أحمد غنيم يكتب قصة ناقصة


 

 

الأمرُ ليس له أي علاقةٍ بالدين، رغم أن الدينَ له علاقةٌ بكل ما ظهر وخفى، علىٰ أو تدنى. شَمَل وعمَّ كل ما خطر على ذهنك أو لم يخطر، وإن أنكرتَ فلأنك تجهل؛ لا لأنه يغفل.

وإنني لطالما تحدثتُ كثيراً عن مشكلة القصة الناقصة، وذكرتُ -حفظ الله ذاكرتكم- أننا لا نعلمُ من تلك القصة إلا كلمتين موضوعتين بين قوسين في جزءٍ من القصة الكاملة؛ لذاك لا يمكننا أن نحكم حكماً قطعياً في أمرٍ ما إلا بعد القراءة التامة والفهم العميق والتدقيق فيما يظهر من الكلماتِ أو فيما تخفيه السطور. وقبل النهايةِ ولو بربع حرفٍ أنصحك بألا تفتح فاك أبداً للحديث عما ظننتَ نفسك به عالماً.
وما ظننتَ نفسك به عالماً هو فقط ما يحق لك التعبير عنه والمجادلة من أجله؛ لإثبات صحته المبنية على مراجعك القويمة، لا منتدى فتكات الذي تتابعه من خلال هاتفك الذي يعمل باللمس بارك الله لك فيه وحفظه وحفظك من كل سوء.

أعرني انتباهك ولنفترض الآن أنك تعمل مندوباً لترويج دواء comtrex مثلاً، وتكون قد اقتنعت بهذا الدواء وتسعى محاولاً أن تقنع الجميعَ بتناوله في حالة الإصابة بنزلات البرد، ثم يأتي عليكَ في وسط انشغالك بالبيع والتوزيع مندوبٌ آخرٌ بدواءٍ جديد وليكن Decancist ويسعى سعيك في محاولة الاقناع المستميتة لتحويل زمام المرضى ناحية ما يملك. أنت تغضب وهو يقابلُ غضبكَ بغضب والأمر في الأخير بالنسبةِ لك وله مجرد تجارة تسعى في أولها وآخرها للبحث عن رضا رؤسائك بالشركة. لكن إن تطرقنا للعلم قليلاً للمقارنة ما بين comtrex و Decancist سنعلمُ علم يقينٍ أيُ الدوائين أشدُ وأقوى. والأهمُ أن يدرس كلا المندوبين دوائه ودواء خصمه بتعمقٍ وتدقيقٍ كما نوهنا منذ البداية للوصول لحقيقٍ جادة تبعد كل البعد عن المنافسة التجارية.
وهنا أيها السادة تظهر مشكلةٌ جديدةٌ، ألا وهي من أي ناحيةٍ ابدأ؟ وقبل أن أجيبَ سيادتكم عن هذا السؤال أود ثمنه بسؤالٍ لكم “هل إن عُرضت عليكم روايتين أحدهما لهذا الشاب المُعدم الذي لا يعلم عنه أحدٌ شيئاً، والأخرى للكاتب الكبير الحاصل على جائزة نوبل في الأدب أيهما ستختارون؟” بالتأكيد رواية الكاتب الكبير .. الوقت لا يسمع لعبث الصبية الذي يكتبه هذا الشاب، لكن لا مانع من الاطلاع على عبثه بعدما نستمتع برواية أديبنا الكبير.
وأقليةٌ قد تنحاز للشاب فتبدأ بروايته ثم تظل طيلة حياتها تقسم بروعة وإبداع الشاب، وقد يكتشف من تُنار بصيرته ويسمح وقته بأن يطلع على الأخرى بأن الشاب كان يهذي الأسلوب صفرٌ وما بالعمل من إفادة، إضافةً إلى أن القواعد الروائية لم تتحقق إطلاقاً.

والآن أيها المندوب دعك من الشاب والعجوز وتعال للإله والعبد، وأذكُر لكم أنه لمن من بديهيات الهطل والهبل والتخلف و قصر النظر والتوحد أن يتجه المرؤ لقراءة ما خطه العباد قبل أن يقرأ ما أنزله الإله، فتجد المراهق الشاب قد أنتهى من كتابات فيودور دوستويفسكي وميخائيل زوشينكو وفلاديمير نابوكوف وأنطون تشيخوف وألكسندر سولجنيتسين وألكسندر بوشكين، وغيرهم ثم يتجه لعبادة أقلام الإنجليز فيمتليء ذهنه بكتابات وليام شكسبير و تشارلز ديكنز وجورج أورويل وفرانسيس باكون وأغاثا كريستي وجون ميلتون .. إلخ، وأذكر ما شئت من جميع الثقافات والملل. المهم أنه يلهث خلف هذا كله ولم يُدعم الأصلَ جيداً. لم يسمع للإله، فقط قد سمع لِما عرضنا فتجده ينبح بأقوالٍ غريبة عن الحرية والليبرالية ويريدُ أن يعيش دون قواعد تضبط حياته بل ويريدُ أن يصنعها بنفسه. واعجباً ويكأن العامل يصنع الثلاجة، والثلاجة هي من تضع لنفسها قواعد التشغيل!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.