حسن عبد الهادي يكتب وهم صديقه


 

وهم صديقه

حسن عبدالهادي

يتذكر دوي الرصاص كأنه أمس،ذلك الدوي الذي جعله ينتفض هلعًا كل ليلة،مُستيقظًا يتفصّد جبينه عرقًا من أثر الكابوس الذي لا يتوقف عن مُداهمته،ولد في قرية بسيطة في الجنوب،مُتدين أهلها تدينًا فطريًا،كان نجيبًا في طفولته،يتفوق على أقرانه في الدراسة،وفي مرحلة الثانوية التحق بالقسم العلمي،ودخل الكلية المرموقة التي حلم بها أبواه،وظل يستذكر دروسه حتى حسده أترابه وهو الأول في كل سنة،وانتظر أن يُعين معيدًا بالكلية،ولكن هذا لم يحدث،ففي نفس العام،كان الثالث على الدفعة ابنًا لعميد الكُلية ذاتها،ولاستشعار الحرج لم تأخذ هيئة التدريس أحدًا للتعيين في هذا العام..

إحباط شديد أصابه،ودخل والده المستشفى حزنًا،كاد أن يجن بعد وفاة والده بأزمة قلبيه حادة،أبعد كل تلك السنين يضيع حلمه سُدى،وقد أضاع عمره الصغير في الدراسة والاستذكار،في ذلك الوقت كان صديقه الآخر الذي قام بتربية لحيته بكثافة وقت الحكم الديني لمصر يغويه بالجهاد في الشام،فدمشق هي المدينة التي سيخرج منها المسيح (عليه السلام)،وقد كثر الهرج في سوريا وسالت الدماء أنهارًا،وعليهم مُقاتلة “أعداء الإسلام” على حد وصفه،ربما في الظروف العادية كان سيعارض صديقه ويُجادله،ولكن اليأس جعله ينصاع إليه وقد أعد أحد القيادات الدينية مجموعة للسفر إلى هناك وكانوا منهم،وبالفعل سافروا وتدربوا على السلاح وبدأت المُجابهات..

لم يستطع أن ينسى أول شخص قتله،كان مُترددًا في البداية،عذبه ضميره،فقتل النفس من الكبائر،وهو يرى أنهم يقتلون الآخرين بدمٍ بارد،متضاحكين..

وبعد أيام من العذاب النفسي بين الواقع وضميره قرر الهرب،صحيح أنه يعلم أنهم إذا عثروا عليه سيُقتل شر قتله،ولكنه لا يريد الاستمرار معهم والتورط في مزيد من الدماء،لقد رآهم أمس وهم يوقفون صفًا من النساء “المذنبات” على حد زعمهم استعدادًا لرجمهم،وقبلها رأى هيئة قضاء تنظيم الدولة تستعد لإعدام أحد “الخونة” ،يرتدي المحكوم عليه الملبس الأحمر،مقيدًا،جاثيًا على ركبتيه،مُطأطئًا رأسه،وعشماوي أو “السياف” يرفع سيفه ويهوي به على عنقه،ولإدراكهم المنظر البشع وأثره في نفوس رجالهم راحوا يكبرون بصوتٍ عالي وقد أشاح بوجهه عنهم،نجح في الاتصال بأحد معارفه في مصر،وكان ضابطًا مهمًا استطاع عن طريق اتصالاته أن ينجحزفي إعادته لبلده وراح يفضح أكاذيبهم وافتراءاتهم..

علم بعض بضعة شهور بمقتل صديقه هناك ،وقد نعاه التنظيم و وصفه بالشهيد الذي قاتل الرافضة لنصرة الحق..

التفت لحياته وقرر عمل الماچستير والمثابرة على تحقيق حلمه وقد كان يومًا سعيدًا والجميع يهنئه على مُناقشة الرسالة وحصوله على إجازتها وكانت أول المُهنئات له والدته ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.