أحمد غنيم يكتب رزقت حلها


رُزقت حلها

 

يتخذني الجميعُ مرجعاً هاماً لحل مشكلاتهم، فأحلل الموقف بحكمة خبيرٍ عالمٍ بأصول المشاكل، ثم أضع حلولاً بسيطةً وكفيلة بأن تبعثر غبار هذه المشكلات بعيداً، لكن ويا للغرابة عندما أكون طرفاً في هذه المشكلة، فإنها ما يبعثرني أنا وأقعد قلقٍ لا حول لي ولا قوة، وربما كانت مشكلتي أقل كثيراً مما أعانني الله على حله بل واخفاء أثره أيضاً!
ولا بد من أنك كذلك أيضاً تحل مشاكل الخلق، ولا تستطيع أن تحل مشاكلك أنت فتضطر للإستعانة بأشخاصٍ يحلون مشاكل الغير ولا يحلون مشاكل أنفسهم. والحقيقة أن المسألة برمتها مشكلة ثانية، وهي لماذا لا أستطيع حل مشاكلي بنفسي وربما كنت في أوج حكمتي؟! وقبل أن أجيبك على هذا السؤال تقبل مني القول بأن حكمتك منقوصة، وما الحكمة إلا تقديرٌ دقيقٌ حقيقيٌ للأمور وعلاجها.

دعنا نوضح الأمر على طريقة عالم الفيزياء الألماني ألبيرت أينشتاين ونفند قوله من وجهة نظر النسبية فنقول أن تقديرك لسرعة السيارة وأنت موازيها هو صفر وكذلك وأنت في حالة المشكلة ومنخرط معها توازيها فحلك لها أو تقديرك لها هو صفر، وإن أبطأت سيارتك قليلاً ستجد أن للسيارة الأخرى سرعة معلومة، لكنها أيضاً ليست الحقيقية، وكذلك إن خرجت قليلاً خارج إطار المشكلة ربما تجد حلاً لكنه ليس حكيماً ليس منضبطاً، ويظل الحل الوحيد أن تطلب من مراقب ثابت خارج السيارتين أن يحدد سرعة هذه السيارة اللعينة ويخبرك بسرعتها الحقيقية. وهنا نجد بالضبط الحل الحكيم الأمثل للمشكلة، ولكنك من البداية كنت تستطيع النزول من السيارة والوقوف ثابتاً لإعطاء الحل الأمثل، وبهذا لن أتهمك أبداً بنقصان الحكمة، وكذلك لن يتطلب الأمر آخر لحل مشكلتك.

ولنضرب مثلاً آخر -ولله المثلُ الأعلى- لو أخبرناك -إن قدر الله- بأن أحد جيرانك قد قتل أخاك، فالطبيعيُ -وهو ليس بطبيعيٍ أبداً- بأن تلتقط سلاحاً، ثم تدخل على جيرانك فتمزقهم جميعاً شر ممزق. وقد قلت لك بأنه ليس طبيعياً؛ لأن من الحكمة قتل من قتل أخاك فقط أو ربما العفو هو الأصح إن استطعت. لكنك لم تفعل لأنك لم تفكر ولم تُهَدِأ السيارة حتى. وصَدَقَ من قال «لا تقطع وعداً وأنت سعيد، ولا ترد وأنت غاضب، ولا تقرر وأنت حزين» فكل الحالات السابقة سواء الغضب أو السعادة أو الحزن إنما هي سياراتٌ موازية لسيارات الظروف أو الإشكالات التي تحدث لنا على مدار حياتنا حقيرها كان أو عظيمها. وقد أمر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالإعتدال دائماً في أمورنا وكذلك في مشاعرنا.

ولما ذكرت الغضب كمثالٍ أردتُ به وقفةً مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم القائل في حديثه: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» وهنا يؤكد الرسول على القول بأن أول ما تقوم بفعله عند الغضب هو إزالة هذا الغضب بعيداً، واضعاً عليه الصلاة والسلام الحلول والبدائل لإزالته بالجلوس ثم بالإضطجاع، حتى إذا ذهب عنك الغضب فأنت هكذا قد وقفت ثابتاً ولن تُخطيء في تقدير سرعة السيارة المذكورة آنفاً ولن تحتاج أحداً مُسيطرٌ على ذاته فأنت بحمدلله متى انتهجت هذه النظرية في أعتى مشاكلك و سيطرت على ذاتك، ثم حكمت بحكمة خبيرٍ فرجها الله وأعانك عليها بفضله، ومن ثم رُزقت حلها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.