هناء مطر تكتب طابور الموت


 

هناء مطر

#طابور_الموت
حينما خرجت من مكان عملي الحكومي والذي أعمل به من الساعة الثامنة صباحا حتى الساعة الثانية والنصف ظهرا، رن هاتفي الخلوي بنغمة للرسائل قد خصصتها بصوت مطربي المفضل حسين الجاسمي “ربي أنا خايف من العذاب ..خايف من سؤال من غير جواب”
ففتحتها “لا تنسى شراء الخبز” هكذا كان نص الرسالة من زوجتي
تفقدت جيوبي ومحفظتي بحثا عن بطاقة التموين فوجدتها وحمدت الله أنني لم أنساها على طاولة الطعام أثناء تناولي وجبه الفطور في الصباح الباكر قبل خروجي للعمل

الشمس حارقة اليوم والمخبز مزدحم والجميع يقف في صفوف
صف للسيدات وآخر للرجال

أعطيت البطاقة لصاحب المخبز ليضعها في الماكينة التي أمامه وأخبرته أنها لأربعة أفراد
ثم أخذت منه ورقة بعدد الارغفة ووقفت في الصف “طابور الخبز”
سألت الرجل الذي يسبقني في الصف:- منذ متى والجميع يقف هكذا؟!

لا نحسب الوقت.. فكلا منا ينتظر دوره، قف في مكانك ولا تفكر كثيرا، حينما يأتي دورك ستأخذ ما تستحقه من الخبز

وقفت أنتظر في دوري وأشعر بالاختناق من الأتربة والرطوبة وعوادم السيارات المارة من أمام المخبز ، ثم وضعت جريدة فوق رأسي حتى لا أصاب بضربة شمس، كنت قد ابتاعتها من كشك الجرائد أثناء ذهابي للعمل؛ حتى أتصفحها أثناء وجودي في مكتبي وأنا أشرب الشاي مع زملاء العمل والآن ها هي تحميني من أشعة الشمس الحارقة

أتلفت حولي كمن يبحث عن شيء ما ولا يعلم ما هو ؟!وأتأفف من الحر

أنظر للخبز وهو في الفرن وللنار من فوقه فأتذكر الجنة والنار وعذابها
فأظل أردد بيني وبين نفسي “اللهم أجرني من النار ومن عذابها” ثلاث مرات

خلال دقائق وقف خلفي في الطابور خمسة أفراد

وبجواري صف النساء، يتحدثن بصوت عال، أسعار الطماطم مرتفعة كعادتها ،أزمة اسطوانات الغاز وطوابيرها وكأن الحياة مقسمة لطوابير خبز وبنوك،وغاز وغيرهم، ووجبة الغداء مما تتكون اليوم؟!
بعضهن اقترحت عمل معكرونة بالصلصلة الحمراء وقطع دجاج متبلة ومحمرة في الزيت وسلطة خضراء ، لقد أصاب الجميع حالة ملل من الطعام وماذا يأكلون كل يوم؟

أثناء حديثهن نشب شجار بين أخر امرأتين في الصف، إحداهما تقول:- هذا دوري والآخرى تقول :- لا.. هذا دوري أنا
فتدخلت إحدى السيدات لفك الشجار وقالت:- لم الشجار؟!.. مازال الطابور طويل لا تغضبن فلتأخذي مكاني ولايهم

انتهى الشجار والرجال تنظر إليهن وكلا منهم في مكانه لا يحرك ساكن

شاب عشريني يرتدي شورت جينز وتي شيرت أبيض مكتوب عليه بعض الكلمات بالانجليزية باللون الأسود،يقف صامت ،يضع سماعات هاتفه المحمول في آذنه ؛ يستمع ل أغاني تخفف عنه مشقة الإنتظار
ورجل في الخمسين من عمره يرتدي جلباب بلدي ، لا يستطيع الوقوف، تارة يجلس على الأرض وتارة أخرى يقف

وطفل في العاشرة من عمره، يرتدي بنطال جينز ممزق عند الركبة كحال موضة الشباب الآن، وتي شيرت رياضي مرسوم عليه صورة اللاعب محمد صلاح ، ظل يقول للفران :- ماما تقول لك “أعطني خمسة أرغفة فقط للغداء وغدا ستأخذ منك باقي الخبز في الصباح”

هدأ صف السيدات أخيرا، لا عراك ، فقط ثرثرات نسائية كعادتهن
النساء لا تستطيع الصمت لبضع دقائق فربما هي غريزة داخلهن كالامومة

إحداهن تتحدث عن جارتها في السكن وأنها تريد الطلاق لأن زوجها تزوج غيرها

وأخرى كالشاب تضع سماعات الهاتف في آذنها وتستمع ربما ل أغاني المهرجات المنتشرة في جيلهم، يبدوا ذلك من طريقة وقفتها وملابسها

وأخرى تنادي على الفران:- يا أحمد ..لقد تركت أطفالي وحدهم في البيت

الجميع لا يحب الوقوف في طابور الإنتظار

عقارب الإنتظار مميتة كعادتها

ثم فجأة سقط الرجل الخمسيني بيننا، ربما غيبوبة سكر، ربما هبوط في ضغط الدم من حرارة الشمس أو الوقوف كثيرا

ثم على الصوت :- لا اله إلا الله …الرجل مات

لا أعلم ماذا أصابني حينها، قدمي كمسمار مثبت في الأرض
ضربات قلبي تزايدت، تصبب العرق من جسدي بغزارة، ويدي باردتان ترتعشان

لم يكن طابور خبز.. لقد كان بالنسبة له طابور الموت، حينما جاء دوره؛ قبضت روحه بينناّ دون أن يشعر أحدا به

لقد كان ملك الموت يحوم حولنا جميعا ، يقف بجوار الجميع وربما كان يضع أرواحنا جميعا في قبضة يده ، لكنه في النهاية أختاره هو… لا نعلم من التالي ومتى يحين دوره وكيف ستكون موتته وأين ؟!

ثم رن هاتف الرجل المتوفي، كانت زوجته تصرخ به:- لماذا تأخرت ؟!..أين العيش ؟!ّّ. ..بطون أطفالك تصرخ من الجوع

لا أستطيع الرد، لا أعلم ماذا أخبرها وكيف؟!
ظللت هنيهة دون أن انبس ببنت شفة، ثم فجأة قلت لها:-
زوجك توفاه الله الآن..البقاء لله

سمعت صراخها، لقد اخترق جدار قلبي وروحي

الأطفال تصرخ حولها وقد نسيت نباح كلاب جوعها :- أبي…أبي.. ماذا حدث ل أبي؟!

الجيران ركضت نحو بيتها من صوت صراخها ، لقد سمعت صوت الطرق على الباب وهم يقولون لها :- افتحوا الباب ..ماذا حدث عندكم؟!

لا أعلم لِمَ لا أغلق الخط؟!
ربما تصورت حال زوجتي وأطفالي مثلهم
وربما أكون أنا التالي له في طابور الموت…

#هناءمطر
#طابور
الموت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.