د. طلعت الدردير يكتب تجربتي مع ستار بكس كافيه


 

د. طلعت الدردير يكتب

تجربتي مع ستار بكس كافيه

أحوم حول المكان، أريد الجلوس، وفي ذات الوقت أراني خائفًا، فالوجوه ليست مثل الوجوه، فلقد ألفت الحاج سيد ومحمدين وحُكشة والأصوات العالية المتداخلة والصوت المتكرر الذي يحمل نفس الكلمات عابرًا بها أمواج البشر المتراصة “وعندك اتنين شاي السكر بره” “وعندك حجر معسل مخصوص”، وأتذكر الجنية والجنيهين والبقشيش الإضافي كثر أو قل.
حقيقةً، أردت خوض التجربة، فالجلوس هنا هم من بني البشر ولا فرق بينهم وبيني، فأنا ألبس نفس التيشرت المقلم والجينز ولدي الحتة الأديداس الهاي كوبي،هذا بالإضافة إلى اللابتوب ذي الحقيبة السوداء المميزة بعلامة تجارية مشهورة، وقد دفعتني هذه المقومات بقوة لدخول المكان.
مكان منسق هادئ بسيط، خلفياته توحي بضرورة التفكر والتزام الهدوء، وكعادة البسطاء الغرباء فقد جلست في زاوية من زوايا المكان حيث لا يراني أحد بشكل مباشر، جلست أترقب اللحظة التي أخشاها، لحظة حضور النادل ليسألني: سير! وات دو يو وانت تو درنك؟ لقد اعتدت على هذا السؤال في أماكن كثيرة غير هذا المكان، وكانت الإجابة دائما شاي أو نسكافيه، ولكن الوضع هنا مختلف، فأسماء المشروبات تحتاج ‏إلى مترجم كما أنني ليس لدي الطاقة حتى أذاكر تلك الكلمات وأكرر نطقها مرارًا لأستطيع الطلب من النادل بالشكل الصحيح، انتظرت كثيرًا ليأتي النادل ولكنه تأخر فظننته تجاهلني حيث أن وجهي بالنسبة له ليس من النوع المألوف، وراقبت الحضور فإذا بهم يطلبون ما يريدون مباشرة من مكان إعداد المشروبات ثم يجلسون ومعهم ما أرادوا بعد دفع الحساب.
استجمعت قواي وقرأت الفاتحة بنية التوفيق وذهبت إلى حيث يذهبون، وقابلني العاملون بالابتسامات العريضة مع كلمات الترحاب “هلو سير”، وأردت أن أتراجع فما كان منهم إلا أن دفعوا إلي المينيو دفعاً، أمسكت به وأمسكت قلبي حتى لا يهرب مني في مثل هذا الموقف، نظرت إلى المكتوب وكأنه قدري استرجعه بكل تفاصيله، وحاولت التعرف على الاسماء أو الصور ولكن هيهات، رجعت بي الذاكرة حتى أوصلتني إلى المشروب المفضل والأكثر شهرة عالميا، إنه الشاي الذي اصطحبته وألفته في مخيلتي وواقعي طيلة حياتي كمشروب أثق فيه وأرضى عنه ويرضى عني هو الآخر بطبعه وقدراتي المادية المتواضعة، أفقت من عالمي الغائب على كلمات أخرى: سير! ماي أي هلب يو؟ ولكنها تختلف بالطبع عن نفس الجملة التي كنت أسمعها من زملائي على سبيل التدريب على نطق الإنجليزية في المرحلة الإعدادية، ولعلكم إن كنتم من هذا الجيل الذي أقصده أو حتى الجيل الحالي تدركون الفرق بين نطق الجملتين، فلقد كنا ومازلنا ننطق الإنجليزية كمن التصق لسانه بشفتيه لا يستطيع التحدث، أو كالغريق الذي يطلب النجدة ولن ينقذه أحد إعتقادًا منهم بمهارته في السباحة!
طلبت الشاي وانتظرت تجهيزه وتوجهت ناحية الكاشير لدفع الحساب، وبدأت أتخبط تخبط من أصابه المس، وأنا أنتظر معرفة الحساب، وتفاجئت من هول المبلغ، إنه عشرون ريالاً ، وتصنعت الابتسامة لأدفع العشرين قنبلة موقوتة، ولكنها لحظي التعيس انفجرت في وجهي، عشرون ريالاً كانت كفيلة بأن أشتري بها عشرين كوباً من الكرك أو الشاي السليماني زيادة هيل، ودفعت في تمهل وكأني لا أريد القيام بهذه العملية الشبه مستحيلة بل يمكن القول بأنها كانت مستحيلة حسب تصوري المستقبلي، وأخذت الشاي الذي يكفي مقداره لأن أشربه على عدة مرات أو أن أنظم عليه حفلاً وأدعو عليه أصحابي ومعارفي لاحتسائه معي .
أخذت الشاي وهممت بالذهاب إلى زاويتي ولكنها شُغلت بمن قصدها مثلما قصدتها، ووجدتني غير خائف من الجلوس في منتصف المكان وأنا واثق الخطى أمشي متبخترًا بما أحمله من كوب الشاي كبير الحجم الذي يراه القاصي والداني، جلست متفكرًا شاردًا كما يجلس الجميع في هذا المكان، وانتشر صمت رهيب ولم يتكلم أحد من الجلوس حتى ظننتهم يغتابونني ويتهكمون على وجودي بينهم في هذا المكان، وكأنهم يسألون: ما الذي أتى بهذا الغريب إلى هنا ؟ وعلى ذلك فقد أردت راحتهم وراحتي، فأنا الغريب بينهم والمكان ليس مكاني، ولكن ما آلمني هو أنني لم أكن قد انتهيت بعد من شرب كوب الشاي بالكامل وتبقى فيه ما يقارب ثلثه، وتحيرت في أمري: هل أحمل ما بقي منه ؟ أم أنّ هذا يخالف الإتيكيت والقواعد؟! ولكن آثرت أن أفعل ما تمليه علي ثقافتي وألا أدع في الكوب حظاً للشيطان، قمت حاملاً معي البقية الباقية ورحلت، ولكن قطعت خطواتي المتخبطة صرخة النادل من خلفي: سير! هل أنا المقصود؟! سير! وتأكدت حينها بأنني المقصود من ذلك النداء المؤدب المهذب صاحبه، ورجعت خطوات ليقابلني الفتى ويحمل معه ما أسعد فؤادي وانشرح له صدري، وقال لي: يور تشانج سير، وأعطاني ثلاثين ريالاً هي بقية ما دفعت ثمناً للشاي، فقد أنستني الصدمة أني دفعت خمسين ريالاً ولم أسترد الباقي، شكرته مبتسماً مع رغبتي الخفية في أن أقبل رأسه من هول أمانته ومساعدته لي في زيادة رصيدي الخاوي بمقدار ثلاثين ريالاً كانت في أدراج الرياح.
لم أنم تلك الليلة وداهمتني الأفكار وأنا أتذكر الموقف بكل تفاصيله، وتذكرت حُكشة وحنكورة وأبويا الحاج إبراهيم والمعلم سماحة وغيرهم من مرتادي المقهى الشعبي الذي اشتقت ولو لدقائق أحتسي فيها كوبًا من الشاي، وحلمت بأصوات الكاسات الزجاجية البسيطة وما فيها من شوية الشاي المُكن اللي بيعدلوا الدماغ، ولا يتعدى ثمن كوب الشاي في هذا المقهى جنيهًا أو جنيهين في مكان يحترم الشاي ويقدره بثمنه المستحق وتأثيره الذي لا يُقاوم، وليس كما رأيته في هذا المكان حيث تم وضعه بين المشروبات الفرنجية التي لم أعرف لها اسمًا ولا وصفًا حتى الآن.
د. طلعت الدردير

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.