ليوم اخر حتي يتم أخذ المسحة السابعه. أعتقد أنني سوف لن أصمت ثانية إن ظهرت العينة إيجابية . فالدواء المستخدم معي غير مناسب لحالتي علي مايبدو , و علي ما يبدو أيضا أن ادارة المستشفي لا تتابع التطورات لبروتوكولات الادوية المستخدمه في كل دول العالم . ومنذ دخلت هنا و كل تعاملاتي مع اعضاء التمريض و لم يراني الطبيب إلا مرة واحدة و كلما طلبت مقابلته للحديث معه عن العلاج ومضاعفاته قالوا لي أن الاطباء يطببون الحالات الحرجة فقط, أما أنت فحالتك مستقرة نسبيا و أنها مسألة وقت حتي يستجيب جسدك للعلاج.
بصراحة .. انفعلت جدا و لم أدري من أين خرج مني هذا الصوت العنيف قائلا : ” هل تحدثون جاهلا ! أنتم جميعا تعلمون جيدا أنني طبيب ! أظهروا بعض المبالاة إذن . أنا الان أسجل شكوتي من خلال كاميرات المراقبة اللعينة المثبتة علي الحوائط طالما حرم علينا التحدث للطبيب. أنا أعلن لكم اعتراضي علي اعطائي عقارين ضمن بروتوكول العلاج المتبع هنا في هذه المؤسسة الفاشلة . هما عقار البلاكونيل و الهيدروكسي كلوروكين و كذلك التاميفلو ..
هذه الادوية تم حذفها من بروتوكولات التعامل مع فيروس كوفيد 19 في كل دول العالم . ألا يقرأ أحدكم او يتابع . سوف يقتلني هذا النظام المتبع . هل تسمعون !”
فـلم يرد منهم من أحد و كأنني شبح مر طيفه من خلال الزجاج ما رآه و ما لحظه أحد.
الضيق الشديد بما حولي و بمن حولي و عدم اكتراثهم بما أقول و بما أريد أن أقول , جعل كل شئ يبدو ميتا.
أوصيك ثانية بالذهاب إلي أبي و أمي و طمأنتهما بطريقتك الهادئة.
صديقك /
أ . ب

الرسالة السادسة
اليوم : 9 مايو
أنا الطبيب ” عشرين ” , أكتب لك رسالتي و أنا أحتفل مع الرفقاء في الغرف المجاورة بمرور شهر علي دخولي مستشفي العزل المركزي في يوم التاسع من ابريل الماضي الساعة التاسعة صباحا مصابا بفيروس كوفيد 19 من سلالة فيروسات الكورونا.
في هذا الشهر قد تغير نزلاء الغرف المجاورة لي ولكن مازال اسمهم المريض 18 و المريض 22 و مازلت أنا المريض 20 . شهر إلي الان تم عمل اثني عشر مسحا كلها ايجابية النتائج . اعتدت سماع هذه الكلمة ” إيجابية ” , تماما كما اعتدت الوقوع أرضا و ارتطام رأسي بالارض, بل أصبحت لا أبالي بكثرة البقع البيضاء علي جسدي الازرق و لا أهتم كثيرا بملابسي التي أصبحت لا أعلم أهي هي أم أنها تخص شخصا آخر في ضعف حجمي. هم يقسمون لي أنها ملابسي التي أتيت بها منذ شهر و لكني من نزل وزنه كثيرا و السبب سوء نفسيتي و انخفاض روح المعنوية ! أي روح و أي معنويات قصدوا !
لم أعد أقوي علي استيعاب مثل هذه الالفاظ , بل أصبح عقلي يستغربها , تماما كما كان يستغرب بعض ألفاظ – ذلك المحقق – عندما ذهبت للتحقيق في واقعة إهمال طبي . هل تذكر هذه الواقعة المؤلمة و المضحكة في نفس الوقت , حين كنا في استقبال الحوادث بالمستشفي التخصصي بمدينتنا و دخل المسعف بطفل صغير تبدو عليه علامات الاختناق و كان يلفظ أنفاسه الاخيرة و إن انتظرنا الدقائق اللازمه لتجهيزه ليوضع علي جهاز التنفس الصناعي و انعاشه , فمن المؤكد أننا كنا سنفقده للأبد. فقررت حينها نزع الدرع الواقي و الكمامة و ألقيت بهما أرضا و قمت بعمل الانعاش عن طريق الفم حتي تم وضعه علي الجهاز.
و لما سأل المحقق عن سبب اعطائي الطفل انعاش فموي و لم انتظر اجراءات – CPR – و وضعه علي الفنت , فكان الرد أنني لا أفهم ما يقول أو بالاحري لا أستوعب , بل أستغرب هذه الكلمات . أنقذت روحا احتاجت لذلك . هل ذلك إهمال ! و إن كان هذا اهمال فـأنا إذن مهمل . حتي بعد أن شهدت أنت ضدي معللا أنك شهدت بما حدث ولكن وفقا للوائح العمل المنظمة !! أعلم أنك الان تبتسم لانني أتذكر وجهك يومها و أنت تقول لي أن سجل جزاءاتي كطبيب لم يتعدي الرابعة و الثلاثين من العمر لهو أثقل من سجل انجازات السير مجدي يعقوب الطبية !
و لكن يا صديقي , كيف كانت ستبدو الحياة بدون إعطاء الحياة لمن كاد يفقدها..!
اليوم و الان , أبحث عن سبب لأحيا و أخشي أني لم أعد أراه. حتي و إن تغلبت علي المرض و خرجت من هنا , فهناك سيل من التحقيقات ينتظرني. ” لم فعلت هذا ؟ و لم قمت بذلك ؟ و كيف أصبت بالعدوي ؟ و أين كانت معداتك اللازمة للتعامل مع المرضي المشتبه بإصابتهم ؟ و هل هناك جهة تمولك لنشر العدوي الفيروسية في مصر ؟ تاريخك حافل بالاعتراض علي مديريك و علي سياسة الطب , بل انك كنت أيضا من الثوار ! أحقا كانت ثورة ؟ و هل أنت مؤيد لثورة الثلاثين من يونيو أم تراها انقلابا ؟ و هل كنت حقا تدافع عن عدم فض اعتصام الارهابيين في رابعه العدوية ؟ ” … عبث ينتظرني و عبثا سوف ألقاه . و أنا أقسم لك يا صديقي أنني لم أعد أقوي علي النطق بإسمي و إن سألني أحدهم عن اسمي أقول فقط ” عشرين”
صديقك /
أ . ب
الرسالة السابعة
الوقت : 20 مايو
صديقي جـ . د /
عذرا , فقد مرت أربعة أيام ثم أربعة أخر و اليوم هو الحادي عشر منذ آخر رسالة كتبتها إليك , فالوضع يزداد سوء كل يوم , بل كل ساعة , الوقت يا صديقي عدوي الوحيد , يجعل في يدي طرف حبل و يعطي الطرف الاخر للفيروس , ثم يذهب و يساعد الفيروس في جذبي نحو البقعة السوداء , نحو الموت.
مرت هذه الايام العشر كأنها السنوات العجاف غير أن يوسف ليس في هذا الزمان . وضعت مرة أخري علي جهاز التنفس الصناعي و لكن هذه المرة قد طالت المدة لعدة أيام لم أستيقظ إلا بالامس فقط . أشعر بشئ خارق في حلقي و لما سألت علمت أن الممرض قد آذي جزءا من القصبة الهوائية و هو يقوم بادخال الخرطوم من الفم , حتي أنه كسر سنا من أسناني الاماميه , فقد ضعف عظمي و ضعفت أسناني فلم تعد لدي القوة نهائيا علي مضغ الطعام أو حتي بلع الماء إلا بشق الأنفس.
سمعت من بعض الممرضين هنا أن وزيرة الصحة قررت صرف مبلغ من المال للمصابين إن تعافوا و مبلغ اكبر من المال لاهل المتوفي منهم و اعتبار المتوفي من قطاع الطب شهيد و يصرف لاهله معاش شهيد ! أرجو أن تؤكد لي الخبر إن كان صحيحا ! فكما تعلم أن أبي و أمي علي المعاش و أن ذلك قد يساعدهم كثيرا في تلبية احتياجاتهم اذا أنا قضيت نحبي.
اليوم و عندما أفقت من حالة الاعياء و عندما وجدت في نفسي بعض القوة لأحمل قلما , أسرعت إلي دفتر الخطابات الخاص بي لاكتب لك رسالتي هذه , فقد وصلتني رسالتك الاخيرة و قرأتها علي ” مس ملك ” الممرضة التي تتناوب علي غرفتي طوال نوبتجية الليل. لما علمت أني طبيب – أقصد كنت طبيب – أصبحت تتحدث معي بلطف و كرم بالغين , علمت منها أنها جاءت لمستشفي العزل منذ أربعين يوما , و المعلوم أن طاقم التمريض يعمل لمدة اسبوعين ثم يتم استبدالهم حتي لا ينهكوا أو يتعرضوا لخطر الاصابة. لكنها قالت شئ غريب , أنه لما حان موعد مغادرتها مستشفي العزل طلب منها مدير المستشفي عزل نفسها علي سبيل الاحتياط لمدة أربعة عشر يوما , قبل أي اتصال مباشر لها مع اسرتها. فلما طالبت هي و اخرون أن يتم عزلهم هذه المده في جناح في المستشفي يخصص لهيئة التمريض و بعيد عن أجنحة المصابين , رفض مدير المستشفي بزعم مخالفة اللوائح المنظمة و قال أن عليهم العزل الذاتي في منازلهم , إما ذلك و إما أن تكمل العمل هنا لحين انتهاء الجائحة.
قالت و هي تبكي : ” كيف أعزل نفسي لاسبوعين في منزلي ! أي منزل هذا الذي يصلح لذلك الأمر! إنها شقة مكونة من غرفتين , غرفة لابنتي ذات السابعة عشر عام و من الديانة ألا تتقاسم غرفتها معي , فكيف لها أن تتقاسمها مع أبيها ! و هناك غرفتي أنا و أبوها , فكيف آخذ غرفة لي وحدي أخليها من الاثاث و أجهزها طبيا و ان حدث ذلك .. ماذا عن مصاريف ذلك العزل المنزلي ! هل تعلم يا دكتور “عشرين” – وانت تعلم طبعا – كم يبلغ الراتب الشهري و بدل العدوي و بدل النوبتجيات المتتالية ! و كيف أصبحت الاسعار مستعرة هذه الايام التي نحياها..! بالطبع رفضت العودة الي منزلي و سأرفض كل مرة . و لكن كيف سأبقي هنا لاعمل و أنا اعلم أني مجبرة, أني أسيرة بلا أمل في فداء ”
بالرغم من اعيائي الشديد إلا أني تمنيت بعض القوة لاقف معترضا أمام هذا الظلم الذي يغلف أجواء المستشفي بحجة اللوائح المنظمة. و لكني يا صديقي لم أعد قادرا حتي علي فتح فمي بالشكل اللائق لتناول جرعة الماء علي الدواء. فكنت استمع لها و الالم يعصرني مرتين , مرة لموتي من الداخل جزءا جزءا و مرة أخري للغباء الاداري الذ مازال مسيطرا علي قطاع الصحة و الظلم الواقع علي كاهل الكادر الطبي من فنيين و ممرضين و صغار الأطباء.
كل شئ حولي أصبح يفقد لونه تدريجيا , لم أعد أري غير لون رمادي شاحب يسحب النور من عين من يحاول الالتفاف من حوله و البحث عن ألوان أخري في المشهد المحيط. تتشرب روحي مع كل يوم هذا اللون الباهت. كل يوم يزيد اللون من حولي و في عيني و في جلدي , حتي و انا مغمض عيني نائما أو في غيبوبة , لم أعد أري سوادا بل أغمض عيني فأري ذلك اللون الرمادي الشاحب.

صديقك /
أ . ب

الرسالة الثامنة
الوقت : 24 مايو
صديقي جـ . د /
أتت نتيجة المسحة الاخيرة سلبية. خبر مفرح , أليس كذلك ؟
كانت ” مس ملك ” من أتت حاملة البشارة بالرغم من أنها ليست في نوبتها و هي في فترة الراحة الخاصة بها . لكنها أصرت علي ابلاغي بذلك الامر. ” جاءت سلبية هذه المرة يا دكتور عشرين , غدا إن شاء الله نأخذ عينة أخري و إن كانت سلبية كذلك فسوف تخرج من هنا أخيرا و تعود لحياتك مرة أخري.”
نظرت لها و هي خلف الدرع الزجاجي و حاولت الابتسام لها و لكني لم أدري هل فعلا ظهرت الابتسامة علي وجهي أم أن عضلات وجهي لم تستطع أن ترسمها للناظرين ! حاولت الايماء برأسي أو الاشارة بيدي أن تساعدني للنهوض و الوقوف مجددا , فأنا لم أعد أقوي علي النهوض من الفراش و الوقوف علي قدمي في اليومين السابقين و لكنها لم تفهم و انصرفت.
حاولت أن استجمع ما تبقي لدي من قوة لاقف علي قدمي و بالفعل وقفت بعد عناء و جهد جهيد و لكن ما إن استقرت أرجلي واقفة إلا و شعرت بألم صارخ في صدري كأنه اعلان حرب و انعدام في التوازن و ألم مبرح في أذني و عيناي و رعشة رهيبة تقاس بمقياس الزلازل تسري في جميع أوصالي و مفاصلي , لم أشعر بشئ بعدها إلا بسقف الغرفة يستقر أمام عيناي الشبه مغلقتين فلا أري غيره و شعرت بسائل دافئ يخرج من أذني و يسيل علي رقبتي و كذلك ماء ثقيل يخرج من أنفي و فمي , ثم رأيت طاقم التمريض يدخل الغرفة مهرولا و أياديهم تمتد نحوي كأنها تخطفني من الموت..
أفقت في اليوم التالي في غرفتي و علي سريري و قد أتت نتيجة المسحة الاخيرة سلبية كذلك و لكني لم أعر لهم انتباه و طلبت ورقة و قلم لاكتب لك رسالتي هذه لعلها تكون الاخيره . أوصيك وصية الموت أن تعود بمتعلقاتي التي دخلت بها المستشفي الي امي وابي ان انا مت هنا.
أتمني لك دوم الصحة و العافية
صديقك /
أ . ب

الرسالة التاسعة
اليوم : 25 مايو
( ملحوظة : يتسلم الدكتور جـ . د هذه الرسالة يدا بيد و معها متعلقاتي الشخصية )
صديقي جـ . د /
أبلغتني ” مس ملك ” أنك أرسلت لي خطابا تسأل فيه عن حالتي و لما طلبت منها قراءته علي نظرا لضعف بصري , اندهشت كثيرا جدا لما قرأت اسمك في نهاية الرسالة و اخبرتني أنك نائب مدير هذه المستشفي! مستشفي العزل !!
فطلبت منها أن تكتب عني لك الرد الان و لم أشأ أن انتظر مرور الايام الاربعة كما اعتدنا, فمنذ أن أفقت بالامس و أنا أتحدث مع أشباح المرضي الاموات ممن قضوا نحبهم بين يدي و أنا أطببهم عندما كنت طبيبا عاملا. و أعتذر منك إن كان خط يدها سئ , فأنت أدري الناس بخطوط الممرضات إذا ما كتبن باللغة العربية .
عزيزي جـ . د /
بل السيد الدكتور نائب مدير مستشفي العزل المركزي للمنطقة الشرقية في الاسماعيلية و شرق القناة … و صديقي ..,
بعد التحية..,
” أعيش الآن رغما عني . كل شئ هنا يبدو رخوا . يقولون أن مناعتي ستقرر من ينتصر.. وزارة الصحة أم الفيروس ؟ و لكن – يا صديقي – منذ متي كانت لنا حرية القرار ! ”
وداعا إذن /
الجثة “عشرين”

محمد جراحي

2 Comments

  1. أولا أحيي ذكاءك جدا في التفرد بهذا التكنيك الذي يدل علي خبرات رهيبة
    ثانيا- قرأتها مرتين و سأقرأها ثالثا و رابعا و كلما أردت ذلك سأقرأها فمع كل مرة ازداد حزنا و ازداد اعجابا
    كتابة إبداعية و منهج توصيفي ممتاز و تسلسل و تناسق جيد جدا و روح واحدة مسيطرة مع تعدد الأحاسيس
    و منهجيه في الكتابة من أصعب ما يكون. اتمني لك دوام الابداع و التألق

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.