الباحث اللغوي/ مدحت عبد الغفور مهران يكتب لكم الأدب بعد زمن الكورونا


 

الأدب بعد زمن الكورونا

بقلم الباحث اللغوي/ مدحت عبد الغفور مهران

مؤسس مبادرة العربي ببساطة

باستثناء شركات تصنيع الأدوية، لا يمكن لعاقل أن يقول إن في الوباء… أي وباء فوائد. لكن يبدو أن هناك مستفيدين آخرين من البلاء… في عالم السياسة مثلاً، الوباء من الممكن أن يصبح سلاح للأعداء ومن الممكن أن يكون طريقة لتقليل عدد الرعية !. وفي حقل العلم أيضا وإن كان هذا يحدث بصيغة مختلفة، فائدة الوباء حين يحولونه من نقمة تلم بالبشر إلى “فرصة مواتية” للعثور على لقاح يرتقي بالجانب الصحي من حياتهم أو يطور مناعتهم مقدمين خدمة جليلة للبشرية.

لكن لمَ حرص الأدباء والمفكرين على تخليد هذه الأحداث التي أطاحت ملايين البشر من قبل؟ هل كانت الأوبئة طاغية لهذا الحد؟ الغريب في الأمر أن معظم هذه الأوبئة كانت كائنات دقيقة، لا تُرى بالعين المجردة، إلا أنها تركت أثرًا في تاريخ البشرية لم يزل حتى الآن، بل ودفعت الكتّاب لتوجيه أقلامهم ناحية هذه الأمراض.

فنجد الشاعر يقول واصفا حالته بعد الإصابة بالحمى

وترافق الحمى أعراض مزعجة كالصداع وآلام المفاصل والنوافض تمنع المريض لذيذ العيش.

يقول الشاعر يصف الحمى:

وزائرة تزور بـلا رقيب

وتنزل بالفتى من غير حُبّهِ

وما أحد يحب القرب منها

ولا تحلو زيارتها لقلبــه

تبيت ببـاطن الأحشاء منه

فيطلب بعدها من عظم كربـه

وتمنعه لـذيذ العيش حتى

تنغصه بمأكلــه وشربه

أتت لزيارتي من غير وعد

وكم من زائر لا مرحبا به

وعليه إليك بعض الروايات العالمية التي تناولت واستفاضت في الحديث عن تلك الأمراض والأوبئة

ترميز الطاعون

أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن علاقة الأدب بالوباء رواية “الطاعون” للفرنسي ألبير كامو الذي أسس روايته على الطاعون الحقيقي الذي اجتاح العالم متتبعاً تصاعده المأساوي في مدينة “وهران” الجزائرية، واصفاً حال المدينة وأحوالها ورباطة جأش سكانها في مواجهة الطاعون، وحاصداً في الوقت نفسه منفعة استثنائية تمثلت في حصوله على جائزة نوبل.. الرجل يستحق، وربما تكون نوبل (قليلة عليه) فهو لم يقدم للعالم واحدة من أهم الأعمال الروائية فقط، بل تميز بموقفه الإنساني المتقدم، وبمنسوب عالٍ من الإبداع، فلم يقف عند حدود الوصف الواقعي بل سرعان ما ارتقى بالوباء إلى مستويات رمزية لافحة تؤشر على عدم انتهاء الطاعون المجازي مع انتهاء الطاعون الحقيقي، القاتل الجبار الذي يقف أمامه الإنسان ضعيفاً، عاجزاً، مقهوراً، بلا أسلحة ولا قدرة على المواجهة، فجرثومة الطاعون، حسب تصريح الدكتور ريو، لا تموت أو تختفي إلى الأبد، وإنما تنام لتظهر من جديد.

الحب في زمن الكوليرا

مع رواية “الحب في زمن الكوليرا” لمؤلفها غابرييل غارسيا ماركيز، صاحب رواية مائة عام من العزلة، والحاصل على نوبل في الأدب، والذي قال يومًا عنها:

‘إن هذا الحب في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يشتد كثافة كلما اقترب من الموت

العمى:

لنتقل لرواية “العمى” وهي من أهم الروايات التي تتحدث عن تفشي الأمراض والأوبئة على غرار ما يحدث الآن في وباء فيرس كورونا، وهي من تأليف جوزيه ساراماغو، والذي يحصى كواحد من أنبغ الأدباء الراحلين، حصل على الكثير من الجوائز على مدار حياته الأدبية، أهمهم جائزة نوبل في الأدب.

وتدور أحداث الرواية عن مريض أُصيب بالعمى، فذهب إلى الطبيب، وانتقل الوباء إلى الطبيب، وبمرور الوقت تفشى المرض في القرية كلها، وفي هذا الوقت انتشرت السرقة بشكلٍ كبيرٍ وعمت الفوضى في أنحاء القرية، وتدخل الجيش للسيطرة على الوضع، وظهر الكثير من المبادئ الغير مقبولة في المجتمع من قتل وسرقة وتطبيق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة في سبيل الحصول على الطعام.

ويستطرد الكاتب في الحديث عن الطبيب وعائلته الذين يقامون المرض والأحداث الجارية حولهم، جاهدين في المحافظة على أنفسهم بين كل ذلك الخراب، حتى اختفى المرض فجأةً. نجحت الرواية وانتشرت على نطاقٍ واسعٍ، إذ أنها تُرجمت لعدة لغات، وأُنتج فيلمًا سنيمائيًا مستلهم من الرواية بعنوان

الموقف:

بالطبع لا ننسي رواية “الموقف” رائعة الكاتب الأمريكي الشهير ستيفن كينج، والملقب بملك أدب الرعب. تتحدث الرواية عن الطريقة التي سينتهي بها العالم عبر انتشار نوع خطير من أنواع الإنفلونزا القاتلة مثل فيرس كورونا، والانهيار التام للمجتمع بعد أن تسبب الإطلاق المفاجئ لسلالة من الإنفلونزا التي تم تعديلها للحرب البيولوجية في حدوث وباء مروع، والذي يقتل غالبية العالم، وستقضي على البشرية، ولن ينج منىها إلا عدد ضئيل جدًا من البشر، وكانت نجاتهم بسبب امتلاكهم قدرات خارقة للطبيعة، ومن المفترض أن يكون هؤلاء المتبقون، هم سبب تعمير الأرض فيما بعد، ثم تصبح معركة بين الخير والشر.

وفي النهاية.. لطالما سمعنا عن الأمراض والأوبئة -أخرها فيروس كورونا- التي فتكت بشعوب وجيوش، ومنها ما حسمت حروب، ومنها ما أدت لمجاعات، لم يسلم منها البشر، وسببت الذعر للناس في أوقات من التاريخ، منها ما وصلنا ذكره، ومنها ما لم يصل إلينا عنه خبر، وطواه الزمن، ونسي البشر وقتها أن يدونوه ويخبرونا عنه، ربما من الذعر، من الهلع، من انتظار المصير المحتوم بإبادة البشر من على وجه المعمورة وقتها، فألهاهم المرض عن الكتابة لنا، وإرسال رسالة لنا تنبهنا بأن هناك مرض ما متربص لبني البشر، ونحن ننتظر الآن من سيكتب رواية الحب في زمن الكورونا وسندرس بعد جلاء هذه الغمة عن تأثير مرض الكورونا على الأدب العالمي وسنقرأ العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة تعنون اسم الكورونا……

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.