ريم البسيوني تكتب اللعنة


(اللعنة )
كان المطر يهطل بشدة معلنا قدوم عاصفة قوية ربما سينقطع بسببها تيار الكهرباء عن ذلك البيت القابع في أطراف البلدة . ليلة شديدة العتمة وهدوء قاتل غلف كل شئ من حوله فأظهر بوضوح صوت انهمار المطر بالخارج
تجرع كأسا كانت بيده دفعة واحدة قبل الشروع في تنفيذ مهمته
سار بخطوات حذرة نحو غرفتها وأطل برأسه من الباب الموارب فوجدها تغط في نوم عميق
لا يدري لم يراها دائما تشبه مومياء حنطت من زمن سحيق وتساءل ” ترى هل هي فعلا كذلك أم أنه فقط من يراها بهذا القبح ”
اقترب منها ببطئ ليتأكد من أن مفعول المخدر قد بدأ يسري في دمها وأسلمها لنوم لعميق سيساعده على إنجاز تلك المهمة التي كان يتحين الفرصة لاتمامها
كانت ترقد في فراشها بفم مفتوح يسيل اللعاب منه، تنحت التجاعيد حفرا وخنادق في وجهها الذي طالما نفر منه.
تقدم بضع خطوات يسير على أطراف أصابعه إلى أن التصق بها وتعجب من ملامحها الجامدة التي توحي دائما بحب التملك والسيطرة حتى وهي نائمة .
أخذ نفسا عميقا ثم التمعت عيناه ببريق الرغبة في التخلص من تلك العجوز المتصابية
التقط الوسادة من جانبها بخفة وجلس بمحاذاتها عاقدا العزم على ما خطط له
وقبل أن يتراجع خوفا هوى بالوسادة على وجهها بكل ما أتوي من قوة . انتفضت انتفاضة الغريق الذي يصبو لجرعة هواء يملأ بها رئتيه، تبعتها انتفاضة ثانية كمحاولة أخرى للتمسك بالحياة، وفي الثالثة لم تستطع الصمود أمام شبح الموت فسكنت انتفاضتها وتراخت يدها لتتدلى بجانبها
– هل أصبحت قاتل؟!
دوى صوت الرعد بشدة وكأن السماء تجيبه عن تساؤله
ارتعش الضوء المنبعث من مصباح الغرفة مرتين ثم انطفأ ليعلن انقطاع الكهرباء عن المنطقة بأكملها .
كل ما حوله يوحي بالرعب ، ظلام دامس لا يرى فيه كف يده، وصوت المطر المستمر بالهطول يتخلله دوي رعد هائل، وجثة ترقد في سريره !
خفق قلبه بشدة فشعر بألم في صدره، وشعر بحرارة تخرج من وجنتيه على الرغم من برودة الطقس التي جمدت أطرافه . اختلط عليه الأمر ولم يميز السبب في ارتجاف جسده واصطكاك أسنانه أهو البرد أم الخوف !
انتبه إلى أن الوقت يمر به بسرعة وهو لا يزال يحدق بوجهها ، فأسرع لينفذ الجزء الثاني من الخطة قبل طلوع النهار، فتح الأدراج وأخذ يتحسس محتوياتها مفتشا عن المصباح اليدوي الصغير الذي اعتاد أن يضعه في واحد منهم
– اللعنة.. أين هو ؟!
لم يضع انقطاع التيار الكهربائي في الحسبان وهو يخطط لجريمته !
– ها هو .. أخيرا
على ضوءه الضعيف سحب الجثة من يديها وجرها إلى الطابق السفلي مرورا بدرجات السلم الخشبي، صوت ارتطام جثتها بالأرض بعث في نفسه رهبة ارتجفت لها حواسه، وصل بها إلى مدخل البيت فوقف يلتقط أنفاسه، زادته برودة الجو رعشة فعاد إلى الداخل واترتدى معطفا ثقيلا ثم غطا رأسه بالجزء المخصص للرأس، تابع سحب الجثة إلى أن وصل بها إلى سيارته، وضعها في الخلف بصعوبة وهو يتمتم لاعنا وزنها الثقيل
كسر ذلك الصمت المطبق هدير محرك سيارته وهو يقودها إلى الغابة التي لا تطأ أرضها قدم بسبب الشائعات التي يطلقها أهل البلدة عنها باستمرار، توغل إلى داخل الغابة فبدت كأنها وحش ضخم ابتلع سيارته، صوت حفيف الأشجار هناك في هذا الوقت المتأخر زاد من خفقان قلبه، المكان خال من كل مظاهر الحياة وكأنه على كوكب آخر يعلو فيه صوت البوم والغربان، حاول السيطرة على أعصابه حتى يتخلص من جثمانها سريعا قبل طلوع النهار .
ترجل من سيارته وعلى ضوء مصابيحها المشتعلة أمسك بالمعول الذي اشتراه قبل أيام لهذا الغرض وقام بحفر حفرة عميقة تتسع لجسدها المترهل
ومع أخر حفنة من التراب الذي كان يهيله ليردم الحفرة ،نفذت طاقته تماما وشعر بتنميل في ساعده،أسرع إلى سيارته بسرعة دون أن يلتفت إلى الوراء ولو لمرة واحدة مخافة أن يتفاجئ بقيامها من قبرها لتلحق به!
ما زال الظلام حالك والمطر لم يتوقف بعد، دخل إلى البيت بجسد يتهاوى وهم بالصعود ولكنه توقف فجأة حين أتاه صوتا من خلفه
– هل انتهيت ؟
بهت لوهلة و شعر بهلع شديد، التفت ببطئ والتقط المصباح من جيب معطفه ليوجهه نحو ذلك الصوت
وبنبرة مرتعشة قال
– من أنت وكيف دخلت إلى هنا ؟
بانت ملامح الرجل من خلف ضوء المصباح الأصفر
كانت هيئته غريبة، فهو لم يره من قبل في هذه البلدة الصغيرة
ضحك الرجل ضحكة سخرية قائلا :
– أنا محقق البلدة .. أين زوجتك آن ؟ وما هذا التراب الذي يكسو معطفك
خرجت صرخة مكتومة من جوفه ولكنه تماسك ليقول
– ماذا تقول ؟ آن ليست هنا، لقد سافرت قبل يومين
ثم صاح فجأة :
– كيف دخلت إلى هنا ؟ هل اقتحمت منزلي بغيابي ؟ ولكن الباب غير مكسور ، والنوافذ مغلقة كيف دخلت ؟! آمممممم أنت لص محترف إذن !
ضحك الرجل فبانت أسنانه كأنياب نمر مفترس وقال وهو يتقدم ناحيته :
– لقد قتلت زوجتك منذ قليل لا فائدة أبدا من الإنكار .. ثم اتسعت عيناه فجأة وسأله :
– لماذا قتلت زوجتك ؟
سقط المصباح من يده فغرق المكان في ظلام دامس ثم ارتمى على الأرض وأجهش بالبكاء
– هي قتلتني ألف مرة..سيطرت علي بمالها فجعلتني كخادم لها أنفذ طلباتها وإلا سأطرد من جنتها
قاطعه الرجل بحدة :
– لماذا تزوجتها إذن ؟
كنت فقيرا لا أجد قوت يومي ..فاشترت شبابي بأموالها ومع الأسف وافقت ..
وبانهيار صرخ :
نعم ..قتلتها .. لأني أكرهها .. تلك العجوز الشمطاء حولت حياتي إلى جحيم لا يطاق
جحظت عيناه فبدى كمجنون هائج :
– وضعت الوسادة على فمها القبيح الذي يصب علي اللعنات أمام الجميع .. تخلصت من ذلها وسيطرتها إلى الأبد
ثم ضحك ضحكة هيستيرية مرعبة وكأنه فقد عقله !

فجأة ، ارتعش التيار الكهربائي بعد أن هدأت العاصفة فأنار المنزل بضوء مهزوز
شعر بوخز في عينيه حين بدأ بؤبؤه في التقلص ، رفع رأسه ببطىء يتلفت حوله بحذر
مشى بضع خطوات للأمام يبحث عن الرجل الذي كان واقفا معه منذ قليل
لا يوجد أحد!
ظل يفتش عنه كالمجنون ولكن ما من أثر له
أخذ يهذي
– هل كنت أتحدث مع شبح ؟ !
ذعر حين تذكر أنه لم ير سيارة المحقق في الخارج حين عاد خائفا قبل قليل، كيف لإنسان أن يمشي مترجلا في عاصفة كهذه وكيف يدخل إلى المنزل والباب مغلق ..
شعر بدوار ..
– رباه هل أصبت بالجنون ؟
سمع صوت خطوات قادمة من الطابق العلوي !
بجسد يكاد أن يسقط على درجات السلم صعد ببطئ شديد فكل ظنه أن ذاك المحقق الذي اختفى حين عاد التيار الكهربائي قد صعد على حين غفلة منه ليفتش الطابق العلوي، ولكن ذلك الاعتقاد بدأ في التلاشي حين أتاه صوت ضحكة عالية متقطعة !
كانت تلك الضحكة تشبه إلى حد كبير ضحكة زوجته التي ترقد الآن في حفرة عميقة بالغابة الموحشة !
– لقد أصبت بالحنون حتما.. هذا مستحيل .. ربما أنا في كابوس مفزع
هكذا ظن !
بخطوات ثقيلة دخل غرفة نومه فوجدها واقفة بشعرها الأشعث يكسو ملابسها تراب القبور، كانت مرتفعة عن سطح الأرض كالأشباح !
صوب عينيه إلى ركن الغرفة فوجد شبحا آخر يحوم متجها نحوه، دقق النظر في وجهه فوجده ذلك الرجل الذي كان يحادثه منذ قليل
خرجت منها ضحكة مرعبة وكأنها خرجت من مكبر صوت وقالت :

  • هذا المحقق قتل منذ عامين ولكنهم لم يجدوا جثته حتى الآن !
    ترنح وقبل أن يسقط مغشيا عليه سمع شبحهها يقول :

مسكين ! حلت عليه لعنة الأشباح حين دفن جثتي في تلك الغابة المسكونة !
#ريم_البسيوني

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.