د. طلعت الدردير يكتب: هل تريد الحياة؟!


 

د. طلعت الدردير يكتب:

هل تريد الحياة؟!
هل تستغرب سؤالي؟ أم أنك لا تدرك معنى وفحوى السؤال من الأساس؟ وهل تدرك أُخي الكريم معنى الحياة ومقصدها؟
إن الحياة هي الوسط المادي المحسوس الذي تعيش فيه أوقات حزنك وساعدتك ونشاطك وسكونك، الحياة هي البيئة الروحية التي تنسجم فيها في خلوتك وتقضي فيها ساعات طوال منغلقًا على نفسك، بل أرى الحياة سبيلاً مهده الله لتعبر به إليه وتقترب بها منه، وهي الزمن الذي نعيشه والمكان الذي نحيا فيه .
جئنا إليها بغير إرادة منا، وكذلك هو الحال في رحيلنا عنها، وبين الحضور والرحيل مقام يسعى فيه كل منا لأن يدرك من كل شيء كلَ شيء. الحياة حياتان: الحياة الدنيا خُلقنا فيها من العدم ونعيش فيها حتى الموت، والحياة الآخرة التي نُبعث إليها من الموت، وبين الحياتين رحلة، طالت أو قصرت، يقضي فيها الإنسان رزقه وأجله ومسارات حياته بدقة لا نظير لها، وحتمية واجبة لا تأخر ولا اعوجاج في تنفيذها بأمر من الله وإنفاذًا لقضائه، وإعمالاً لإذنه سبحانه وتعالى.
إن متع الحياة أهداف في ذاتها لمن قلت حيلته وغُيب عقله وتكالبت عليه الدنيا بمفاتنها وتهيأت له في زينتها، فذهب منه العقل، وارتحلت عنه الروح بغير رجعة، فهام على وجهة، والزهد في الدنيا ومتاعها، رغم امتلاكها، مخرج لمن أراد الله له النجاة فيها ومنها، ومتاع الحياة كثر ذكره في آيات حكيمات ذات دلالات على أنها لا شيء وأن الآخرة هي كل شيء ، قال تعالى : ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ العنكبوت: 64. وعن الضّحاك بن سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ( يا ضحاك ما طعامك ؟ ) قال: يا رسول الله، اللحم واللبن. قال: ( ثم يصير إلى ماذا ؟). قال: إلى ما قد علمت، قال: ( فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكرَ الله تعالى وما والاه، وعالمًا ومتعلمًا”، ملعونة أي مذمومة، ومع ذلك فإن فيها أسباب التمسك بها، والعمل والسعي الدؤوب من أجل الوصول إلى تحقيقه.
آيات وسير فيها من الأخبار ما يصف حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، ونعتها بالفناء، وأن غاية ما فيها هو اللهو واللعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، أي هي الحياة الدائمة الحقة التي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمر بلا انتهاء.
وأعود بك إلى سابق عهدنا بسؤالي لك: هل تريد الحياة؟ وما هي الحياة التي تريدها؟ وكيف الوصول إلى ذلك؟
قبل أن تجيب حدد هدفك في المستقبل القريب والبعيد، واجعل لنفسك مقرًا تريد الخلود إليه، فلا يهم أين مقامك المؤقت، ولكن الأهم أين قرارك الدائم، والأهم من هذا وذاك هو أن تجد لنفسك سبيلاً للخلاص، تعيش به وله، ولا ترضى بالدنية من الأهداف ولا الأحلام، وأن تعرف هدفك جيدًا وسبل تحقيقه، فلا أحلام حقيقة بدون أهداف مرتبطة بها، ولا جنان بدون إيمان، ولا فوز بدون جهد ومثابرة وتعب وكد.
إذا أردت الحياة فاجعلها محطة عبور، ولا تجعلها محطة وصول، إذا أردت الحياة فاجعل مرادك فيها موافقًا لمراد الله لك فيها، واجعل نفسك طائعة مطيعة، لينة الجناب، متوسلة للرحمة، طالبةً للخلاص والنجاة، وكل هذا كفيل بسمو روحك، وقادر على توجيهك بصدق نحو الوجهة المقصودة والهدف المرجو من غير سفر مضن تخرج منه صفر اليدين، ولا زيغ مهلك.
واجعل جهادك، يا من أردت الدنيا، جهادًا محمود المقصد، لا تبتغي فيه إلا الله، ولا تقصد من ورائه إلا النجاة.
وتحضرني هنا أبيات من الشعر ذات دلالة على الدنيا وزخرفها وزينتها وقيمتها، وهي للشاعر إبراهيم الباروني يقول فيها:
ليست حياة المرء في الدنيا سوى
حلم يجرّ وراءه أحلاما
والعيش في الدنيا جهاد دائم
ظبي يصارع في الوغى ضرغاما
ويقول المتنبي :
نبكي على الدّنيا وما من معشر
فجعتهم الدّنيا فلم يتفرّقوا
أين الأكاسرة الجبابرة الألى
كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
فالموت أت والنفوس نفائس
والمستغرّ بما لديه الأحمق
والمرء يأمل والحياة شهية
والشيب أوقر والشيبة أنزق
أما زلت تريد الدنيا؟ ومن قال لك أتركها ودعها ولا تقربها، ولكن خذها بحقها المفروض لها، وأنزلها منزلتها التي تستحق، ولا تعطيها أكبر من حجمها، فتنزلق إلى حبها المفضي إلى هلاكك، وترتبط بها ارتباط مجنون ليلى بمن أردته قتيل عشقها مجنونًا يتخبط في الأودية هائمًا لا يُرجى شفاؤه. عش في دنياك مرتبطًا بها على قدر مقامك فيها، فإذا أدركت الفناء وأنه لا محالة واقع، فعلام الارتباط والتودد والسير ضد التيار، فاسلك سبل السلامة وإن طال بك السفر فإنك مدرك وجهتك لا محالة.
لا عليك تشبث بالحياة، وخطط لبقائك ووجودك فيها، وإني لا أشك في حكمتك وذكائك في التعامل معها، ولا أخاف عليك منها؛ لأنك الفتى المغوار وقت الكر والفر، لكن ما أخشاه أن تنسى العهد، وان تحيد عن الوجهة والمقصد، فأوصيك بالتزام الهدف وصدق النية، والسعي الدائم نحو تحقيق الهدف والوصول إليه منتصرًا حائزًا على أوسمة الزاهد المجاهد الذي لم تغره دنياه، ولم يتركها إلا واكتوت هي من نار صلابته وقوة يقينه وثبات عقيدته.
أسعدكم الله في الدنيا والآخرة.
د. طلعت الدردير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.