أشرف توفيق يكتب صياد فى بحر الكتب


 

 

صياد فى بحر الكتب

أشرف مصطفى توفيق

هناك انواع من الكتب :
– كتب مثل الخرائط تهديك لغيرها
– وكتب تحتاج لخرائط،فالذى يقلبها يضيع فيها
– وكتب مثل الاوراق المالية مضمونة الفائد
– وكتب أكثر الناس سمعوا بها ،ولكن لم يقربوها،ولكن لا يمكن تجاهلها

ويقول: عباس العقاد ( أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفي، ولا شيء يقدم له أكثر من حياة واحدة سوى القراءة)

ولا تغني الكتب عن تجارب الحياة، ولا تغني التجارب عن الكتب، لأننا نحتاج إلى قسط من التجربة لكي نفهم حق الفهم،أما أن التجارب لا تغني عن الكتب،فذلك لأن الكتب هي تجارب آلاف من السنين في مختلف الأمم والعصور،ولا يمكن أن تبلغ تجربة الفرد الواحد أكثر من عشرات السنين ومهما يأكل الإنسان فإنه لن يأكل بأكثر من معدة واحدة،ومهما يلبس فإنه لن يلبس على غير جسد واحد ومهما يتنقل في البلاد فإنه لا يستطيع أن يجمع الحيوات في مكانين ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات وهو جالس لكتاب..ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات في عمر واحد ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل، وتتضاعف الصورة بين مرآتين
وقبل أن يكون عندى مكتبة وكتب وغرفة مكتب ،كنت اصطاد الكتب من بحر الكتب اقصد سور الأزبكية بالعتبة.كنت كل خميس يكون هذا مشوارى وتلك فسحتى، انهى دروسى بمدرسة التوفيقية الثانوية واذهب لجريدة “الطلاب” بشارع الجمهورية – وقد تبنى مجموعة من طلاب ثانوى الاستاذ (محمد سليمة) رئيس التحرير والتشكيلى الأشهر- وهى جريدة للطلاب كان عبد الناصر قد أمر باصدارها وتخرج بمعرفة هيكل من الاهرام ،وهناك اجد من يصاحبنى دوما لسور الازبكية،وفى معظم الوقت نكون:( أنا،والانسة نادية حسنى، ومحمد عبد الغنى ابن خالتها، ورافت السويركى، ومصطفى يس ) وكلهم عملوا فى الصحافة فيما بعد وبرعوا، فى حين إنى بقت الكتابة طول الوقت هواية ، والقراءة دواء وشفاء.
وكنا نشترى الكتب برخص التراب ونفاصل ايضا.وكان الحاج (صلاح الناجى) بائع الكتب الشهير،يعمل معنا “ديل” أو اتفاق نشترى منه الكتاب ونحافظ علية وبعد القراءة يشتريه بنصف الثمن.

وقد جرينا وراء الكتب..وتناقشنا، وتعبنا ووقفنا عند أقدم سؤال في الفلسفة السياسية: ما هو أفضل نظام سياسي؟ ففي عام 1992 نشر المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما كتابه الشهير “نهاية التاريخ” ،وهو الكتاب الذي قال بأنَّ اللعبة انتهت، وأن الرأسمالية قد فازت على الاشتراكية فوزًا ساحقًا ونهائيًا. لقد انتهى “كأس العالم للسياسة” إذن. لم يعد هناك المزيد من المباريات سيطرت النظرية الديمقراطية وانتهى كل شئ. انهزم الجميع وانتصر الغرب.ولكن وفي عام 1993 نشر المفكر الفرنسي جان ماري جيهينو كتابه الشهير “نهاية الديمقراطية”، وهو الكتاب الذي قال بأنَّ النظم الديمقراطية الكلاسيكية إلى زوال، وأنَّ القرارات الأساسية للدولة لم تعد تتخذها الشعوب التي تنتخب في العلن، وإنمّا جماعات المصالح التي تعمل في الظل وضربنا اخماس فى اسداس..ثم جاء الفيلسوف الفرنسي”جاك دريدا” بكتابه الشهير “أشباح ماركس” ليقول بأن “كأس العالم الفلسفي” لم ينته بعد، وأن الماركسية لم تصل إلى الكلمة الأخيرة،كما أن المباراة داخل النظرية الرأسمالية نفسها لم تصل إلى نهايتها،فالتناقضات الداخلية عميقة وخطيرة.وذهبنا بالكتب للحاج (صلاح الناجى) نقول:” كتب اونطه،هاتوا فلوسنا” وقال انتم لسه صغار على الفلسفة السياسية.لكل وقت آذان ولكل سن كتب وضحك، ورجعنا كتب السياسة، ورد نصف الثمن كالمتفق عليه..

وعلى سور الازبكية تعرفنا على الأستاذ “يحيى حقى”ورشح لنا قراءة “الف ليلة وليلة”،ووجدت هذا المعنى في الصفحة الأولى من “ألف ليلة وليلة” أنه بسبب الخيانة الزوجية ..خيانة زوجة الملك “شهريار” أو زوجة ” أخيه الملك شاه زمان” أٌلف ولا يدري أحد من أَلف..رواية أو قصة أو ملحمة (ألف ليلة و ليلة) فالملك شهريار اشتاق لأخيه الأصغر شاه زمان، واستعد للرحيل وفي آخر لحظة تذكر شيئاً،وكان لابد أن يتذكر هذا الشيء. وعاد إلى القصر ليجد زوجته بين ذراعي خادم زنجي!! فقتل الاثنين..لم يتوقف ليسأل لماذا؟! وانما مضى فى سفره لبلد أخيه، ليجد عند أخيه نفس ماعنده العار والخيانة..وأستمر مع الصفحات الأولى من”الألف ليلة وليلة” سافر الأخ حزيناً إلى أخيه فوجد الثاني يستعد لرحله صيد ولكن شهريار لتعبه من السفر اعتذر عنها،وتصادف أن نظر “شهريار” من نافذة أخيه الأصغر بعد خروجه للصيد،وكانت صدمة،وجد زوجة أخيه ومعها عشرة من الخدم الزنوج يتبادلون عناقها جميعاً.. بوغت أن مصيبته هو أهون! فزوجته كانت فى حضن عبدا واحد؟ ومن هذا الهوان والخيبة سافر الأخوان بلاد الله لخلق الله ليريا إن كان هذا ماتفعله النساء مع كل الرجال أو أن هذا هو حالهما فقط؟ ففى بداية “الألف ليلة وليلة ” كان الحب والخيانة فى قنينة واحدة.بل قبل بداية الف ليلة، وقبل أن تفتح شهرزاد فمها،كانت خيانة الزوجات وعبر عن ذلك فى الليالى:

“وإذا بباب القصر قد فتح وخرجت منه عشرون جارية وعشرون عبدًا وامرأة أخيه تمشي بينهم وهي غاية في الحسن والجمال حتى وصلوا إلى فسقية وخلعوا ثيابهم وجلسوا مع بعضهم وإذا بامرأة الملك قالت: يا مسعود فجاءها عبد أسود فعانقها وعانقته وواقعها وكذلك باقي العبيد فعلوا بالجواري ولم يزالوا في بوس وعناق ونحو ذلك حتى ولى النهار”؟!
اما رجاء النقاش فرشح لنا كتاب الاغانى للأصفهانى.ولكن ماهذا الكتاب الذى لا ينتهى وصلنا للجزء الخامس ،وقيل لنا أنه 24 جزء غير منشور منها وقتها غير 19فقط.وهو كتاب فى الفسق والعشق ولكنه فى جو عربى عباسى شرقى صرف؟!
ويبدأ الكتاب بمسابقة يجريها هارون الرشيدى، لأختيار أفضل مائة أغنية فى زمانه- هل لاحظت العدد- ويسجل الكتاب أن المرأة فى ذلك الوقت كانت حرة تماما،فهى تطارد الشعراء،وهى تبعث بمن يأتى بهم،وكثير ماوجدنا زوجات الخلفاء يبعثن للشعراء المشاهير ويقدمن له الشراب ويرقص له الجوارى له فالشعر فى الكتاب قضاء وقدر..ويكتب عن شاعر فحل ولكنه فاجر،فهو يذهب للكعبة ويطوف يعاكس النساء؟!..فأبو الفرج الأصفهانى رجل أبن حظ لم يكتب غير هذا الكتاب ولم يرى فى الدنيا إلا مجالس الأنس والطرب.

وكنا إذا اشترينا كتب عدنا بها فارحين وكل منا قد اتفق مع منُ من الشلة بعد القراءة يبدل ويغير كتابه بالاعارة المتبادلة. اما إذا لم نشترى نتسكع فى شانزليزيه مصر “وسط البلد” وننتهى عند البن البرازيلى ونحتسى البن. وتقابلنا يوما هناك مع انيس منصور، وكان وقتها رئيس تحرير آخر ساعة.
وقلنا: نحن صحفيون بجريدة الطلاب ممكن نتصور معك؟
وقال: صحفيين.. ارجوكم.
وقد سعد وقتها الرجل بعادتنا فى شراء الكتب من سور الأزبكية. وقال لقد مدح شوقى امير الشعراء الكتاب وجعله أصدق من الصديق

أنا من بدل بالكتب الصحابا لم أجد لى وفيا ألا الكتابا

ولم يرتاح رافت السويركى شاعرنا للبيت الشعرى وشكك فيه وطعن على امير الشعراء وتمسك بنصه الأستاذ انيس، ولكن السويركى قدم درسا عظيما فى النحو،قال الأصح أن يقول: أنا من بدل بالصحب الكتابه فحرف الباء يدخل على الشيىء المتروك،فهو ترك الأصدقاء من أجل الكتاب..فهل يرتكب شوقى تلك الغلطة ؟!
وفى اليوم التالى كتب الأستاذ انيس عن : أشهر غلطة لشوقى!!وشنع به وعليه.. غلطة : أنا من بدل بالكتب الصحابا.

وصار حالى مع الكتب يشبه حال خليل صويلح “الكاتب والروائى السورى”..
أنها لعنة أبدية تجعلنى فى تجوال طليق يطيح كل صباح بهندسة رفوف المكتبة،رأسا على عقب اسحب كتابا واطوى آخر،مع سيرة الكتب وهى سيرة غير قابلة للإكتمال النهائى لأنها غير نهائية بطبيعتها أنظر إلى مئات الكتب أمامى وخلفى وفوق وعلى الأرض،وأتحسر حزنا ،مرة لأنها جأت متاخرة ففى صغرنا وشبابنا كانت الكتب نادرة فى حياتنا، ومرة لأن الكتب صارت كثيرة الأن ولكن الوقت قليل. واستمر فى جمع الكتب،واستسلم لأحلام ذهبية بأنه سوف يجىء وقت أقرأ فيه كل ذلك،والوقت لا يجىء والكتب تتكدس بعضها فوق بعض وفوق عذابى أيضا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.