د. طلعت الدردير يكتب: أمة اقرأ يجب أن تقرأ


 

د. طلعت الدردير يكتب:

أمة اقرأ يجب أن تقرأ

“أمة اقرأ لا تقرأ”، هذه بالفعل مقولة صادقة، تستدعي منّا التمعن في معناها الأليم، والنظر في عمق ما تحمله من رسائل تُدمي القلب وتعتصره ألمًا وحرقةً من فرط دلالاتها؛ حيث تعتبر هذه المقولة من المقولات التي تعكس بصدق الواقع المؤلم الذي وصلت إليه الأمة بأسرها؛ لأن القراءة لم تعد من أولويات الامة واهتماماتها، فانشغل عنها أبناء الأمة بغير ذلك من الملهيات والشواغل التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وضاعت أوقاتهم بعيدًا عن الكتاب المفيد والاطلاع النافع، وابتعدوا عن تحصيل العلوم المفيدة النافعة التي هي سبب أكيد في رقي الأمم وتقدمها.
ولقد اهتم الإسلام بالقراءة وحث عليها وأكد على ذلك في مواضع عديدة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، حيث قال الله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} العلق: الآية 1، وفي حديث للرسول صلى الله عليه وسلم قال: “مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر”، وهناك العديد من المواقف المذكورة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والتي تدل على أهمية القراءة، ومن هذه المواقف فداء الأسرى في معركة بدر، حيث كان النبي يطلب ممن يُريد تحرير نفسه من الأسر من أسرى المشركين أن يُعلم عشرة أشخاص من المسلمين القراءة، والكتابة لقاء ذلك، وعلى الرغم من حاجة المسلمين وقتها للمال لبناء دولة الإسلام اقتصاديًا إلا أن الرسول رأى في ذلك وسيلة للاستفادة من خبرات المتعلمين من قريش لتعليم المسلمين، وآثر أن يفدي أحدهم نفسه وينال حريته مقابل ذلك، ويالها من وسيلة لبناء الأمة وازدهارها ورقيها بزيادة أعداد من يجيدون القراءة والكتابة، وبداية فاعلة لتحصيل العلم النافع المفيد. لقد تميزت المكتبات الإسلامية على مر عصور ازدهار الحضارة الإسلامية بعظمتها وشهرتها في العالم أجمع، فكانت علامات مضيئة في تاريخ المسلمين، وسببًا في توطيد مكانتهم بين الأمم على مستوى العلم والثقافة، وقد بقيت هذه المكتبات كذلك لعدة قرون، ومن هذه المكتبات: مكتبة بغداد، وإشبيلية، وقرطبة، والقاهرة، وغرناطة، ودمشق، وطرابلس، والقدس، والمدينة.
وقد أكد كثير من العلماء والفلاسفة والحكماء على أهمية القراءة، قيل لأرسطو : كيف تحكم على إنسان؟ فأجاب: أسأله كم كتابا يقرأ وماذا يقرأ؟ وقال مونتسكيو: “حب المطالعة هو استبدال ساعات السأم بساعات من المتعة”، وقال الجاحظ: “إنى لا أعلم شجرة أطول عمرا ولا أطيب ثمرا ولا أقرب مجتنى من كتاب”، وقيل: “القراءة تمنحنا مكاناً آخر نذهب إليه عندما نضطر للبقاء في أماكننا”، وكان الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يقرأ لمدة عشر ساعات يوميًا طيلة سبعين سنة. وذكر أحد الدعاة حال الأمة وعلاقتها بالكتاب في موقف مر به حيث قال: “على الطائرة المتجهة من كوانچو بجنوب الصين إلى القاهرة، وهي المسافة التي تحتاج إلى ثلاث عشرة ساعة من الطيران كان جاري بملامحه الأوربية وبمجرد جلوسه على مقعده يمسك كتابه ويقرأ فيه طوال ساعات الرحلة بلا توقف إلا لطعام أو لقضاء حاجة، بينما كان المشرقيون يلتهمون اللب والسوداني أو يشاهدون الفيلم الأجنبي أو يتبادلون النكات والحكايات”، ومن الإحصاءات المرتبطة بذلك أن ما تستهلكه دار نشر فرنسية واحدة من الورق هي (باليمار) يفوق ما تستهلكه مطابعُ العرب مجتمعة من المحيط إلى الخليج، وأن مجمل الكتب التي تصدر في مختلف أرجاء الوطن العربي لا تبلغ الخمسة آلاف كتاب في السنة الواحدة، بينما نجد أن عدد الكتب الصادرة في أورويا يصل إلى خمسين ألفًا وفي أمريكا وكندا فإن العدد هو مائة وخمسون ألفًا.
وفي ذلك كله دلالات على أهمية القراءة كونها أداة تحصيل العلم والمعرفة، وإن العقل يؤكد كذلك على أهمية القراءة حيث أنه من المستحيل تحصيل المعرفة والعلوم بدون القراءة، ولا يُتصور أن يتعلم الإنسان أي علم أو يستفيد ويزيد من خبراته وإرثه المعرفي بدون القراءة، ويؤكد الواقع كذلك على صدق هذه المقولة؛ حيث نجد أن أبناء الأمة مشغولون عن القراءة بغيرها ولا يمثل لهم الكتاب أي اهتمام، وعلى النقيض من ذلك نجد الأمم الأخرى يحمل أبناؤها الكتاب أينما ذهبوا وحلوا متيقنين من نفعه وما يحمله الكتاب بين دفتيه من درر وكنوز ومعرفة وأدوات ريادة وتقدم وأسباب لبناء الحضارة وزيادة الإرث المعرفي والإنساني.
ومما تقدم ذكره، فإن مقولة” أمة اقرأ لا تقرأ ” هي بالفعل مقولة صحيحة وتعكس واقعًا أليمًا، وأتفق مع مضمونها، ولا أتصور مطلقًا كيف وصل حال الأمة فيما يتعلق بالقراءة والاهتمام بها وبالكتاب إلى هذا التردي. إن أمة لا تقرأ أرى أنها أمة اختارت لنفسها طريق التأخر، وارتضت أن تكون في جهل ألجم عقلها وغيب وعيها وقضى على إرثها الحضاري والمعرفي. يا أبناء الأمة، أفيقوا واتخذوا من القراءة شعارًا ونبراسًا وأداةً فاعلة لتحقيق التقدم والرقي والعودة إلى أمجادكم التي بُنيت بالعلم والقراءة والاطلاع.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.